شعراء مغاربة يشكون {تبخيس} فنهم

الحفاوة الاعتبارية تتراجع أسوة بالشرط المادي

جمال الموساوي  -  إيمان الخطابي  -  محسن أخريف
جمال الموساوي - إيمان الخطابي - محسن أخريف
TT

شعراء مغاربة يشكون {تبخيس} فنهم

جمال الموساوي  -  إيمان الخطابي  -  محسن أخريف
جمال الموساوي - إيمان الخطابي - محسن أخريف

كتب الشاعر عبد اللطيف اللعبي، في كتابه «شاعر يمر»، أنه «إذا لم يكن للشعر مردود مادي كبير، فهو يسمح على الأقل بأن يستقبلوك هنا وهناك، مع الحفاوة والاهتمام اللذين يستحقهما... نوع أدبي مهدد بالانقراض».
بعد 8 سنوات على كلام اللعبي، بدا كما لو أن حديث شاعر «الشمس تحتضر» عن استقبال الشاعر بـ«الحفاوة والاهتمام اللذين يستحقهما نوع أدبي مهدد بالانقراض» صار من الذكريات الجميلة. وهو معطى عبّر عنه، قبل أيام، شاعر مغربي آخر، من جيل التسعينات، هو عبد الرحيم الخصار، عبر تدوينة نشرها على حسابه الرسمي بـ «فيسبوك»، تنقل الضجر والضيق من الطريقة التي يعامل بها الشعراء حين تتم دعوتهم لقراءة الشعر في المهرجانات المدعومة، جاء فيها: «يتنقّل الشاعر المغربي في سيارته من مدينة إلى أخرى ليقرأ قصائده على الناس، القصائد التي كتبها بأعصابه وبكبده، ومع كل قصيدة يقتل آلاف الخلايا في جسده. يتخلى عن يوم أو أيام من التزاماته المهنية والعائلية والشخصية، لتقول له (اللجنة المنظمة)، في اختتام لقاء أو مهرجان مدعوم مادياً: (شكراً للشاعر الجميل الذي تجشم عناء السفر وأبى إلا أن يحضر معنا)، ثم لا يوفرون له الشروط المعنوية، المادية والرمزية، التي تليق بضيافة شاعر. على الشاعر الذي يحترم نفسه، أن يمكث في بيته كي لا يهان. بالنسبة إليّ، العمل التطوعي في الثقافة يكون مع الخيريات والمدارس والسجون والمستشفيات والجمعيات غير المدعومة».
ما عبّر عنه الخصار هو تحصيل حاصل لوضع عام، يتعلق بأوضاع الشعر ومكانة الشعراء، وذلك ضمن مناخ ثقافي عنوانه «تراجع المقروئية وتصاعد الجدل حول (جدوى) الشعر في عصر عولمة جعلت من الاستهلاك ثقافة وسلوكاً».
- محسن أخريف: وضعية معطوبة
بالنسبة للشاعر محسن أخريف، فأمر الشاعر ووضعه الاعتباري يتعلق بـ«وضعية عامة معطوبة» تعيشها الثقافة في المجتمع المغربي.
يقارب أخريف المسألة من جانبين؛ «جانب متعلق بالدولة المغربية كمالكة لحق جمع أموال الضرائب، ومالك أيضا لحق توزيعها وفق منظورها»، مشيرا إلى أننا «إذا تأملنا هذا الحال نجد أن الدولة لا تمكّن الجمعيات الثقافية النزيهة والرصينة من أي دعم، إلا فيما ندر وبنوع من التقتير. ولهذا يبقى جانب نظر واحد لمقاربة هذا الموضوع، إذ الجمعيات المفقرة خارج هذا النقاش، وهو كيف تتصرف الجمعيات والمنظمات الممولة بسخاء مع الشاعر؟ نكتشف بأن قلة من الجمعيات، ذات التمويل الوفير، مَن تضع في حسبانها مسألة تعويض الشعراء عن مشاركتهم، وهذا راجع أيضاً، في كثير من الأحيان، للوضعية والمكانة التي تضع فيها الشاعر، إذ تعتبر أن مسألة دعوته وتمكينه من لقاء الجمهور وإسماع قصيدته هو في حدّ ذاته مكافأة».
وفي الحالتين معاً، يضيف أخريف، تعود بنا الدائرة إلى نفس الواقع والمنطلق وهو الوضع الاعتباري للكاتب وللشاعر؛ وهو «وضع على الشاعر أن يدافع عنه وفق تمييزه الخاص، حفاظا على كرامته الإنسانية أولاً. وهو أن يكون على بينة بمختلف تفاصيل الدعوة الموجهة إليه، وهذا حقه، وحينئذ عليه أن يختار المشاركة من عدمها، وفق رؤيته الخاصة. وهنا أنا لا أرى مانعا من تطوع الشاعر، أحياناً، للمساهمة في أمسيات شعرية لجمعيات نزيهة ومناضلة لكن وهو راض وعن قناعة وليس في نفسه شيء من لعلّ. أما مسألة المشاركة تطوعيا في أمسيات منظمة من جهات رسمية ومن دون أي تعويض يغطي مصاريف الرحلة فهذا أمر مرفوض، إذ لا شيء يبرر تبخيس الشاعر حقه».
