كان هناك تجمع لنجوم «مانشستر يونايتد» أحد أيام الأحد، شارك فيه سير مات بوسبي، وكذلك نوبي ستايلز وآخرون. وكان ذلك مطلع تسعينيات القرن الماضي، داخل مطعم. وخلال اللقاء، جرى توجيه سؤال إلى ستايلز الذي كان يتولى مسؤولية الفريق الثاني في «أولد ترافورد» حول من هو أفضل ناشئ في صفوف النادي؟.
ولم يتردد ستايلز في الإجابة، وسارع بالرد: «بن ثورنلي». وشعر بعض الحضور بالدهشة لتجاوزه ريان غيغز. ورد ستايلز مؤكداً أن: «ثورنلي أقرب لاعب رأيته إلى جورج بست على مدار فترة وجودي داخل النادي».
ورد ثورنلي على هذا القول مبتسماً: «هذا جنون! محض جنون! قليلون للغاية لاعبو كرة القدم الذين ارتقوا لمستوى مقارنتهم بجورج بست. لذا، فإن بلوغي مستوى المقارنة به على أي مستوى من جانب شخص سبقت له المشاركة في الفوز ببطولة كأس العالم، فإنه أمر أكثر من رائع!»
كان ثورنلي حينها صبياً قادماً من منطقة سالفورد الشمالية عاش حلم حياته. وقد انضم إلى مانشستر يونايتد في سن الـ14. وشارك في أول مباراة له احترافية مع الفريق الأول كلاعب جناح أمام وستهام يونايتد عندما كان في الـ18 وكان من المقرر مشاركته في بطولة دور قبل النهائي ببطولة كأس الاتحاد الإنجليزي عام 1994 أمام «أولدهام». إلا أنه في لمح البصر، انتزع هذا الحلم الثمين من يده انتزاعاً.
كان ثورنلي يلعب في فريق الاحتياط أمام «بلاكبيرن روفرز»، وسقط ضحية اشتباك قوي على الكرة من جانب نيكي ماركر، وكان الأخير لاعباً محترفاً يبلغ 28 عاماً. في الحقيقة، من الصعب تحديد الأجزاء التي لم تتعرض للتهشم من ركبة ثورنلي. لقد تعرض لتمزق كامل في الرباط الداخلي وكذلك في المحفظة الغائرة. وأيضاً، وقع تمزق في الأربطة الصليبية، بينما انفصلت الهلالة الأنسية لمفصل الركبة عن مكانها وحدث تمزق جزئي في عضلات باطن الركبة.
وأكد روب سواير، أخصائي العلاج الطبيعي في «مانشستر يونايتد» في ذلك الوقت، أن تلك كانت أسوأ إصابة في الركبة شاهدها على مدار 30 عاماً. أما سير أليكس فيرغسون، الذي كان حاضراً في المدرجات تلك الليلة، فاستشاط غضباً وأصر على ضرورة أن يسعى ثورنلي، بدعم من مانشستر يونايتد، لمقاضاة ماركر ونادي بلاكبيرن روفرز.
بالتأكيد هذه ليست القصة الأولى لصبي يحمل إمكانات كبيرة يمنعه حظه العاثر من تحقيقها. إلا أن قصة ثورنلي على وجه التحديد تركت أصداءً أعمق على وجه الخصوص بسبب مكانها وتوقيتها. ويعلم الجميع عن «مجموعة 1992» داخل مانشستر يونايتد، وهي مجموعة من الأصدقاء فازت ببطولة كأس اتحاد الكرة للناشئين ذلك العام ـ وكانت أول بطولة يحصدها النادي منذ عام 1964 ـ وانطلق أفرادها في بناء مسيرات كروية متألقة ووصلوا للنجومية. إلا أن ما لا يعرفه الجميع أن ثورنلي كان الأفضل بينهم.
من جهته، قال ديفيد بيكهام: «كان ثورنلي سيتفوق علينا جميعاً ـ هذا أمر مثير للحزن. دون أدنى شك، كان ليصبح واحداً من أفضل عناصر مانشستر يونايتد والمنتخب الإنجليزي». أما بول سكولز فوصف ثورنلي بأنه كان «متقدماً بخطوة عنا جميعاً، وكان باستطاعته فعل كل شيء». وقال غاري نيفيل إنه كان «واحداً من أبرز المواهب التي لعبت معها على الإطلاق».
