المغربي عبد الرحيم الخصار: لا معنى لكلمة شاعر في عالمنا العربي

عبد الرحيم الخصار
عبد الرحيم الخصار
TT

المغربي عبد الرحيم الخصار: لا معنى لكلمة شاعر في عالمنا العربي

عبد الرحيم الخصار
عبد الرحيم الخصار

في هذا الحوار، يرى الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار أن «الشعر لم يعد بالضرورة عنصراً قادراً على تغيير العالم، لكنه شاهد كبير على فظاعات العصر وعلى إشراقاته، أيضاً». ويلاحظ الخصار أن «تنظيرات النقاد ليست هي ما يمكن أن يرسم خطوط العرض والطول لدى كاتب ما، كي يدور في مدارها»، مشيراً إلى أن مهمته الأثيرة منذ بداية الكتابة هي «نظرة شاعر يحاكم العالم»، وأن المحاكمة لديه تتخذ أشكالاً كثيرة، قد «تبدأ بالصراخ وتنتهي بالصمت». وقد أصدر الخصار لحد الآن أربع مجموعات شعرية: «أخيراً وصل الشتاء» (2004) و«أنظر وأكتفي بالنظر» (2007) و«نيران صديقة» (2009) و«بيت بعيد» (2013). وفيما يلي نص الحوار:
> ما الذي يستطيعه الشعر في هذا «الزمن غير الشعري»؟
- بإمكان الشعر أن يقول كل شيء. إنه فن أدبي قديم ومعتق، خبر الحياة جيداً، وعاش منذ قرون تقلبات العالم، وبالتالي فهو الأقدر دائماً على التعبير عن هذه الأهوال والتغيرات بأقل كلمات ممكنة. يتفوق الشعر على الأجناس الأخرى في قدرته المذهلة على قول أشياء كثيرة بكلمات قليلة جداً. لم يعد الشعر بالضرورة عنصراً قادراً على تغيير العالم، ولكنه شاهد كبير على فظاعات العصر وعلى إشراقاته أيضاً. إنه الطفل الذي يرفع لافتة احتجاج في الطريق العام. قد لا ينتبه إليه أحد، ولكن لن يتعب ولن يغادر الشارع العام حتى وإن غادر الجميع.
> لكن، هل يريحك لقب «شاعر» بين عائلتك وفي الحياة العامة؟
- أبداً. في عالمنا العربي عموماً، لا معنى لكلمة شاعر. أنا أتحدث، هنا، عن العموم، لا عن النخبة القليلة جداً جداً التي تتذوق الشعر وتتفاعل معه. في عيون معظم الناس، الشاعر هو شخص لا شغل له، ويمكنك، مثلاً، أن تسأل أي أب، حتى الشاعر نفسه، إن كان يريد لابنه أن يكون شاعراً. سيكون الجواب بالنفي. الكلّ يريد أطباء ومهندسين ومقاولين. الشعر زائدة من الزوائد في مجتمعاتنا. أنا لا أقول هذا الكلام بتذمر، بل أنقل الأمور بحياد. وقد يكون في هذه اللامبالاة تجاه الشاعر أشياء أخرى إيجابية، لعل أولها تعميق عزلته. إن كلمة «شاعر» حين تنطق بالعربية لا علاقة لها على الإطلاق بكلمة «شاعر» بالإنجليزية والإسبانية ولغات أخرى. أشير، هنا، إلى السياق الاجتماعي والثقافي الذي تنشأ فيه المفردة.
> كتبت قبل أيام، على حسابك بـ«فيسبوك»: «انتهى زمن المفكّرين الكبار، الزمن الآن، على مصراعيه، لأصحاب المال والأغاني التافهة»... ماذا جرى حتى صرنا إلى هذا الوضع؟
