الشاعرة المصرية حنان كمال: الشعر ملاذي للتعايش مع الألم

«أعيش مع الموت فعلاً وحدثت بيننا ألفة تخلصت من الخوف منه فصار وديعاً»

الشاعرة المصرية حنان كمال
الشاعرة المصرية حنان كمال
TT

الشاعرة المصرية حنان كمال: الشعر ملاذي للتعايش مع الألم

الشاعرة المصرية حنان كمال
الشاعرة المصرية حنان كمال

في رحلتها الطويلة مع المرض والتعايش الشاق معه، لم تجد الشاعرة والفنانة التشكيلية المصرية حنان كمال، سوى الشعر، يحنو عليها ويخفف من آلامها... في ديوانها الأول «كتاب المشاهدة» لم تستند إلى قضايا كبرى، لكنها اتكأت على كل ما هو إنساني ويومي وبسيط، اختزنته في روحها وحولت آلامها ومعاناتها إلى طاقة أمل في نصوص قصيرة جداً بلغت ستا وخمسين قصيدة نثرية، طبعتها حديثاً دار «ميريت» القاهرية، وشكلت من تفاصيلها جميعاً لوحة شعرية كلية تستحق التأمل، وقد استفادت خلالها من كونها فنانة تشكيلية أيضاً، فجعلتها تزدهي باللون والظل والإيقاع الزاخر بالحياة. فيما يأتي حوار معها أجري في القاهرة حول الديوان ورحلتها مع المرض.
> ما الذي دفعك لكتابة الشعر فيما تحققين خطوات واسعة في مجال الرسم؟
- في البداية كانت الأفكار تأتي لي وأنا أقود سيارتي، وقتها كانت تتلبسني حالة من البكاء، فأتوقف إلى جانب الطريق، ثم أبدأ في الكتابة وحين أنتهي أعاود القيادة مرة أخرى. بعد فترة وجدتني كلما داهمتني فكرة ما، أستسلم لها وأقوم بصياغتها، ثم أنحيها جانبا إلى أن قررت طباعتها في كتاب بعد أن شجعني على ذلك الكثير من الأصدقاء، لأقف على مسافة فاصلة بيني وبين كل ما يحدث لي وكأنني في عالم آخر.
> لكن لماذا الشعر بالتحديد وليس القصة أو الرواية؟
- بالأساس لم أكن مغرمة بالشعر، والمفاجأة أنني لم أكن أبدا متصالحة مع فكرة الشاعرية والغنائية، لكن ما حدث أن ثمة تجربة إنسانية جرت داخلي، كان علاجها الوحيد أن أقف من حياتي كلها موقف المشاهدة، كانت هذه الحيلة المناسبة لأتخلص من الألم، أن أقف على مسافة فاصلة بيني وبين كل ما يحدث لي، وكأنني في عالم آخر، فكانت هذه النصوص هي خلاصة المشاهدة.
وقد اعتقدت أني قد لا أكتب الشعر مجدداً لأنه اقترن بقدر كبير من الألم، وأنا كشخص كل ما أريده أن أتجنب الألم. أحياناً يسألني بعض الأصدقاء، كيف استطعتِ أن تكتبي كل هذه النصوص المتفجرة بالطاقة الشعرية؟ ولطالما كان ردي أن «هذا ما أملاه علي العفريت»، فأنا أشعر فعلا أنني لست من كتب كل هذه النصوص، لأنني عملية وواقعية أو هكذا أظن نفسي، ولا أستطيع تحمّل شاعرية القصائد.
عندي مشكلة أن الناس تتعامل معي على أني الكاتبة مريضة السرطان، وهذا التوصيف الذي يستدعي التعاطف يصيبني بكثير من التوتر، فما أريده هو أن يحب الناس نصوصي وقصائدي، لا أن يبكوا من أجل ألمي كإنسانة، فتجربتي مع الألم والفقد تتجاوز تجربة السرطان لما هو أبعد وأكثر إيلاماً، قد يبدو هذا واضحاً في الكتاب.
> لكن، لماذا لم تكتبي الرواية، ربما تكون الأقرب لتفاصيل هذه الرحلة؟
- كنت أتوقع أن أكتبها، لأنني أحب التفاصيل اليومية، لأني محررة، وأنتمي للصحافة الاستقصائية، لكن هذا الديوان كان رحلة الهروب من هذه التفاصيل بعد ما غدت مؤلمة، وفيها سوف تجد افتقاداً لليومي، وحنيناً لسخونته وطزاجته، تحليقاً في أجواء سماوية وشاعرية مستعارة.
حين اتجهت لكتابة القصائد هذه، لم أكتب طبقاً لتصورات مسبقة، لأنني كنت أتوقع أن اللغة عندي ليست قوية كما ينبغي، كما أنني لم أنتبه مطلقاً للموسيقى والعروض والإيقاع، مثل كل الذين يبدأون طريقهم في مجال الشعر، وأتحسب لانتقادات واسعة في هذا السياق، لكن ما أعرفه أنني أجيد التعبير عن المشاعر برهافة تتناسب مع حجم الألم، وقد سعيت لأن يكون ما أعبر عنه حقيقياً وطازجاً، وليس مفتعلاً أو مبتذلاً، فكل ما كتبته مرّ من خلال روحي، وربما هنا تكمن قيمته الحقيقية بعيداً عن المقاييس المتعارف عليها.
