المهدي المنجرة.. مفكر «القيم» بنكهة الشعوب

دعا إلى تطوير أنظمة تراعي خصوصيات الشعوب ثقافيا واقتصاديا

المهدي المنجرة.. مفكر «القيم» بنكهة الشعوب
TT
20

المهدي المنجرة.. مفكر «القيم» بنكهة الشعوب

المهدي المنجرة.. مفكر «القيم» بنكهة الشعوب

«ظهور القيم هو ظهور للحد الفاصل بين الذاتية والموضوعية وبين الحقائق والأحكام، وبين ما هو كائن وما يجب أن يكون، وبين العلم والأخلاق والأحكام وبين العلوم الحقة والعلوم الإنسانية، وبين الغايات والوسائل وبين المعقول واللامعقول». هكذا يصف المفكر المغربي المهدي المنجرة، الذي رحل عن 81 عاما في 13 يونيو (حزيران) الماضي، أهمية القيم في بناء مجتمعات عادلة ومزدهرة، في كتابه «قيمة القيم»، المنشور سنة 2007.
ويُعد المهدي المنجرة أحد أبرز المفكرين والمثقفين المغاربة العرب وربما يكون أهم عالم مستقبليات في المنطقة العربية والإسلامية، ولهذا السبب خلّف رحيله، وهو عالم الاجتماع المتخصص في الدراسات المستقبلية والاقتصادية، فجوة إنسانية وفكرية وثقافية مهمة لا تملأها إلا أعماله الأدبية والعلمية الراقية، حيث تعدّ كتاباته ومحاضراته مراجع في العلاقات الدولية والقضايا السياسية والاقتصادية.
كرّس المنجرة أبحاثة وكتاباته ومسيرته النضالية للدفاع عن حق ما يعرف بدول العالم الثالث في تطوير أنظمة تنموية مستقلة تناسب منظومة قيمها وتراعي خصوصياتها الثقافية والاقتصادية، كما دعا في كتاباته إلى إنشاء نظام دولي ينصف جميع المجتمعات ويحقّق آمالها في العدالة والكرامة، منددا مرارا بممارسات العنف والقمع والاضطهاد وتحقيق المصالح الشخصية على حساب الغير.
جاء المنجرة بمفاهيم جديدة فرضت نفسها في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، يذكر منها مفهوم «الميغا - إمبريالية» وفكرة «الاستعمار الجديد». يقول المنجرة في كتابه الإهانة في عهد الميغا إمبريالية (2003): «أصبح للميغا إمبريالية أسلوب جديد ولغة من تركيب جديد، والميغا حسب مدلولها تقتضي الانفراد بالقرار. فهي لا تقبل إمبريالية أخرى منافسة على عكس ما كان في السابق، حين كانت الإمبريالية الفرنسية مثلا تقبل بوجود إمبرياليات أخرى ألمانية وبريطانية وإسبانية أو غيرها». ويقول عالم المستقبليات المغربي في كتاب «عولمة العولمة» (1999) بأنّ الاستعمار الجديد لا يمارس عن طريق استعراض القوة العسكرية بالضرورة، بل إن «الاستراتيجي، في الوقت الراهن، لا يكمن في عدد الأسلحة أو الوجود العسكري عبر القواعد في الأرض أو البحر، بقدر ما يكمن في امتلاك (السلطة الناعمة)».
وفي السياق ذاته، نبّه المنجرة من خطر اختلال الموازين المقنّنة للعلاقات بين الدّول وتشريع هذا اللا-توازن ضمن منظومة الأمم المتّحدة، و«تفريغ الميدان القانوني والشرعي من المعايير الإنسانية، وتحويل القانون الدّولي إلى وعاء شرعي لمحتوى غير شرعي».