- العالم يركض باتجاه الثقافة والفن وقيم الجَمال، ونحن نركض في الجهة المقابلة تجاه الفراغ. كان أندريه مالرو، الذي اجتمع المثقف والسياسي في شخصيته وتجربته، يرى أن عدم وجود سياسة ثقافية لدولة ما هو في حد ذاته سياسة. ثمة حكومات وأنظمة تخاف من الثقافة، لذلك تعمل كل ما في وسعها كي تنشأ الثقافة مثل نبتة غريبة وغير مرغوب فيها، أقصى ما قد تصله هو أن تتكاثر على نحو عشوائي. وحين تفكر دولنا العربية في مقاربة الشأن الثقافي، فإن مقاربتها، على الأغلب، ستكون أَمنية، تعمل على دعم كل ثقافة «مهادِنة»، وإقصاء وطمس ملامح كل ثقافة «مزعجة». معظم الحكومات العربية سيعني لها مفهوم «سياسة ثقافية» مفهوماً آخر هو «تدجين الثقافة»، بينما تعني السياسة الثقافية، في الحقيقة، وضع تخطيط لتنمية حقول الثقافة في بلد ما، وبالتالي، تنمية المجتمع والتقدّم به من وضع أول إلى وضع ثان ثم ثالث وهكذا، بمعنى التحول بالتدريج نحو مجتمع تحرّكه الثقافة.
> بقدر ما تبدو مولعاً بالكتابة الشذرية في الشعر، نجدك تميل إلى كتابة قصائد طويلة جداً كما كان حالك في ديوانك الأخير «عودة آدم»، الذي هو نص واحد طويل يتحدث فيه آدم عن عالمنا الراهن بعد أن بُعث فيه من جديد. هو محاكمة الإنسان الأول للحياة الأخيرة. لماذا يعود آدم، الآن؟
- منذ سنوات وأنا أحمل هذا السؤال: ماذا لو عاد آدم ورأى ما نعيشه اليوم وما عشناه من قبل؟ هل سيكون سعيداً بما آل إليه أبناؤه وأحفاده، أم العكس؟ ربما سيندم. فتاريخ العالم لم يكن تاريخاً سعيداً، دائماً. كانت هناك إشراقات وأشياء جميلة، كما كانت هناك أشياء سيئة وبشعة، سوداء في تاريخ العالم. ليس، الآن، فحسب، ولكن حتى فيما مضى. هناك تاريخ من الحروب والمجاعات والكوارث، سواء تلك التي خلقتها الطبيعة أو خلقتها الكوارث أو التي خلقها الإنسان. سؤالي كان: إذا عاد آدم، الآن، فكيف ستكون نظرته لعالمنا. والديوان يقترب، في نظري، من الجواب. ربما سيبقى آدم حائراً مع شعور يختلط فيه الرضا بالندم. لم أذهب كثيراً، لكتابة نصي المطول، إلى التاريخ والفلسفة وعلم الأديان والأنثروبولوجيا، وكل ما يمكن أن يرتبط لدى المتلقي بخصوص آدم، وإنما إلى الشعر، إلى جانب الإحساس لدى آدم، الذي ليس في النهاية، ربما، سوى الشاعر، سوى القارئ، سوى الإنسان عموماً. الشعر أصبح، اليوم، أكثر شساعة، حيث يمكن أن تتحدث عن أي شيء، شعرياً. إذ لم يعد الشاعر يتحدث، فقط، عن ذاته، بل أصبح ممكناً أن يتحدث عن أي موضوع، وكل ما يمكن أن يتبادر إلى الذهن.