من ناحيته، أبدى ثورنلي قدراً كبيراً من المقاومة بعد الجراحة. ومن بين الدلائل القوية على عزيمته الصلبة أنه شارك في 13 مباراة مع مانشستر يونايتد بين عامي 1995 و1998. ومع هذا، وجد ثورنلي نفسه مضطراً للتكيف مع واقع جديد فرض عليه أن يكون أفضل مستوى أداء لديه ليس بالتألق المطلوب، الأمر الذي اضطره نهاية الأمر إلى إنهاء مسيرته المهنية كلاعب كرة قدم محترف في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008 وكان في الـ28 من عمره، بعد فترات مشاركة في صفوف «هيدرسفيلد» و«أبردين» و«بلاكبول» و«بيري». كما شارك مع «هاليفاكس» و«باكب بورو» و«سالفورد سيتي» و«ويتون ألبيون».
في تلك الأثناء، اضطر ثورنلي لمشاهدة أصدقائه في مانشستر يونايتد يبلغون ذروة النجومية. وكان ثورنلي أقرب صديق إلى غاري نيفيل وبيكهام، لكنه في الوقت ذاته كان ولا يزال محط إعجاب وتقدير بالغ من جانب جميع عناصر المجموعة، بما في ذلك غيغز وسكولز ونيكي بت وفيل نيفيل. ويبدو هذا الإعجاب واضحاً عبر صفحات سيرته الذاتية التي ينوي نشرها قريباً.
ومن بين أبرز السمات اللافتة في شخصية ثورنلي غياب الغيرة من داخله. وعن هذا، قال: «أشعر بفخر هائل أنهم جميعاً مضوا في طريقهم نحو تحقيق النجومية وأصبحوا أكبر من الصبية الذين عرفناهم باسم «مجموعة 1992» ـ بالنسبة لأشخاص مثل كيث غيليسبي وروبي سافيدج وكريس كاسبر وجون أوكاني. رغم ما حدث لي، كانوا دوماً في طريقهم لتحقيق هذا المستوى الرفيع. ولا أدري إن كنت سأحقق مثل هذا المستوى الذي وصلوا إليه، لكن المؤكد أنني كنت سأحصل على فرصة محاولة تحقيق ذلك».
ويعج كتاب ثورنلي بالكثير من اللحظات المؤثرة، لكن تبقى واحدة منها لافتة على نحو خاص. في الدقيقة 65 من مباراة لفريق الاحتياطي أمام بلاكبيرن، سأل مدرب مانشستر يونايتد، جيم ريان ـ الذي كان يضع نصب عينيه مباراة قبل نهائي بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي الوشيكة ـ ثورنلي ما إذا كان باستطاعته المضي قدماً. وأجاب ثورنلي: «نعم، أنا بخير». وبعد خمس دقائق، قفز ماركر نحوه ليهشم ركبته.
ماذا لو أن ثورنلي قد خرج من الملعب في تلك اللحظة؟ سيبقى هذا سؤالاً عالقاً دون إجابة. وقال ثورنلي: «سيظل الناس يطرحون علي هذا السؤال. ربما يكون هذا أسوأ قرار اتخذته في حياتي على الإطلاق ولحظة بدلت مسار حياتي بأكملها».
ومع هذا، يحيا ثورنلي في حالة سلام هذه الأيام ويبدو متسامحاً إزاء الكيفية التي تعرضت بها مسيرته بمجال كرة القدم الاحترافية للتدمير. إلا أنه وصل هذه النقطة بعد مشوار طويل جابه خلاله صعوبة في بعض اللحظات. وثمة عبارة قالها شقيقه، رود، الذي يعمل فني تدليك في «مانشستر يونايتد»، لا تزال تتردد أصداؤها بقوة، حيث قال: «بين لم يعد الشخص ذاته قط بعد الإصابة. وكي أكون صريحاً تماماً، لم يصل يوماً بعد هذه الإصابة للسعادة التي كان يعيشها قبلها». وتوقف ثورنلي برهة وقال: «ربما أصاب لب الحقيقة. إن شقيقي يلحظ أموراً لا يلحظها سوى الأخ. ولم أفلح في الخروج من هذه المحنة بصورة حقيقية إلا في السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة».