- إيمان الخطابي: فوضى وارتجالية
تقول الشاعرة إيمان الخطابي إنها صارت تعتذر عن غالبية الدعوات التي تصلها من أجل المشاركة في ملتقيات شعرية، هنا وهناك. وزادت مبررة موقفها: «أفراد وجمعيات ومؤسسات أحياناً، تتكفل بتنظيم هذه اللقاءات دون عناية وتخطيط مدروس للظروف والشروط التي يستدعيها تنظيم لقاء شعري يترك أثرا لدى المتلقي، ويسهم في تقديم صورة إيجابية عن الشعر والشاعر. محاولة بعض الجهات، أيضا - رغم عدم أهليتها - أن تصير سلطة فاعلة تكرس أسماء معينة، أو نمطا معينا من التدبير الثقافي يلائم مزاجها ومصلحتها، هو أيضا سبب كاف لرفض دعوة الحضور».
ورأت الخطابي أن «هناك كثيرا من الارتجالية والترامي على الثقافة عموماً، وعلى الشعر واستغلاله من أجل مكاسب شخصية ومادية»، مشيرة إلى أن «هذه الملتقيات فقدت بريقها وجاذبيتها حتى معناها، بسبب هذه الفوضى والاستسهال».
ستقارن الخطابي بين الأمس واليوم، لتقول: «في فترة ما كان الشاعر يتمنى أن تصله دعوة للمشاركة في لقاء شعري، يربط صلة مباشرة بينه وبين المحبين للشعر. الآن وقد صار مجموعة من «الممونين» و«الطفيليين»، ينظمون هذه الملتقيات ويسيئون من خلالها إلى الشعر والشاعر والمتلقي، فإن الأولى بنا ملازمة أماكننا وحفظ ماء وجوهنا»، قبل أن تختم، مشددة على أن «الشاعر الحقيقي كائن مرهف فعلاً، وميال للعزلة في الغالب. فإذا قبل أن يتخلى عن عزلته ويخرج للضوء، فعلى المنظمين أن يراعوا ذلك، لا أن يطلبوا منه إخلاء المقاعد الأمامية ليجلس والي المدينة والأعيان الذين مولوا الملتقى؛ بينما تكفل الشاعر بمصاريف تنقله وغيرها من جيبه، وتحمل إهانة معاملته كضيف من الدرجة الثانية».
- جمال الموساوي: تبخيس للشعر
يعتقد الشاعر جمال الموساوي أن «هناك ما ينبغي أن يتغير في النظر إلى الشاعر الذي يطالب بتعويض عن مشاركته في لقاء شعري هنا أو هناك»؛ وأنه «في كثير من الحالات يعتبر منظمو هذه اللقاءات أن مجرد توجيه الدعوة إلى الشاعر هو نوع من (الفضل عليه) وقد يتحول إلى منٍّ». وبالتالي فـ«عندما يسكت الشعراء عن المطالبة بمقابل رمزي لمشاركاتهم لا يتعدى في أفضل الحالات تكاليف التنقل، دون الحديث عن الجهد والوقت والأخطار، فهم يفعلون ذلك حتى لا ينعتوا بالجشع مثلا أو بتضخم ذواتهم، أو ببساطة حتى لا يحرموا من دعوات في المستقبل. وأحيانا قد يواجَهوا بأن الشاعر فلان على أصالة تجربته وطولها وتجذرها في المشهد الشعري المغربي وما إلى ذلك من الكلام لا يطلب تعويضاً. وهذا يضع الشعراء في حرج دائم من التفوه، مجرد التفوه، بمطلب كهذا».
وأدهى من ذلك، يضيف الموساوي: «يجد الشعراء أنفسهم في كثير من الأحيان يقرأون شعرهم في أماكن وفضاءات لا تحترم أدنى الشروط التي يتحقق معها الاستماع والاستمتاع بما يُقرأ، الشروط التي تجعل الشعراء يشعرون بينهم وبين أنفسهم أنهم لمسوا أو لامسوا أعماق الجمهور الحاضر. ثم إن مسألة الجمهور إشكالية أخرى، إذ لا يبذل المنظمون، دون تعميم طبعاً، للقاءات والمهرجانات الشعرية إلا جهدا قليلا للدعاية والترويج لأنشطتهم، وفي الغالب يتكفل المشاركون بالقيام بذلك من خلال أصدقائهم في الإعلام الثقافي أو عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر قوائمهم البريدية، وهو جهد اعتبره ضائعا في الجانب المتعلق بجذب الجمهور، لأن الأمسية أو المهرجان يقام في مدينة كبيرة أو صغيرة وليس في العالم، وبالتالي فإن عبء استقطاب الجمهور هو بدرجة أولى على عاتق المنظمين. وفي غياب الجمهور، يكون الشاعر قد تحمل العناء هباء».