كتبتُ أربع مجموعات شعرية هي، في الأساس، تجميع لعدد من النصوص، النصوص القليلة في الغالب، فأنت تعرف أني أجنح إلى كتابة قصائد مطولة، بحيث يتشكل العمل الشعري من أربعة إلى سبعة أو ثمانية نصوص. إذاً هناك نية مسبقة أو استعداد مسبق لتأليف كتاب شعري من نص واحد مطول. وهذا ما حدث مع «عودة آدم». الخطاب الذاتي دائماً حاضر، أقصد أنا الشاعر. في «عودة آدم» هناك قناع، لكن القارئ سيكتشف أن آدم هو الشخصية التي تقف على الخشبة لتقول كلاماً ألفه المؤلف. ما من آدم في النهاية سوى الشاعر. وبالتالي فالكتاب الجديد امتداد لنظرتي القديمة، نظرة شاعر يحاكم العالم. هذه هي مهمتي الأثيرة منذ بداية الكتابة. والمحاكمة لديَّ تتخذ أشكالاً كثيرة، قد تبدأ بالصراخ وتنتهي بالصمت.
> هل يشغلك جدل الشكل الشعري؟ هل أنت معني بالتصنيفات التي تضع الشعراء في خانات: عمودي، حر، قصيدة نثر؟
- أحاول أن أكتب الشعر. أنا غير معني بالضرورة عما إذا كان قصيدة نثر أو شيئاً آخر، وغير مطالب بملاءمته مع قوالب قصيدة النثر التي يسعى البعض إلى جعلها جثة محنطة، بينما هي فتاة متمردة دائمة الشباب. في الحقيقة، أنا أكتب نصاً شعرياً حراً إلى حد ما. هل هو قصيدة نثر؟ لا أستطيع أنا، أيضاً، أن أحسم، لأنني لست معنياً بشكل كبير بالتصنيفات، ولست متحمساً لتلك الضوابط التي قد تجعلنا أمام نصوص متشابهة في النهاية. لا أستطيع أن أقيد نفسي بتعاليم سوزان برنار وماكس جاكوب وبودلير وأفكار موريس شابلان وبرتران وغيرهم من الذين نظّروا لقصيدة النثر، على أهمية هذه التنظيرات طبعاً. إنها المنطلق وليست الهدف. إنها أساس البيت وليست شكله النهائي. ولذلك، يمكن أن تجد الشروط التي وضعتها سوزان برنار أحياناً في قصيدة عمودية عربية أكثر تجلياً من نص آخر يحسب على قصيدة النثر. ثم هل يمكن أن نقصي أي نص ليس فيه كثافة وإيجاز من خانة قصيدة النثر؟
> إلى أي حد يمكن أن نقول إن قصيدة «خوارج»، ضمن ديوانك «بيت بعيد»، عبرت عن «حروب» الحساسية الشعرية الجديدة في المغرب؟
- القصيدة في الحقيقة كتبتها بروح البيان، البيان الذي قد يعني جيلاً كاملاً، وقد لا يعني أحداً بالضرورة. هناك دائماً إحساس بأن كل جيل جديد يوجد خارج الإطار العام لثقافة بلده، وهذا إحساس مستمر ومتجدد. ثمة دائماً رغبة مسبقة في الانعتاق والخروج عما هو رائج. وأحياناً لا يتحقق ذلك، لكن الرغبة تبقى.
> هل يمكن القول إن شعراء قصيدة النثر قد دخلوا مضمار الشعر «بلا دليل»، راهنوا على «خيول مريضة» وخرجوا من الحروب «بلا غنيمة»؟