يشار إلى أن المفكر المغربي استبق أستاذ العلوم السياسية الأميركي صامويل هنتنغتون في بلورة مفهوم صراع الحضارات من خلال كتابه «الحرب الحضارية الأولى» الصادر سنة 1991. مباشرة بعد حرب الخليج الثانية. ويرى المنجرة أن الحرب على العراق لم تكن ذات مصالح سياسية واقتصادية استراتيجية وعسكرية فحسب، بل كانت ذات أبعاد حضارية ثقافية كذلك. إلا أن هناك فرقا جوهريا بين الكاتبين، إذ يرى صاحب «قيمة القيم» أنه يمكن تفادي الصدام الحضاري بين «الشمال» و«الجنوب» عن طريق ترسيخ العدالة وقيم الحوار والتسامح والتقارب بين الحضارات؛ التي يعدها الكاتب «البذرة الأساسية للسلام». واستعرض من خلال 260 صفحة تحليله للماضي والحاضر وتوقعاته للمستقبل، مؤكدا على أهمية الاهتمام بالبحث العلمي الممنهج والدراسات المسقبلية.
ولعل المنجرة كان أول من تنبّأ بقيام انتفاضات وثورات عارمة في العالم العربي من خلال قراءته للوضع السياسي والاجتماعي والثقافي بالمنطقة، إذ رجّح خوض دول المنطقة في أحد السيناريوهات التالية: «سيناريو الاستقرار والاستمرار»، «سيناريو الإصلاح»، وسيناريو «التغيير الجذري أو التحولات الكبرى والعميقة». وقد شهدت السنوات الثلاث الماضية تحقّق بعض هذه التصوّرات وصحّة رهان المفكّر الذي أبدى أملا محدودا في تحقّق السيناريوهين الأول والثاني.
ومن جهة أخرى، انتقد المنجرة حالة الركود الفكري في العالم العربي والإسلامي واصفا إياها بأنها «أزمة كبرى تكمن في عدم وجود رؤيا للمستقبل، مما يجعل مجتمعاته تسير وتنمو على الصدفة وعلى العفوية ومن دون نموذج اجتماعي أو تنموي (...)، وهو ما يؤدي إلى الاستسلام إلى نماذج التنمية الأجنبية والغربية، وبالتالي إلى تقييد حرية الشعوب في تسيير ذاتها والحد من حقوقها الديمقراطية». كما أكد مرارا على ضرورة «التغيير» والسمو بمنظومة القيم بالعالم العربي وتوفير شروط الكرامة وسبل التنمية الفردية والجماعية.
اهتم المنجرة كذلك بموضوع اللغة وعدها ركنا من أركان التنمية ودافع على اعتماد اللغة الأم أساسا للبرامج التنموية الوطنية. يربط المفكر المغربي مسألة اللغة بالهوية الوطنية ويعدها سبيل الاستقلال الفكري، مرجّحا أن الحروب القادمة إنما ستكون لغوية. ويرى المنجرة أن «الغرب» لم يحاول تعلّم لغة «الجنوب» ولم يهتم بالاقتراب من ثقافته وحضارته، انطلاقا من مبدأ أن «الجنوب الضعيف والفقير ليس من حقه أن يعكس قيمه وثقافاته وحضاراته، بل هو دوما في حاجة إلى الشمال إن أراد الاستمرار في الحياة».
نشر المنجرة ما لا يقل عن 500 مقال اقتصادي وسياسي وسوسيولوجي باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية واليابانية. كما أصدر كتبا منها: «نظام الأمم المتحدة (1973)»، «من المهد إلى اللحد (1981)»، «الحرب الحضارية الأولى (1991)»، «القدس العربي (1996)»، «عولمة العولمة (1999)»، «انتفاضات في زمن الذلقراطية (2002)»، و«قيمة القيم» (2007).
ذلك وتوّج المنجرة بجوائز لإسهاماته الفكرية المتميزة كما احتفت منظمات دولية ومؤسسات جامعية ودبلوماسية وسياسية بأعماله الأكاديمية الرصينة، حيث حاز على جوائز عدة، منها جائزة الأدب الفرنسي في جامعة كورنيل، سنة 1953. ووسام الاستقلال بالأردن سنة 1960. ووسام ضابط للفنون والآداب بفرنسا في 1976. ووسام الشمس المشرقة باليابان سنة 1986، وجائزة السلام لسنة 1990 من معهد ألبرت آينشتاين الدولي.



المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة
TT
20

المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية. ثم يذبحون كلابهم ويرشّون دماءها على العظام، فتتلوّن وتتشبّع بها. من مزيج عظام الجنود الشجعان، مع حرارة قلوب كلاب الحراسة، تنبعث قوى سحريّة تدافع عن المدينة ضدّ الأعداء.

في زماننا لا تجري هذه الطقوس. لكننا نحصل بالمقابل، من خلال امتزاج عرق الأسلاف، مع بخار نباح الكلاب المتشردة، وعطور دمها أيضاً ودموعها، بالإضافة إلى قيئها وبقية فضلاتها، وهي حية وميتة، تتشكّل من هذا الخليط قوى سحريّة تقوم بغرس الحياة الروحيّة في المكان، وتحافظ عليها ما دامت كانت المدينة قائمة.

الكلاب في حقيقة أمرها، بالبراءة في العينين، والسكينة في الطبع، وتوّحشها مع الغرباء أيضاً، كأنها أطفالنا الذين سوف يحملون الأعباء عنّا في المستقبل. لقد نشأت فلسفة جديدة وغدت هي الزيّ الشائع؛ الأطفال يشبّون، وربما غادروا إلى خارج البلاد، أو حادوا عن الطريق، وفي أحسن أحوالهم فإنهم يشبهون الكلاب في دروب المدينة، وهي تزرع اللطافة والحُسن. إن أيّ مساحة وتفصيل من شارع أو مبنى، وبسبب الحياة الغزيرة والثرّة في المدينة، بإمكانهما أن يؤديا دور متحف تتجدّد فيه المعروضات الفنيّة كلّ ساعة، مع ألبوم من الصور يمثّل الناس الطيّبين (يا للعبارة الكونيّة التي لا يلمّها وصف: الناس الطيّبون). صحيح أن هؤلاء يموتون، لكنهم يتناسلون، وما ينفكّ أحفادهم يسيرون وفق هذه الطِباع والعادات. تحصل هجرات في كلّ زمن من أماكن أخرى، لكنّ البشر يشبه النبات، يتربّى على الهواء والماء وضوء القمر، فهو ابن المكان أكثر منه سليل أسلافه.

والمدينة العظيمة أيضاً ليست شيئاً من هذا العالم؛ لأنك ترى فيها كلّ أنماط الحياة، وتتحقق فيها كذلك رغبات الجميع؛ الدنيوية والصوفية، بالإضافة إلى ميول أهل الفن وشهواتهم، مهما بلغ تهوّرهم وجنونهم وشذوذهم، وتعطّشهم لابتكار رغبات جديدة. يقوم الأدب الحديث على الخيال؛ لأن جلّه من إبداع أبناء المدينة، يوسّعون به أفق القارئ ومداركه، فإن جاء واقعياً صرفاً، كان بلا روح. عن ألبير كامو: «الكلمات تفرغ من معناها، حين ينام الخيال».

كان هذا النوع من المدن شائعاً في الشرق والغرب، لكنه أخذ ينحسر أو يختفي؛ بسبب تضافر جهود هندسة ما بعد الحداثة، على أن تكون المباني والمنشآت شبيهة بأقفاص الدجاج البيّاض. البشر فيها بجثامين متماثلة، يقومون بالأفعال ذاتها، وتقدّم لهم ثقافة استهلاكية واحدة، ويتبعون وصفات طعام جاهز ومعلّب، وكلّ شيء تقوده آلة إعلانية جبارة، بإمكانها طمس الجمال الحقيقي، وإعلاء شأن الدمامة والقبح. توائم هذه الطريقة من العيش لا أحد غير رجال المال والأعمال، ويصحب هؤلاء حتماً المقامرون، وبنات الهوى، والمتصابون من الرجال بصورة خاصّة. إن علينا انتظار مئات أو ألوف السنين، المدة الكافية لكي تفعل القوى السحريّة – على أن يكون البنّاءون من أهل البلاد، فإن كانوا مستوردين من الخارج، يبطل السحر حتماً.

الناس الطيّبون باستطاعتهم الخلق من أيّ مكان، وإن كان معتقلاً مرهوباً ومنسيّاً، وطناً جميلاً وفردوساً أرضيّاً؛ لأن وداعتهم انطبعت في زواياه، فهو يتّسم بها. هل يمكننا تصوّر مدينة تخلو من الناس الطيبين؟ مطلقاً. لأن هؤلاء يشكلون الدعامة الأساسية لحياة مستقرة ومهيبة. بقية الدعامات والروابط التي تشدّ أجزاء المجتمع، تكون في العادة متناثرة أو عشوائية وغير مهمة. هل أجازف وأقول لا وجود للناس الطيّبين في المدن الحديثة؛ أقفاص الدجاج البيّاض؟