يشير الموساوي إلى ظاهرة أخرى، تنضاف إلى ما سبق، تتمثل في «نوع من الميز بين الشعراء الذين يشاركون خاصة في المهرجانات التي تكون فيها كثافة عددية. يتجلى ذلك في طريقة إيوائهم، بعضهم، لاعتبارات تتغير حسب المنظمين، يحصل على غرفة منفردة والبعض الآخر يُحشرون مثنى مثنى. ويحدث أن يقيم البعض في فندق أعلى تصنيفا بينما الآخرون في فندق أدنى. هذه الممارسات موجودة لكن مرة أخرى لا ينبغي تعميمها».
يرى الموساوي أن «التعامل مع مسألة التعويض من قبل الجهات المنظمة التي تكون في الغالب مدعومة ماليا لتنظيم أنشطتها هو تعامل في سياق عام فيه تبخيس للشعر خاصة وللثقافة عموماً. بحيث تتحول هذه الأنشطة إلى مجرد نقط في حصيلة تلك الجهات تدلي بها عندما تتقدم بملفاتها للحصول على الدعم، ولا أعتقد أن هناك تقييما لهذه الأنشطة يسمح بتطويرها أو بتصحيح ما يعتريها من هفوات فأحرى تغيير النظرة إلى حق الشاعر في التعويض عن المشاركة وفي الفضاء المحترم اللائق لقراءة الشعر وغير ذلك».
يركز الموساوي حديثه على المغرب، فيقول: «لدينا ما لا يحصى من المهرجانات، تُقام سنوياً، ولكنه تراكم كمي فقط. وكثير منها جاء كرد فعل على مهرجانات أخرى بدعوى ممارسة الإقصاء والتهميش. وأمام كثرة عدد الراغبين في الحضور والمشاركة قد نجد في إعلان ما، إمعانا في التبخيس، أنه على من يود المشاركة إرسال طلبه إلى الجهة المنظمة، وهي حالة لا يمكن بأي حال المطالبة فيها بتعويض أو أي مطلب آخر».
يمثل الموساوي للوضع بتجربته الشخصية، فيقول: «في الماضي، على المستوى الشخصي، وعلى غرار ما كان من طموح للنشر في الملاحق الثقافية العتيدة ومجاورة شعرائنا الذين سبقونا، كانت أمنيتي المشاركة في 3 مهرجانات شعرية هي مهرجان المعتمد بشفشاون، ولقاء جمعية الإمام الأصيلي بأصيلة، ومهرجان الشعلة بسلا، وتحققت مشاركتي في الأول والأخير. كانت المهرجانات نادرة، وكانت المشاركة في اعتقادنا إضافة مهمة لمسيرة الشاعر، وهو أمر لم يعد الآن كذلك بسبب الوفرة إلى حد الابتذال. الوفرة في المهرجانات والشعراء والدعم المالي الذي لا يصل الشاعرَ منه شيء، في الغالب، مقابل تنقله وعنائه ومشاركته».
يرى الموساوي أن «بيئتنا الثقافية لا تزال مع الأسف غير مساعدة على بعض الأشياء التي تبدو عادية وبديهية»، معتبرا أنه «سيكون من الصعب في القريب تغيير هذا الواقع، لكن عليه أن يتغير، خاصة أن هناك - وهنا أعود لما كنت أقول بأنه لا ينبغي التعميم - جهات تحرص على تنظيم لقاءات شعرية بأفكار وأشكال مختلفة وتوفر فوق ذلك للشاعر شروطا جيدة للاستضافة والقراءات بما في ذلك ما يتعلق بتخصيص تعويض عن المشاركة».
لتعديل الوضع نحو الأفضل، يختم الموساوي، بالقول إن هناك حاجة إلى «أن ينظر الشاعر إلى نفسه بشكل مختلف، وإلى أنه ضحية السياق الذي يبخس عمله والعمل الثقافي بشكل عام»، فيما يبقى على المنظمين «إعادة النظر في طريقة اشتغالهم وتقدير جهد ووقت الشاعر».



