تركيا تفرج عن 4 ناشطين حقوقيين وسط احتجاجات دولية على الاعتقالات التعسفية

«البنتاغون» قدّم لـ«الكونغرس» تقريراً بشأن تسليم مقاتلات «إف - 35»

إردوغان لدى افتتاح حديقة عامة في إسطنبول أمس (إ.ب.أ)
إردوغان لدى افتتاح حديقة عامة في إسطنبول أمس (إ.ب.أ)
TT

تركيا تفرج عن 4 ناشطين حقوقيين وسط احتجاجات دولية على الاعتقالات التعسفية

إردوغان لدى افتتاح حديقة عامة في إسطنبول أمس (إ.ب.أ)
إردوغان لدى افتتاح حديقة عامة في إسطنبول أمس (إ.ب.أ)

أفرجت السلطات التركية، أمس، عن 4 معتقلين في التحقيقات بشأن مؤسسة «الأناضول الثقافية» الناشطة في المجال الحقوقي والمملوكة لرجل الأعمال الناشط البارز في مجال حقوق الإنسان عثمان كافالا، المحبوس احتياطياً، منذ أكثر من عام، لاتهامه بالضلوع في محاولة للإطاحة بالحكومة.
واعتقلت قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول، أول من أمس، 13 من بين 20 مطلوباً صدرت بحقهم قرارات اعتقال من النيابة العامة في إسطنبول، في إطار التحقيقات بشأن مؤسسة الأناضول الثقافية. وأثارت الاعتقالات موجة احتجاجات واسعة من جانب المنظمات الحقوقية الدولية، وبعض الدول، من بينها الولايات المتحدة.
وذكرت مصادر أمنية، أمس، أنه تم في وقت متأخر ليل الجمعة الإفراج عن 3 من المعتقلين، هم تورجوت تارهانلي، عميد كلية القانون في جامعة بيلجي بإسطنبول، واثنان من العاملين في المؤسسة، ثم أفرجت السلطات، أمس، عن الأكاديمية بتول تاباي، وهي أستاذة رياضيات في جامعة بوغازيجي بإسطنبول.
ويواجه الثلاثة عشر معتقلاً اتهامات بالعمل مع «كافالا» ومؤسسة الأناضول الثقافية، وبالسعي لتوسيع رقعة مظاهرات «متنزه جيزي» التي جرت عام 2013، و«التحريض على الفوضى» للإطاحة بالحكومة من خلال جلب «نشطاء» من الخارج.
وكانت احتجاجات «جيزي» بدأت كحركة سلمية معنية بالبيئة، لكنها تحولت سريعاً إلى احتجاجات في مختلف أنحاء البلاد ضد الحكومة ورئيس الوزراء آنذاك، الذي أصبح رئيساً للجمهورية رجب طيب إردوغان.
ويواجه كافالا اتهاماً بمحاولة الإطاحة بالحكومة، من خلال عملية بدأت خلال احتجاجات «متنزه جيزي»، واستمرت حتى محاولة الانقلاب الفاشلة لعام 2016، وبعدها. وتعمل مؤسسة الأناضول الثقافية مع معهد «غوته» الألماني في إسطنبول.
وطالبت منظمة العفو الدولية، في بيان، أمس، حكومة إردوغان بوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها ضد المعارضين والناشطين، تحت ذريعة الأمن. وذكرت المنظمة، تعليقاً على حملة الاعتقالات التي قامت بها السلطات التركية، أنه منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، أطلقت حكومة إردوغان حملة مروعة تحت ذريعة الحفاظ على الأمن ضد كل المعارضين، ومن بينهم مدافعون عن حقوق الإنسان وصحافيون ومحامون وأكاديميون.
وأوضحت أن قوانين الطوارئ التي وُضِعَت، بموجب مراسيم رئاسية، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة على أنها مؤقتة، أصبحت الآن دائمة، قائلة إن هذه القوانين تشمل صلاحيات استثنائية للفصل التعسفي للقضاة، وغيرهم من الموظفين العموميين، وفرض قيود على سفر الأشخاص داخل تركيا، وحظر التجمعات العامة، وتمكين الشرطة من احتجاز المشتبه بهم لفترات طويلة دون توجيه تهمة.
وشددت المنظمة على أن تركيا بحاجة ماسَّة إلى المجتمع المدني القوي، والصحافة الحرة، والقضاء المستقل أكثر من أي وقت مضى، في ظل ما تواجهه من حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي. كما طالبت المنظمة بضرورة «عدم السماح لحكومة إردوغان بمواصلة تقويض حقوق الإنسان»، داعية للتوقيع على عريضة عبر موقعها الإلكتروني لمطالبة إردوغان باتخاذ خطوات، لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان باسم «الأمن القومي».
ونفّذت السلطات التركية أوسع حملة اعتقالات وإقالات ضد أكاديميين وأعضاء في المجتمع المدني وفي القوات المسلحة والتعليم ومختلف مؤسسات الدولة شملت أكثر من 400 ألف شخص، ما بين موقوفين ومفصولين من أعمالهم بدعوى صلتهم بحركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة انقلاب فاشلة وقعت في منتصف يوليو (تموز) عام 2016.