القوى السحريّة التي مرّ ذكرها هي السرّ في أن كلّاً منّا مكبّل ببلده، مثل طائر في قفص. هناك من يفتح لنا نافذة فنرتحل لأسبوع أو أكثر، ثم نعود إليه حتماً، فإذا رحنا نفتّش عن ملاذ في بلاد أخرى «متخبطين مثل حصاة دحرجت من مكانها» – التعبير لجورج سيفيريس - انتقل معنا سجننا الباهر هذا بمحض إرادتنا، وهذا هو تفسير قصيدة «المدينة» الشهيرة لكافافيس: «سأذهب إلى بلاد أخرى، سأذهب إلى ضفة أخرى سأجد مدينة أفضل كلّ جهودي محتومة بالفشل فقلبي متمدّد ومدفون هنا».

يقوم الأدب الحديث على الخيال لأن جلّه من إبداع أبناء المدينة وهم يوسّعون به أفق القارئ ومداركه

القراءة الأولى للقصيدة فيها هجاء للمدينة الأم، لكن المقاربة النقدية تكشف عن مديح هادئ النبرة. الانتقال إلى مدينة أخرى لا يُبطل القوى السحريّة، فهي السبب في دوام نعمة السجن الذي نختفي بين ظلاله، ومفتونون نحن بجدرانه. ثمة بهجة حزينة في هذه الأبيات، التي نحفظها جميعاً عن ظهر قلب، مع نوع من الأسى الناعم:

«لن تجد بلاداً جديدة، أو تجد ضفةً ثانية هذه المدينة ستطاردك. سوف تمشي في الشوارع نفسها. تشيخ في الأحياء نفسها ستُصبغُ رماديّاً في المنازل نفسها».

يبدو الأمر غريباً، لكنه الواقع؛ قوى السحر هذه يكتشفها السائح في المكان، فهي غائبة عن رؤية ابن البلد. ربما بسبب خاصيّة الإخفاء التي يؤدي إليها تكرار وقوع عين الإنسان على الشيء، فكأنما وجوده وعدم وجوده سيّان. لتوضيح القصد، أستعير شيئاً من شعر اليوناني يانيس ريتسوس، لا لكي أثبّت ما توصّل إليه، بل إلى نقضه:

«يدٌ شاحبة

تخلع المسمار

تهوي المرآة

يهوي الجدار.

يصلُ السائحون

وتُلتقط الصُّور الفوتوغرافية».

يحاول ريتسوس هنا، وعبر فذلكة شعرية، إقناعنا أن السائح غريب ومنقطع عن المكان، فهو يتنقل معصوب العين، مثل آلة حديدية في البلاد التي يزورها، بينما يُثبت الواقع العكس. السحر الخاصّ بالمدينة يكون في العادة ذائباً في دماء أهلها، ولا يستطيع أحد رؤية ما يجري في عروقه، كما هو معلوم. غير أن خاصيّة الإخفاء التي تقوم بها عين الإنسان، بسبب مداومة النظر وتكراره اللاشعوري، تكون معطّلة لدى الزائرين للبلدة، فهم الوحيدون القادرون على اكتشاف السحر، وبهذا تكون القصيدة بنسقها الصحيح: «يدٌ شاحبة تثبّت المسمار فتقوم المرآة ويقوم الجدار. يصلُ السائحون وتُلتقط الصُّور الفوتوغرافية».

الناس الطيّبون والحيوانات الطيّبة الأثر هم سرّ الحياة العجيبة في المدينة، ويمكننا إضافة أهل الفنّ إلى هذا الثنائي، ليكون الكلام أكثر رسوخاً. العالم الحقيقي موجود في كل مكان، وغياب القوى السحرية هو السرّ في عزوف الفنانين عن السكن في مدن الدجاج، أو حتى مجرّد التفكير بزيارتها سائحين. ثم هناك الفرق الأهمّ بين مدينة كافافيس الفاضلة، وبين تلك التي لا تحتفظ بشيء من الماضي؛ في الأولى يشعر أفقر الناس وأدناهم منزلة بأنه شخص له شأن، وفي مدن الدجاج يكون أحسنهم وأكثرهم ثراءً غريباً، لا يستطيع المشي في شوارعها وتنفّس هوائها؛ لأن مجتمع ما بعد الحداثة اختار أن يكون الإنسان كائناً منهوشاً ومتوارياً عن الأنظار، مثل دجاجة تأكل وتأكل وتقاسي من العزلة القاتلة، في انتظار الموت.