مصر: محاكمة عاجلة للمتهم بالتعدي على «فرد أمن التجمع»

صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
TT

مصر: محاكمة عاجلة للمتهم بالتعدي على «فرد أمن التجمع»

صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)
صورة نشرتها الداخلية المصرية للمتهم بعد توقيفه - (حساب الداخلية على فيسبوك)

أمرت النيابة العامة المصرية بإحالة رجل أعمال متهم بالتعدي على فرد أمن بأحد المجمعات السكنية وإتلاف جهاز اتصال لاسلكي للمحاكمة الجنائية العاجلة.

وضبطت وزارة الداخلية صاحب أحد المصانع والمقيم بتجمع سكني في التجمع الخامس (شرق القاهرة)، بعد وقت قصير من تداول مقطع فيديو يظهر فيه وهو يقوم بالتعدي على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسب، وانتشر الفيديو على نطاق واسع.

وفجَّر مقطع الفيديو غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدرت كلمة «فرد أمن» قوائم البحث على «إكس» بمصر، وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل «نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ».

وبحسب بيان النيابة الصادر (الأحد) فإن التحقيقات بدأت بعد تلقي بلاغٍ يفيد بتضرر فرد أمن بأحد المجمعات السكنية من قيام مالك إحدى الوحدات السكنية بالتعدي عليه بالسب والضرب حال مباشرته مهام عمله، وإتلاف جهاز الاتصال اللاسلكي عهدته، مما أسفر عن إصابته.

واستمعت النيابة، بحسب بيانها، إلى «أقوال المجني عليه، الذي قرر أنه على إثر خلافات سابقة تتعلق بطبيعة عمله، تعدى عليه المتهم بالضرب، محدثاً إصاباته المتمثلة في سحجات وكدمات بالكتف الأيمن ومقدمة الرأس وأسفل العين اليمنى، وذلك على النحو الثابت بالتقرير الطبي. كما أيَّد أقواله عدد من أفراد الأمن وشهود الواقعة».