- حسناً. دعني أخصص الكلام، وأقول: «كوكبة داخل جيل» وليس الجيل برمته. هذه الكوكبة تعرف ما تفعل، وتفعل ما تعرف. الاطلاع على تاريخ الكتابة شيء مهم جداً بالنسبة لي. ومن خلال ما نقرأ نحس إن كان الكاتب محيطاً بهذا الأمر أم لا. أعتقد أن الخبرة الشعرية ضرورية، معرفة الشعر وتاريخه وتحولاته وسياقاته، هنا وهناك، مهمة بالنسبة إليَّ. إنها تتيح للشاعر أن يجرب وضع قدميه في أراض أخرى لم تكثر فيها آثار الأقدام. أما الخروج من الحرب بلا غنيمة فهو قدر كل شاعر يؤمن فقط بالكلمات التي يمسكها بيده، غاضاً الطرف عن الغنائم وزاهداً فيها.
> لماذا ليست هناك مواكبة نقدية لما ينشر من قصائد النثر؟ هل لأن الأمر يرتبط بمناخ ثقافي عام ينسحب على أوضاع الشعر عموماً، أم بعدم قدرة هذه القصيدة أن تقترح نموذجها النقدي، بعيداً عما تحقق لقصيدة الوزن؟
- لقد مر على صدور كتاب سوزان برنار نحو 8 عقود، تغيرت فيها ملامح الشعر في مختلف أطراف العالم. هناك قصائد نثر مذهلة في كل اللغات لشعراء لم يطلعوا بالضرورة على هذا الكتاب، أو اطلعوا عليه كوثيقة لها مكانتها في تاريخ النقد مثل باقي الوثائق الأخرى التي تضيء مسار الشعر وتتعقب تحولاته، كوثيقة بحث ونقد لا كإنجيل. ليست تنظيرات النقاد هي ما يمكن أن يرسم خطوط العرض والطول لدى كاتب ما، كي يدور في مدارها. فهي تأتي، غالباً، كخلاصات ونتائج لقراءات في تجارب شعرية سابقة. إن إيقاع حياة الشاعر وشكل نظرته لهذه الحياة وأسلوب عيشه وتجاربه المتعددة وطبائعه النفسية ومرجعياته الثقافية هي ما يقف أكثر وراء شكل الكتابة. الآن، لم تعد هناك مواكبة للكتابة الشعرية عموماً، ثم إن قصيدة النثر في حاجة لناقد يواكب التحولات ويملك حاسة جيدة للتلقي وأدوات متطورة للاختبار.
> يجد القارئ في نصوصك حنيناً للماضي، بنفس رومانسي واشتغال على المفارقة، مع نفحة سردية طاغية؟
- نعم، أنا كمعظم الشعراء العرب مريض بالحنين، ليس الحنين للماضي وللحظاته التي تبقى مشرقة مهما تغير الزمن، فحسب. أنا مصاب بالنوستالجيا لماض آخر متخيل. لا أخفيك أن ثمة خطين أساسيين يجب الانتباه إليهما فيما أكتب. أولاً الشكل الذي أرتاح له في الكتابة الشعرية هو السرد. والمحتوى الشعري الذي أميل إليه هو الحكي عن حياتي. وبالتالي فهاتان خصيصتان أساسيتان من خصائص السيرة. ويمكنك اعتبار كل ما كتبته وما سأكتبه هو سيرة حياتي فحسب. إنني أضع حياتي على الورق. هذا كل ما أفعله في الحقيقة.
> وما الذي يعوض الإيقاع الخارجي في قصيدة عبد الرحيم الخصار؟
- يعوضه إيقاع الحياة. أنا من المولعين بالبحث عن إيقاع حياة الشاعر داخل نصوصه. أعتقد أن إيقاع نصوص الشاعر ينبغي أن يكون مستوحى من إيقاع حياته. في حياتي كثير من الانسياب والهدوء والمرور في الظل والهروب ما أمكن عن الضوء الذي يؤذي العين والصوت العالي الذي يؤذي الأذن. وأعتقد أن هذا ينعكس على «ريتم» الكتابة الشعرية.