وكان تقرير صدر، نهاية الشهر الماضي، عن منظمة العفو الدولية قال إن ما يقرب من 130 ألف موظف تم فصلهم من وظائفهم تعسفياً قبل أكثر من عامين في تركيا، خلال فرض حالة الطوارئ.
وأعربت واشنطن عن قلقها بشأن أنباء عن توقيف السلطات التركية لعدد من الناشطين والصحافيين المرتبطين بمؤسسة «الأناضول الثقافية». ولفتت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، هيذر ناورت، الليلة قبل الماضية، إلى أن «الشفافية وحكم القانون وحرية التعبير هي أسس جوهرية في ديمقراطية سليمة». وأكَّدَت أن الشراكة بين الولايات المتحدة وتركيا أقوى عندما تزدهر الديمقراطية التركية.
وحثّت المتحدثة باسم الخارجية السلطات التركية «على احترام حرية التعبير والتجمُّع وضمان محاكمات نزيهة وقضاء مستقل، وطالبت بإطلاق سراح مَن أوقفوا تعسفاً».
وفي سياق متصل، سلَّمَت الولايات المتحدة عضواً في حركة غولن، أول من أمس (الجمعة)، يدعى محمد صالح غوزاغير، كان عضواً سابقاً في مجلس إدارة مؤسسة تابعة لحركة غولن، وتم نقله إلى تركيا وبدأت التحقيقات معه. ورحّلت واشنطن غوزاغيز لإدانته في «دعوة أطفال للدعارة عبر الإنترنت»، و«محاولة الاعتداء الجنسي على أطفال».
في المقابل، نفت وزارة العدل الأميركية اعتزامها إبرام صفقة لتسليم غولن، المطلوب من جانب تركيا. وكانت شبكة «إن بي سي» الإخبارية الأميركية زعمت، أمس (الخميس)، أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تبحث سبلاً محتملة لتسليم غولن، لاتهامات بالضلوع في الانقلاب الفاشل (2016). وإصدار وزارة العدل لنفي أمر غير معتاد، إذ إنها عادة ما تُحجِم عن التعليق على أمور تتعلق بقضايا تسليم محتملة.
وكانت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية علقت على هذه الأنباء بأن قضية غولن تتعلق بالكامل بوزارة العدل ولا دخل لوزارة الخارجية أو البيت الأبيض بها. ونفى مسؤول في البيت الأبيض، طلب عدم نشر اسمه، أيضاً تقرير «إن بي سي»، قائلاً إن «البيت الأبيض لم يخض في أي مشاورات حول تسليم غولن». ويقيم غولن في ولاية بنسلفانيا الأميركية منذ عام 1999، كمنفى اختياري، وكان حليفاً مقرباً لإردوغان، ونفى أي صلة له بمحاولة الانقلاب الفاشلة.
وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، عقب لقائه أعضاء بمجلس النواب الأميركي في كندا، أول من أمس، إن أنقرة سلّمت واشنطن 85 مجلداً ووثائق لا تحصى، في سبيل إعادة الولايات المتحدة غولن وأعضاء حركته إلى تركيا. وأعرب عن استعداد بلاده لتقديم مزيد من المعلومات إلى الولايات المتحدة في حال طلب منها ذلك، مشدداً على أن حركة غولن هي «منظمة إرهابية».
إلى ذلك، قدمت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ليل الجمعة - السبت، تقريرها إلى الكونغرس، حول بيع 100 مقاتلة من طراز «إف - 35» إلى تركيا.
وأفاد المتحدث باسم البنتاغون، مايك أندروز، بحسب وكالة الأناضول التركية، بأن تقرير مقاتلات «إف - 35»، المدرج ضمن موازنة البنتاغون، تم تقديمه إلى الكونغرس من أجل اتخاذ قرار. وقال إن الوزارة ستلتزم بتعاون وثيق من أجل الرد على جميع أسئلة الكونغرس بهذا الصدد، وإنه سيدلي في الأيام المقبلة بمعلومات تتعلق بمحتوى التقرير والمرحلة التي تعقبه.
وكان الكونغرس أقر مشروع قانون في أغسطس (آب) الماضي يطالب «البنتاغون» بتقديم تقرير حول العلاقات التركية - الأميركية، وصفقة مقاتلات «إف - 35»، خلال 90 يوماً، كحد أقصى من تاريخ التوقيع.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، تسلَّمت تركيا أول مقاتلة «إف - 35» من الولايات المتحدة، التي أُنجزت بإسهام فعّال من قِبل الصناعات الدفاعية التركية، رغم إقرار مجلس الشيوخ الأميركي، مشروع قانون يمنع الإدارة الأميركية من بيع تركيا ذلك النوع من المقاتلات. ويشارك في مشروع إنتاج المقاتلة كل من تركيا والولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وهولندا وكندا وأستراليا والدنمارك والنرويج.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...