وباستجواب المتهم، أقرَّ بارتكابه الواقعة «على إثر خلافات سابقة بينه وبين المجني عليه، فأسندت إليه النيابة العامة اتهامات استعراض القوة والتلويح بالعنف، والضرب، والإتلاف، والسب والقذف، مع استمراره حبسه احتياطياً وإحالته للمحاكمة».

وقال المحامي المصري محمد رضا لـ«الشرق الأوسط» إن الاتهامات التي يواجهها المتهم تصل عقوبتها إلى 5 سنوات مع تعدد الاتهامات الواردة في قرار الإحالة، مشيراً إلى أن تفاصيل التقرير الطبي ومدة العلاج التي يستلزمها المعتدى عليه ستلعب دوراً في تحديد العقوبة التي ستصدرها المحكمة.

وأضاف أن المتهم سيظل محبوساً على ذمة القضية، وسيتم احتساب فترة حبسه من مدة العقوبة الموقعة عليه ما لم تقرر المحكمة الإفراج عنه مؤقتاً، وهو أمر يكون خاضعاً للدائرة التي تنظر القضية، مشيراً إلى أن التصالح لن يوقف إجراءات المحاكمة للمتهم أو يبرئه ولكن قد يخفف العقوبة.

وأوضح أن «التصالح يكون في الشق الخاص بالمجني عليه وهو فرد الأمن، أما الشق الذي لا يجوز فيه التصالح فهو مرتبط بحق المجتمع والمتمثل في قرار الإحالة بتوجيه اتهام باستعراض القوة والتلويح بالعنف».


توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
TT

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس»، الذي حصد المركز الثاني في تصويت الجمهور لأفضل «فيلم وثائقي» بمهرجان «برلين السينمائي الدولي»، بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي، بل رحلة شخصية بدأت منذ اللحظة التي خرج فيها من السجن؛ تلك اللحظة التي ظنّ فيها أن الحكاية انتهت، ليكتشف أن الحكاية الحقيقية لم تبدأ بعد، ففكرة الفيلم، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، وُلدت من شعور داخلي ملحّ بالرغبة في البوح وتحويل التجربة من جرح صامت إلى شهادة حيّة.

منذ خروجه، كان يفكر في طريقة يروي بها ما يحدث داخل السجون السورية، لكنه لم يشأ أن يكون فيلمه مجرد استعراض للعذابات؛ فالألم حاضر، وثقيل، ولا يحتاج إلى مزيد من الإثبات، ما كان يشغله أكثر تلك المساحات الخفية التي لا يراها أحد: لحظات التضامن، ونوبات الضحك الخاطفة، والحكايات التي كان المعتقلون يخترعونها كي ينجوا بأرواحهم... كان يريد أن يتحدث عن المقاومة بمعناها الإنساني؛ عن الحب في قلب القسوة، عن الأمان الذي يُصنع من لا شيء.

الفيلم عُرض لأول مرة في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

بدأ المخرج السوري المقيم في بلجيكا منذ سنوات العمل فعلياً على فيلمه الحاصل على تمويل من «البحر الأحمر» عام 2022، عبر خطة تستهدف أن يُصوَّر الفيلم في استوديو ببلجيكا، عبر بناء ديكورات تحاكي الزنازين والممرات، لكن التحضيرات انقلبت رأساً على عقب مع سقوط النظام السوري، فوجد صابوني نفسه أمام خيار لم يكن في الحسبان؛ العودة إلى المكان الحقيقي.

لم يكن القرار سهلاً كما يصفه، لكنه شعر بأن اللحظة تاريخية، وأن التصوير داخل سجن «صيدنايا» نفسه سيمنح الفيلم صدقاً لا يمكن اصطناعه، وفي البداية كان قد اختار شخصيات تعيش في أوروبا، وبدأ العمل معها بالفعل، غير أن ظروف اللجوء حالت دون عودتهم إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

اضطر توفيق صابوني إلى البحث من جديد، أجرى لقاءات مطولة مع نحو 25 معتقلاً سابقاً، يستمع إلى حكاياتهم، لا ليبحث عن الأشد مأساوية، بل عن الأكبر قدرة على الحكي... لم يكن يريد نسخاً متشابهة من الألم، بل شخصيات متباينة في طباعها وحضورها؛ مَن يتكلم بهدوء، مَن ينفعل... مَن يتردد قبل أن يفتح ذاكرته، في النهاية استقر على 4، شكّلوا العمود الفقري للفيلم، لكل منهم طريقته في استعادة الماضي.