«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
TT

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)

تتبدَّل وظيفة الأشياء الصغيرة في أزمنة الحرب. يصير النهار الذي يتسلَّل إليه بعض الضوء مختلفاً عن نهار آخر يمرّ ثقيلاً، مُكتفياً بكونه يوماً إضافياً في سجلّ التعب. في مراكز الإيواء حيث تتقلَّص الحياة إلى ضروراتها القصوى، ويمضي اليوم على إيقاع القلق وأخبار القصف والتدبير الشحيح للطعام والنوم والانتظار، تكتسب أيّ لفتة إنسانية معنى يتخطّى حجمها المباشر. هناك، يمكن لنشاط رياضي أو «تي شيرت» أو ميدالية تُعلَّق على عنق طفل، أن يترك أثراً يتجاوز لحظته.

أحذية قطعت طرقاً مختلفة لتلتقي هنا (ماراثون بيروت)

يمكن قراءة ما تقوم به جمعية «ماراثون بيروت» خلال الحرب، عبر تنقُّل رئيستها مي الخليل وفريق العمل بين مراكز الإيواء في المناطق، وتنظيم نشاطات رياضية للأطفال النازحين، من هذا الباب. في المدينة الرياضية، بدا المشهد تحت الشمس وفي اتّساع الملعب، أقرب إلى استعادة مؤقتة لفكرة الحياة الطبيعية. أولاد يركضون في فضاء مفتوح، يضحكون، ويتنافسون، ويرتدون القمصان الصفراء التي يرتديها العدّاؤون في سباقات الماراثون، وينالون ميداليات قد تكون الأولى في حياتهم. في التفاصيل ما يكفي لفَهْم الفكرة كلّها. فالطفل يشعر ولو لساعات بأنه خرج من ضيق النزوح إلى فسحة أوسع. يومه لا يمرّ مثل الأيام العادية.

ما يلفت في هذه المبادرات أنها ليست استجابة ظرفية وطارئة فقط. مي الخليل تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ مبادرة التبرُّع بالأحذية مثلاً تنتمي إلى نهج إنساني اعتمدته الجمعية منذ سنوات، في موازاة مبادرات أخرى مثل «حقي أركض» وتنظيم نشاطات رياضية في مناطق ذات دخل محدود. هذا البُعد مهم، لأنه يضع ما يجري اليوم في سياق تطلُّع أوسع يرى في الرياضة حقاً عاماً ومساحة يمكن أن تفتح في الإنسان منافذ قوّة وتماسُك، خصوصاً في لحظات الانكسار الجماعي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

في حديثها عن الأحذية المُتبرَّع بها، تتوقَّف مي الخليل عند ما تُسمّيه «الاستمرارية»؛ فالحذاء في نظرها لا يُختَزل في شيء يُعاد استخدامه. ترى فيه فرصة لأن «يُكمِل الرحلة مع شخص آخر»، ويُعبّر عن قدرة المبادرات المتواضعة على إحداث فرق معنوي لدى مَن يتلقّاها. تحت وطأة اللجوء، تتغيَّر نظرتنا إلى المواد المحيطة بنا. ما كان عادياً في أيام السلم، قد يصير اليوم عنصراً من عناصر العناية، وإشارة إلى أنّ أحداً في مكان ما فكَّر في إنسان لا يعرفه وترك له ما يُساعده على الوقوف والركض والمُشاركة.

في العيون شيءٌ يقول إنّ هذا اليوم ليس عادياً (الشرق الأوسط)

الأهم من الحذاء هو ما يحدث عندما يبدأ النشاط. مي الخليل تستعيد أكثر من مشهد من زياراتها لمراكز الإيواء، لكنَّ اللحظة التي تبقى معها بعد المغادرة هي «لحظة الانطلاق». عندها، كما تقول، يتبدَّل شيء في ملامح الطفل... من ثقل النزوح إلى فرح اللحظة. وتتذكَّر صبياً «كان يركض وكأنه يهرب من كلّ شيء خلفه، ثم توقَّف وابتسم». في هذه الصورة ما يشرح كثيراً من الكلام عن أثر الحركة في النَّفس. الركض لا يمحو الصدمة والخليل واضحة في ذلك، لكنه «يفتح نافذة للتنفُّس». يُعيد وصل الإنسان بجسده ويمنحه مسافة عن الضغط الداخلي. ومع التكرار، قد يصير هذا المُتنفَّس جزءاً من مسار أهدأ نحو التعافي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

يبدو الأطفال صغاراً أمام اتّساع مدرَّجات المدينة الرياضية والسماء. ومع ذلك، فإنّ هذا الاتساع قد يكون جزءاً من العلاج الصامت. النازح الذي اعتاد سقف الخيمة أو ضيق الصفّ أو قسوة المكان المؤقت، يجد أمامه مساحة تسمح له بأن يركض من دون أن يصطدم بشيء. ومَن يدري، ربما عاد هؤلاء الأولاد إلى الخيم التي صاروا فيها جيراناً، وتبادلوا الكلام عن ذلك النهار. عن السباق والميدالية والـ«تي شيرت» الأصفر، وعن مي الخليل التي غنَّت معهم النشيد الوطني وأعطتهم الميكروفون ليرفعوا أصواتهم قليلاً. هذه اللحظات لا تُنهي الحرب. يكفي أن تترك في الوجدان مادةً لتحمُّل القسوة اليومية.

بين يدٍ أعطت وقدمٍ ارتدت ثمة مسافة تختصر الكثير (الشرق الأوسط)

وربما اكتشف بعض هؤلاء الأطفال في ذلك النهار قدرةً لم ينتبهوا إليها من قبل. ربما شَعَر واحد منهم أنه سريع على نحو لافت، أو أنه يُحبّ المنافسة، أو أنّ جسده يستجيب للركض بفرح غامض كان ينتظر فرصة مناسبة ليظهر. المواهب كثيراً ما تُولد في ظروف عادية، لكنَّ بعضها يحتاج فقط إلى نافذة تُتيح له أن يخرج إلى العلن. وفي حياة يُهدّدها الانقطاع الدائم، يصبح العثور على مَيْل شخصي أو قدرة ما حدثاً له قيمة نفسية مُضاعفة، لأنه يعيد إلى الطفل إحساسه بنفسه ويوقظ في داخله إمكانات ورغبات ومستقبلاً ممكناً.

بين الضحك والركض يمرّ وقتٌ لا يُشبه سواه (الشرق الأوسط)

ما يجعل هذه المبادرات مؤثّرة هو أنها تلامس جوهر ما يساعد البشر على احتمال المرارة. الإنسان لا يعيش على الطعام والمأوى وحدهما، خصوصاً الطفل. هناك حاجة إلى اللعب والشعور بالإنجاز. إلى مَن يمرّ في يومه ويترك علامة. قد تبدأ هذه العلامة بابتسامة، ثم تتحوَّل إلى معنى في الداخل. وإلى قدر من الطمأنينة أو ذكرى تُستعاد عندما يشتدّ الخوف. في الحرب، لا تكون الأفعال الصغيرة صغيرة فعلاً. تُمثّل الحياة التي رغم كلّ شيء لا تزال قادرة على إرسال إشاراتها. وهذا أحياناً يكفي كي يُحتَمل يوم آخر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
TT

سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)

أعلنت المغنية الكندية سيلين ديون، مساء أمس (الاثنين)، عبر فيديو ورسائل عُرضت على برج إيفل في يوم عيد ميلادها الثامن والخمسين، إحياءها عشر حفلات موسيقية خلال الخريف المقبل في باريس، لتمهّد بذلك لعودتها الرسمية بعد غياب عن الحفلات دام ست سنوات.

وقالت النجمة المتحدرة من مقاطعة كيبيك الكندية، في رسالة مصورة بُثت على مواقع التواصل الاجتماعي وقناة «فرانس 2» الفرنسية العامة: «هذا العام، سأحصل على أفضل هدية عيد ميلاد في حياتي. ستُتاح لي الفرصة لرؤيتكم، لأؤدي لكم مرة أخرى».

في الوقت نفسه، شاهد مئات المعجبين أمام برج إيفل عرضاً ضوئياً على أنغام بعض من أشهر الأغاني التي أدتها المغنية، بما يشمل أداءها أغنية إديت بياف الشهيرة «Hymne a l'amour» (نشيد الحب). وعُرضت رسائل بلغات عدة على البرج بينها «باريس، أنا جاهزة».