> يتجلى الموت في معظم قصائد الديوان بوصفه كائنا يمكن أن يكون صديقاً، أو شخصا يخاف الضوء، ويعتريه الارتباك، ما السر وراء هذه الرؤية في شعرك؟
- أنا أعيش مع الموت فعلاً، أقترب من حافته كثيراً، حتى حدثت بيننا ألفة، تخلصت من الخوف منه فصار وديعاً، وأعتقد أنني حين تخلصت منه صار هو يخاف من صلابتي.
الموت يقتات على هشاشتنا، لكنني أعترف أنه الصديق الذي عرَّفني على الحياة بشكل أفضل، فصرت أحياها بجسارة أكثر، وقد عرفت أن الاقتراب من الموت يفك ألغاز الحياة، هذه الثنائية لن تدركها إلا حين تنسحب من ضوضاء الكون وتصغي، وقد حدث لي هذا بينما كنت أعتقد أنني بصحبة الموت أعبر البوابة الأخيرة فإذا بي أرقص مجدداً مع الحياة.
> هناك نوع من المشهدية يسيطر على أسلوب الكتابة لديك، صورة نسعى إلى رسمها من الطبيعة والأشياء من حولنا، ومعظمها ينتمي لعالم الفراشات والغروب والموج والأشجار. ما سبب هذا المنحى، رغم كل الخراب الذي يحيط بنا؟
- حين وضعت نفسي أمام حياتي في مقام المشاهدة تحولت الحياة ذاتها لحلم، ربما تبدت لي الطاقات الكامنة في الأشياء. رأيت الحياة تنبض في كل ما حولي، كان المشهد ساحراً حتى أنني أود أن أظل في مقام المشاهدة دائما، أحدث العشب والطيور، والبحر والنهر والزمن والتاريخ، هذا التواصل مع الكون مذهل لكن له شروط، أهمها الانسحاب ولو جزئياً من معركة الحياة، التناغم مع الكون قرين المحبة، فحين تحب الكون والأشياء تلمس سرها، وسرها يكمن في أنها حيّة وتتواصل معنا، وقد انسحبت من الخراب لأني لم أعد أحتمل ثقله على القلب. هذا الانسحاب هو ربما ما نقلني لعالم المشاهدة من بعيد.
> في شعرك أيضا هناك بعد فلسفي يمكن ملاحظته في النظر إلى قضايا الخلق والحياة... كيف ترين الفلسفة كرافد للشعر، والكتابة الإبداعية؟
- الفلسفة كلمة كبيرة جداً على ما نصنعه. ليست فلسفة لكن ربما هي محاولة فردية لفهم العالم، حينما تقف عاجزاً عن فهم العالم في صورته البسيطة تخلق له معادلة جديدة. صمت الموتى مثلا كان جزءاً من رحلتي مع الموت، أعتقد أنني عشت تجربة الموت أثناء الحياة، استشعرت الموت حقاً، هي منطقة مظلمة نعم، لكن بالتأمل فيها تكتشف أنها تمنحك فهماً للعالم والكون لن تجده وأنت واقف في المنطقة الآمنة السرمدية، الآلام التي لا تنتهي، الحياة التي لا تنتهي، أعتقد أن جزءاً ما بداخلي صار يربط الحياة بالألم ربطاً لا خلاص منه.
> أنسنة الأشياء ملمح هام داخل قصائد الديوان، ما الذي تسعين للإشارة إليه من خلال هذا المسعى الحداثي، كما تقولين؟
- «أشم رائحة النهايات
كرائحة العشب في المطر... كرائحة الصدأ.
أحب الصدأ
لأنه علامة المحبة التي جمعت النهر بالجسر».
> كيف يمكن أن يقترن الصدأ بوصفه بابا من أبواب النهايات بعلامات الحب؟
- كما قلت لك هي ليست أنسنة، هو استشعار للحياة في صورها الكامنة، أنا مثلاً في حياتي العادية أطلق اسما على سيارتي وأحدثها أحيانا، أعتذر منها إذا ما أرهقتها، وأشكر محبتها لي. أطلق أيضاً اسما على مسبحتي وأعطرها وأدللها، ربما هذا انعكاس لحاجتي للائتناس للصداقة الدائمة، للمحبة الدائمة بيني وبين الكون. وأعتقد أن هذه حقيقة، وليست مجازاً.
> أهي رؤية للفناء بحسب ما يفكر الصوفيون؟
- ربما هي رؤية الفناء في الحب، الصدأ أيضا علامة القدم والقدم علامة الأصالة، علامة الاحتكاك بمؤثرات وتجارب، كالندوب التي تتركها قطرات المطر، كاللون الكالح، أو الملوح جراء التعرض للشمس، كل هذا يعني أنك مررت بالتجربة، أنك لم تكن محمياً في قوقعة مخملية، ويعني أنك تعيش حقا، وأن ثمة حياة مرت من هنا، والحياة لا تدللنا قدر ما تترك ندوبها علينا، هذه الندوب جميلة بالفعل.



مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.