العودة إلى السجن كانت أصعب اختبار، يصف صابوني اللحظة الأولى لدخوله المكان بصفته شخصاً حراً بأنها مواجهة مباشرة مع ذاته؛ الجدران نفسها، الرائحة نفسها، الممرات الضيقة التي حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب... في البداية طغى الشعور بالرهبة، ثم بدأ يتحول تدريجاً إلى إحساس مختلف أقرب إلى الانتصار الشخصي.

وثق الفيلم جانباً من معاناة السجناء (إدارة المهرجان)

لم يكن، كما يؤكد، انتصاراً على نظام أو على سلطة، بل على المكان ذاته، على الذكرى التي حاولت أن تكسره... أن يعود إليه واقفاً، بكاميرا، وبفريق عمل، كان الأمر بالنسبة إليه استعادة لكرامته المسلوبة، فخلال التصوير، لم تكن الصعوبة في إعادة تمثيل التفاصيل القاسية بقدر ما كانت في حماية الحالة النفسية للمشاركين.

الحديث عمّن رحلوا؛ عن الذين ماتوا تحت التعذيب أو اختفوا، كان يفتح أبواباً مؤلمة، فكان عليه أن يوازن بين حاجته إلى الصدق، وواجبه في عدم الدفع بهم إلى إعادة عيش الصدمة كاملة؛ لذا تحوّل موقع التصوير إلى مساحة إنصات طويلة، وإلى عملية شفاء جماعية أكثر من أنه عمل فني، كما يصفه.

أما مسألة التمويل، فكانت رحلة أخرى من الصبر. يؤكد توفيق صابوني أن جمع الميزانية استغرق أكثر من عامين، ففي كل مرحلة تمويل كان عليه أن يعيد كتابة المعالجة، وأن يشرح رؤيته من جديد، ولم يكن من السهل إقناع جهات الإنتاج بفيلم يدور في سجن، ويعتمد على الذاكرة وإعادة التمثيل، لكن إصراره على أن الحكاية تستحق أن تُروى هو ما أبقى المشروع حياً حتى نهاية 2024، حين اكتمل التمويل وبدأ التصوير فعلياً، ليخرج الفيلم بإنتاج بلجيكي - فرنسي - سعودي.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

خلال العمل تراكمت المواد المصورة حتى تجاوزت 100 ساعة، كان بإمكانه أن يصنع أجزاء عدة، أو سلسلة كاملة، فالمادة غنية والقصص كثيرة، لكنه، كما يؤكد، اختار أن يكون الفيلم شهادة واحدة، مكثفة، أشبه بوثيقة لا تتكرر، فبالنسبة إليه، هذه الحكاية تُروى مرة واحدة، بهذا الشكل، وبهذا الصدق.

الفيلم صادم دون شك، وفق مخرجه الذي يشير إلى أنه لم يرد أن يكون صدمة متواصلة، ففي غرفة المونتاج، سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين مشاهد العنف وقصص الأمل، وكان يدرك أن المشاهد لا يستطيع تحمّل 90 دقيقة من الألم الخالص، لذلك؛ أفسح المجال للحظات الضوء... حكايات عن الخيال الذي كان يحميهم؛ عن الأغاني التي كانوا يهمسون بها، وعن الأحلام الصغيرة التي أبقتهم أحياء... هذا التوازن، كما يراه، هو ما منح الفيلم قدرته على الاستمرار في ذهن المتفرج.