إضاءة برج إيفيل بعد إعلان المغنية الكندية سيلين ديون عودة حفلاتها (رويترز)

من المقرر إقامة عشر حفلات موسيقية في الفترة من 12 سبتمبر (أيلول) إلى 14 أكتوبر (تشرين الأول)، بواقع حفلتين أسبوعياً، يومي السبت والأربعاء. واختارت المغنية أن تعود إلى جمهورها بنمط حفلات شبيه بذلك الذي اعتمدته على مدى 16 عاماً في لاس فيغاس، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُقام الحفلات العشر في قاعة «لا ديفانس أرينا» عند مداخل باريس التي تتسع لنحو 40 ألف متفرج. وستُقدم سيلين ديون خلال هذه الحفلات «أشهر أغانيها باللغتَين الفرنسية والإنجليزية»، وفق بيان.

كما ستُتاح لسيلين ديون فرصة أداء أغنية جديدة من تأليف أحد أبرز ملحني أعمالها، جان جاك غولدمان الذي تعاونت معه، خصوصاً في ألبوم «دو» (D'eux) الذي حقق لها شهرة واسعة.

ومن المقرر إطلاق الأغنية هذا الربيع، وفق ما صرح به مقربون من الفنانة لوكالة «الصحافة الفرنسية»، مؤكدين بذلك تقريراً نشرته صحيفة «لوباريزيان». وسيتولى المدير الفني ويلو بيرون الذي عمل أيضاً على جولة بيونسيه العالمية الأخيرة، تصميم ديكورات حفلاتها.

بعد بدء البيع المسبق للتذاكر لعدد مختار من الأشخاص في 7 أبريل (نيسان)، تُطرح تذاكر الحفلات للبيع العام في 10 أبريل.

«حماس شديد»

يأتي هذا الإعلان الذي أثار حماسة كبيرة لدى محبي النجمة العالمية، عقب حملة دعائية مُخطط لها بدقة للترويج لعودة سيلين ديون إلى الساحة.

وقالت المغنية: «أردتُ أن أخبركم أنني بخير حقاً، صحتي... أشعر بأنني بخير، أشعر بالقوة، أغني كثيراً، حتى إنني أرقص قليلاً»، مضيفةً أنها تشعر «بحماس شديد» و«بقليل من التوتر». وتابعت: «في السنوات الأخيرة، لم يمر يوم إلا وشعرتُ فيه بدعائكم ودعمكم، وبالطبع حبكم، حتى في أصعب الأوقات».

وأُلغيت جولتها «Courage World Tour» (كوردج) التي انطلقت في أواخر عام 2019، بعد أشهر قليلة من بدايتها بسبب جائحة «كوفيد»، ثم بسبب المشكلات الصحية للمغنية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2022، كشفت المغنية عن تشخيص إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبّس»، وهو أحد أمراض المناعة الذاتية الذي لا يوجد علاج شافٍ منه، واضطرت إلى إلغاء سلسلة من الحفلات إلى أجل غير مسمى.

وقد تسبب هذا المرض بإرجاء عودتها إلى الساحة الفنية مرات عدة، آخرها في 2025 حين كان مقرراً أن تستأنف حفلاتها قبل تأجيل هذه الخطوة مرة أخرى. لكن الأمل بالعودة ظل قائماً بعد أن ظهرت سيلين ديون مجدداً في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في باريس صيف عام 2024، حين قدمت الأغنية الشهيرة «إيمن آلامور» (نشيد الحب)، أيضاً من برج إيفل، خلال حفل ختامي مبهر.

تحظى سيلين ديون بشعبية كبيرة حول العالم، وقد باعت ما يناهز 260 مليون ألبوم باللغتين الإنجليزية والفرنسية خلال مسيرتها الغنائية الممتدة منذ نحو أربعة عقود.