بعد رحيله عن مانشستر يونايتد، عايش ثورنلي بعض اللحظات الجيدة داخل الملعب، تحديداً المواسم الأولى له مع هيدرسفيلد وأبردين. إلا أن شعوره بالإحباط والغضب بلغ حداً كان من الصعب عليه كبته. وعليه، فقد ثورنلي تركيزه المهني، الأمر الذي كان يبدو في حكم المستحيل قبل الإصابة، واتجه إلى تناول الكحوليات في محاولة للهروب.
وقال: «انتقلت إلى حالة متطرفة في موسمي الثاني مع أبردين في 2003-2004، فقد فقدت روح الانضباط، وأصابني هذا الأمر بمزيد من الإحباط. ومرت علي لحظات شعرت خلالها بخيبة أمل هائلة. وعندما يمر المرء بمثل هذه اللحظات ـ أن يعرقل مسيرته في شتى جوانب الحياة أي عائق ـ فإنه يصبح بحاجة إلى التنفيس عما يجيش بداخله».
وسقط ثورنلي إلى القاع عام 2006. وذلك بانفصاله عن زوجته كلير ـ أم ولده لوكاس البالغ 14 عاماً ـ في يناير (كانون الثاني) وفقد السيطرة تماماً على نفسه. وعن تلك الفترة قال: «أصبحت أتنقل من حانة لأخرى، ولم أكن أنام ولا آكل بصورة جيدة. وقال لي شخص ما: «أنصت إلي، إذا لم تلتزم الحرص، ستقتل نفسك». وفجأة بعد مرور ثمانية أو تسعة شهور على تلك الحال، توقفت فجأة وقلت لنفسي: «لا يمكنني المضي في حياتي على هذا النحو».
ونجح ثورنلي في استعادة التوازن في حياته، ويرجع الفضل وراء ذلك بصورة أساسية إلى زوجته ليزلي، التي ارتبط بها منذ 10 سنوات، بجانب عمله في القناة التلفزيونية التابعة لـمانشستر يونايتد، والمحطة الإذاعية وقناة «إم يو تي في»، علاوة على نشاطه بمجال الضيافة داخل «أولد ترافورد». ومن قبل، عمل سائقاً لحافلة ومديراً لمطعم ـ لكن هذه الأعمال لم تناسبه.
وإذا تحدثت مع أي شخص عن ثورنلي، ستتلقى الوصف نفسه: فهو شخص مرح ومتسرع ويبدو الشخصية النمطية المميزة لمنطقة سالفورد. وقد انتقده أصدقاء له بشدة لجرائمه بحق الموضة والأناقة. على سبيل المثال، قال غيغز مازحاً: «أشاهد صوري القديمة وأتساءل: ما هذا الذي كنت أرتديه؟ ثم أنظر إلى ثورنلي وأقول: على الأقل لا أبدو بهذا السوء».
قبل أي شيء، يتميز ثورنلي برفقته الممتعة، فهو من نمط الشخصيات التي يسعد المرء بالوجود قربها.
أما ثورنلي فقال عن مسيرته المهنية: «كنت دائماً سأكون أقل عما كنت أظن أن بمقدوري تحقيقه». على الجانب الآخر، فإن معينه لا ينضب من قصص التجارب الحياتية الثرية التي تركت بصمتها عليه.
وقال: «كنت دوماً أقول إن إصابتي ستتمخض في النهاية عن شيء جيد، وهذا الشيء هو هذا الكتاب. إنه يجعلني أشعر بتواضع بالغ أن الرفاق الذين ترعرعت معهم كانوا دوماً على استعداد لدعمي بعد مرور 20 عاماً».
ثورنلي... مهاجم دمرت الإصابة حلمه في أن يكون نجم إنجلترا الأول
جرى النظر إليه باعتباره أفضل مهارة من غيغز وسكولز وبيكهام في مانشستر يونايتد
بن ثورنلي (يسار) بقميص هيدرسفيلد أمام بلاكبيرن
ثورنلي... مهاجم دمرت الإصابة حلمه في أن يكون نجم إنجلترا الأول
بن ثورنلي (يسار) بقميص هيدرسفيلد أمام بلاكبيرن
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