«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
TT

«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات

على تخوم حي «دا غاما بارك»، حيث تلتقي ضواحي كيب تاون بسفح جبلها المهيب، كانت قردة البابون تتحرك بخفة وجرأة؛ تقفز من الأسفلت إلى جدران الحدائق، ثم تعلو أسطح المنازل قبل أن تنسحب بخفة العارف بمسالك المكان. وفي الطريق الضيق، كان أبناء عائلات البحرية الجنوب أفريقية، المقيمون في منازل متواضعة، يلعبون بين ضحكات متقطعة ونظرات حذرة؛ فمنهم من يبتسم للمشهد كأنه عرض عابر، ومنهم من يلتفت بقلق مكتوم، بينما يواصل معظمهم اللعب غير عابئين، وكأن الألفة مع الخطر أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

وعلى بُعد أميال، حيث تمتد الرؤية نحو قمة شامخة وخليج فسيح، كانت نيكولا دي شود تستعرض صوراً لمطبخها بعدما بعثرت القردة محتوياته إثر اقتحام مفاجئ. وفي حادثة أخرى، ألقى أحد القردة بكلبها عبر الشرفة. ثم جاء يناير (كانون الثاني)، فاندفع ذكر من البابون إلى داخل منزلها بجرأة صادمة، رافضاً المغادرة لمدة عشر دقائق بدت كأنها دهر طويل.

تقول دي شود (61 عاماً)، وهي صانعة أفلام وثائقية انتقلت قبل 5 سنوات من جوهانسبرغ إلى «سايمونز تاون»: «لقد أصبح الأمر بالغ الصعوبة، ومؤلماً نفسياً بالفعل».

لكن قردة البابون في كيب تاون، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، لم تشعل نزاعاً مع البشر فحسب، بل عمّقت الخلاف بينهم أيضاً، مع تصاعد الجدل حول إمكانية التعايش بين الطرفين أو ضرورة إبعاد القردة عن المناطق السكنية بالكامل.

وخلال احتجاج عام 2024 ضد دخول القردة إلى مجتمع «كوميتجي»، انتهت مواجهة بين مؤيدين ومعارضين لوجودها باستخدام رذاذ الفلفل ضد أحد الأشخاص وأحد القردة.

ووصفت «خطة العمل لإدارة بابون الكيب لعام 2025» الوضع بأنه «مشكلة معقدة مستعصية»، مشيرة إلى أنه «لا يوجد حل واحد يمكن أن يرضي جميع الأطراف أو ينهي النزاع بصورة نهائية».

تغطي جبال المدينة مساحة تمتد إلى نحو 25 ألف هكتار ضمن متنزه جبل الطاولة الوطني، إلا أن المتنزه مجزأ. وتميل قردة «الشاكما» إلى البحث عن الغذاء في الأراضي المنخفضة، وهي مساحات اقتطعت المدينة جزءاً كبيراً منها مع نمو عدد السكان بنسبة 65 في المائة، ليبلغ 4.8 مليون نسمة بين عامي 2001 و2022.

قرد البابون يقفز بخفة من الأسفلت إلى جدران الحدائق (لقطة من فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي)

وحسب بيانات الخطة، ارتفع عدد القردة، التي لا تواجه مفترسات طبيعية في شبه جزيرة الكيب، بوتيرة مماثلة؛ من نحو 360 قرداً في عشرة قطعان مطلع القرن، إلى أكثر من 600 في 17 قطيعاً عام 2024.

ومع اعتياد كثير من القطعان على البحث عن طعام بشري عالي السعرات، ازداد عدد القردة التي تُقتل بالرصاص، أو تدهسها السيارات، أو تنهشها الكلاب، أو تتعرض للصعق الكهربائي. ففي عام 2013، سُجلت وفاة 4 قردة لأسباب مرتبطة بالبشر، وفق الإحصاء الرسمي السنوي، في حين بلغ العدد 33 في عام 2024.

ويرى نشطاء حقوق الحيوان أن على السكان تحمّل مسؤولية التعايش، عبر إحكام إغلاق حاويات القمامة، وتأمين الأبواب والنوافذ، وتدريب الكلاب على عدم مهاجمة القردة.