Your Premium trial has ended


جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
TT

جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، الاثنين، فتح باب التقديم والتسجيل بـ«جامعة الرياض للفنون» شهر مايو (أيار) المقبل، لتبدأ الدراسة في أروقتها خلال سبتمبر (أيلول)، لتكون مركزاً رائداً للتعليم الثقافي بالمملكة.

وعدَّ الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وهو رئيس مجلس أمناء الجامعة، إطلاقها خطوةً غير مسبوقة في تطوير القطاع الثقافي السعودي، مبيناً أنها «ستكون حجرَ الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي، وستزوّد طلابَنا بالمهارات والمعرفة والرؤية التي تؤهلهم للإسهام في تشكيل مستقبل الثقافة في المملكة».

وأوضح أن الجامعة ستقدم مجموعةً واسعة من التخصصات الأكاديمية التي تمكّن الطلاب من إثراء الصناعات الإبداعية، والإسهام في تنمية القطاع الثقافي بما يتماشى مع «رؤية السعودية 2030».

وأضاف وزير الثقافة: «نهدف من خلال دعم المواهب والاحتفاء بإرثنا الثقافي إلى تمكين الجيل القادم من الإسهام في نمو الاقتصاد الإبداعي، وترك بصمتهم الفريدة على الساحة الثقافية المحلية والدولية».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي (الشرق الأوسط)

وتطمح الجامعة لتكون ضمن قائمة أفضل 50 جامعةً دولية متخصصة في الفنون والثقافة على مستوى العالم، وذلك عبر توفير بيئةٍ تعليمية مبتكرة تحفّز الطلاب إلى اكتشاف شغفهم، وتطوير مواهبهم، والإسهام الفاعل في الاقتصاد الإبداعي.

ستتبنّى الجامعة نهجاً تدريجياً يُلبّي احتياجات المستويات التعليمية، ويشمل جميع القطاعات الثقافية، مُقدِّمةً برامج أكاديمية متكاملة تضمن استمرارية التعليم في مجالات الثقافة والفنون، وتشمل الدوراتِ القصيرةَ، وبرامج الدبلوم، والبكالوريوس، والدبلوم العالي، والماجستير، والدكتوراه.

ويقع الحرم الجامعي في مدينة الرياض، على أن يبدأ عند بدء الدراسة خلال سبتمبر المقبل باستقبال الطلبة في أربع كليات أوّليّة وثمانية برامج أكاديمية تابعة لكليات «الموسيقى، والأفلام، والمسرح والفنون الأدائية، والإدارة الثقافية» على أن تتوسع لاحقاً بشكلٍ تدريجي لتصل إلى 13 كليةً تقدم برامج تعليمية متنوعة تغطي المجالات والقطاعات الثقافية.

ووقَّعت الجامعة خلال الفترة الماضية شراكاتٍ مع مؤسساتٍ دولية رائدة؛ لتصميم برامج أكاديميةٍ متطورة، والتعاون في مجال البحث العلمي، وتقديم برامجَ تعليميةٍ وثقافية ثرية، فضلاً عن دعم مسار تنمية المواهب الوطنية عن طريق تعزيز الإبداع وبناء المهارات الريادية، الذي يُمكّن الفنانين، والباحثين، والقادة الثقافيين من دفع عجلة الاقتصاد الإبداعي والمستقبل الثقافي للبلاد.

وستقدم جامعة الرياض للفنون منحاً دراسية للدفعة الأولى على أن يتم الإعلان عن تفاصيلها مع بدء فتح باب القبول والتسجيل في مايو المقبل.

وتعمل وزارة الثقافة على تطوير جميع جوانب القطاع في السعودية، مع التركيز على تعزيز الأطر التشريعية والتنظيمية، وتحسين بيئة الاستثمار، وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وتسعى الوزارة من خلال برامجها ومبادراتها المتنوعة إلى دعم بناء القدرات وتطوير المواهب، كما تُشرف على 11 هيئةً ثقافية، والعديد من الكيانات الثقافية الأخرى، إسهاماً في بناء منظومةٍ ثقافية متكاملة ومستدامة.