وتطالب ليندا سيلك، وهي معالجة وناشطة تعمل على توعية الناس بكيفية العيش إلى جانب الطبيعة، بمزيد من المساءلة، قائلة: «لم تُسجَّل أي إدانة ناجحة بحق شخص أطلق النار على قرد بابون».

في المقابل، يرى توم كوهين، وهو صحافي أميركي تقاعد في كيب تاون عام 2019، أن التعايش الحضري السلمي أمر مستحيل. ووصف القطيعين اللذين يترددان على «سايمونز تاون» بأنهما «اعتادا كلياً على الغذاء البشري والمستوطنات من أجل البقاء»، مضيفاً: «لم يعودا قردة برية».

ورغم جهوده لتحصين منزله، تمكنت قردة في فبراير (شباط) 2025 من تحطيم نافذة الحمام والدخول، فكسرت جهاز الميكروويف وتركت فضلاتها خلفها. ويقول: «رائحة القردة تبقى عالقة، أؤكد لك ذلك».

وكانت مستويات الحكومة الثلاثة قد وافقت على إقامة أسوار لإبعاد القردة عن بعض المناطق، وتطبيق لائحة جديدة تعتمد سياسة «صفر تسامح» تجاه إيذاء الرئيسيات.

وفي «سايمونز تاون»، عُدَّ بناء سياج أمراً غير عملي بسبب طبيعة التضاريس، لذلك اقترحت السلطات نقل القطيعين إلى محمية في وقت لاحق من هذا العام، مع إبقاء القتل الرحيم، الذي يرفضه نشطاء حقوق الحيوان، خياراً أخيراً.

غير أن الخطة برمتها تواجه الآن طعناً قانونياً؛ إذ يعترض كثير من النشطاء على فكرة المحمية، ويفضل بعضهم الاستمرار بالاعتماد على الحراس الذين يطلقون كرات الطلاء قرب القردة لإخافتها وإبعادها عن المنازل، وهي مهمة تولتها منذ مارس (آذار) 2025 منظمة «شراكة بابون الكيب» غير الربحية.

وتقول ساندي ماكدونالد (54 عاماً)، التي تقود منظمة «حفظ مدني لشبه جزيرة الكيب» مع ليندا سيلك: «ما يقلقنا أن قرار نقلها إلى محمية، بل وحتى إعدامها، اتُّخذ قبل استقرار الإدارة الجديدة لحراس البابون». وتضيف أن دخول القردة إلى معظم تلك المناطق «تراجع بشكل ملحوظ».

أما نيرين دورمان (47 عاماً)، المقيمة في «ويلكوم غلين»، فترفض فكرة المحمية بشدة، قائلة: «الأجدى أن تُعدم بدلاً من حبسها في أسر دائم».

غير أن جوسلين مورميل، العالمة في «شراكة بابون الكيب» التي درست قردة جنوب أفريقيا لمدة 15 عاماً، ترى أن الحراس وحدهم لا يمكنهم حل المشكلة في «سايمونز تاون». وتقول: «إنها معركة خاسرة نخوضها يومياً لإرضاء القردة والناس هناك».

وخلال أطروحة الدكتوراه، درست مورميل قرية «روي - إلس»، الواقعة على بُعد نحو 32 كيلومتراً جنوب كيب تاون، حيث اختار السكان نهج التعايش. لكنها وجدت أن معدلات نفوق القردة بقيت أعلى من نظيرتها في البرية، مع مقتل 11 صغيراً دهساً خلال 4 سنوات. وتقول: «لا يمكنني أبداً الترويج لفكرة تقاسم المساحة».

من جهته، حمّل جاستن أورايين، أستاذ في جامعة كيب تاون، نشطاء الرفق بالحيوان جانباً من مسؤولية النزاع بين الإنسان والحياة البرية، مشيراً إلى طعون قانونية أسهمت، حسب رأيه، في عرقلة قرارات إدارية مهمة تتعلق بإدارة القردة، ما أدى في نهاية المطاف إلى تشكّل أحد القطيعين في «سايمونز تاون».

وقال: «لا توجد مساءلة لأولئك الذين ينتقدون أساليب إدارة البابون من دون تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ».