قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية

جاءت فرصة الشعبوية... لأن الديمقراطية أثبتت أنها لا تحمل حلولاً سحرية

قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية
TT

قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية

قراءة في التحولات السياسية الراديكالية بدول أميركا اللاتينية

تكفي جولة سريعة على التحوّلات في المشهد السياسي العالمي خلال السنوات العشر الأخيرة، خاصة في بلدان الديمقراطيات البرلمانية، لنتبيّن كيف راحت معادلة اليمين واليسار التي قامت عليها منظومة الأحزاب والقوى السياسية في هذه البلدان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تنحلّ تدريجيّاً في مياه التيّارات التي تتشكّل حول المنازع القومية والشعبوية، لتقوم مكانها معادلة جديدة لم تتضّح معالمها ولم تترسّخ صيغتها النهائية بعد.
وكما يقول أنشط المنظّرين الأساسيين للفكر الشعبوي واليميني المتطرّف في الولايات المتحدة ستيف بانون، الذي كان «مهندس» وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وساعده اليمنى في الأشهر الأولى من ولايته إن «العالم سيكون مضطراً للمفاضلة بين اثنين: شعبوية اليمين أو شعبوية اليسار». هل نحن إذن أمام ظاهرة ظرفيّة تولّدت من التداعيات الاجتماعية الحادة للعولمة الاقتصادية، تتلاشى بزوال هذه التداعيات ومعالجتها؟ أو هو منعطف تطوّري يقوم على أشلاء الأحزاب التقليدية كما عرفناها إلى اليوم ليستقرّ في مسرى التاريخ السياسي العالمي؟
الفوز الذي حققه المرشّح الشعبوي واليميني المتطرّف جاير بولسونارو في انتخابات الرئاسة البرازيلية نهاية الأسبوع الماضي، جاء ليتوِّج صعود القوى اليمينية في معظم بلدان أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث المنصرمة، ويرسّخ تمدّد الحركات الشعبوية في العالم منذ الأزمة الاقتصادية والمالية في عام 2008، وبقدر ما كان هذا الفوز شبه كاسح - بل وغير متوقّع منذ أشهر قليلة - بقدر ما يُنتظر أن تكون له تداعيات في الجوار الإقليمي، كما على الساحة الدولية، نظراً لثقل اقتصاد البرازيل ودورها الوازن في النظام العالمي المتعدد الأطراف.
الموجة اليمينية كانت عارمة في عدد من الدول الأميركية اللاتينية الكبيرة: ماوريسيو ماكري في الأرجنتين، وسباستيان بينييرا في تشيلي، وإيفان دوكيه في كولومبيا. وحدها المكسيك شذّت عن هذا النزوع إلى اليمين، لكن وصول اليساري مانويل لوبيز أوبرادور إلى الرئاسة المكسيكية جاء محمولاً على خطاب قومي، ومغلّفاً ببرنامج شعوبي من الوعود التي يمكن لأي مرشح يميني أن يتبنّى معظمها.
ومن ثم، يلاحظ مواِكب الأوضاع في بلدان أميركا اللاتينية منذ استقلالها إلى اليوم، أن هذه المنطقة تكاد تعيش على خط زلازل سياسية واقتصادية لكثرة التقلّبات والاهتزازات القويّة التي تشهدها باستمرار، بحيث ما إن تلبث وتنعم بمرحلة من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والرفاه، حتى تعقبها مرحلة من الاضطرابات والركود والأزمات الاجتماعية.
يستهلّ غابرييل غارسيا ماركيز رائعته الشهيرة «مائة سنة من العزلة» بالمقطع التالي: «ستنقضي سنوات كثيرة قبل أن يقف الكولونيل أورليانو بوينديّا أمام كتيبة الإعدام ويتذكّر تلك العشيّة البعيدة عندما رافقه والده ليتعرّف على الجليد».
تدور رواية ماركيز، الأديب الكولومبي العالم وحامل جائزة نوبل للآداب، حول حياة سكّان قرية متخيّلة في مجاهل كولومبيا وهم يتعرّضون من فترة لأخرى إلى ما يسمّيه اليوم علماء السياسة والاقتصاد والاجتماع «الصدمة الخارجية». الرواية ليست مجرّد سرد للصدمات الخارجية التي يواجهها سكّان قرية ماكوندو، وللاضطرابات التي تغيّر مسار حياتهم من حين لآخر. إلا أنها استعارة مناسبة لتناول الاهتزازات السياسية والتقلّبات الاقتصادية والاجتماعية الشديدة التي تعيشها أميركا اللاتينية باستمرار.
- من الثراء إلى الأزمات
الأرجنتين كانت في مطالع القرن الماضي دولة دائنة لفرنسا وألمانيا وبريطانيا، والبرازيل تملك خزّاناً لا مثيل له في العالم من الموارد الطبيعية، والمكسيك تنعم بثروات نفطية ومعدنية وزراعية هائلة... فما الأسباب التي تحول دون رسوخ هذه البلدان على أنظمة اقتصادية وسياسية مستقرّة، خاصة أنها لا تعاني من صراعات إقليمية تُذكر ولم تكن طرفاً في المواجهات العسكرية العالمية الكبرى؟
تفيد دراسة وضعتها مؤخراً «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لأميركا اللاتينية» أن ثلاثة أرباع سكّان شبه القارة الأميركية ليسوا راضين عن النظام الديمقراطي الذي يرون فيه «... ملجأ لجماعات الفاشلين والمشبوهين الذين يسعون من خلاله لمنفعتهم وخدمة مصالحهم الخاصة، وأرضاً خصبة لكل أنواع الجرائم الصغرى والكبرى». ليسوا راضين، لكن غالبيتهم لا تملك بديلاً عن النظام القائم. أليست «الديمقراطية أسوأ النظم السياسية، باستثناء كل النظم الأخرى»... كما كان يقول ونستون تشرتشل؟
عدد الفقراء في الأرجنتين اليوم خمسة أضعاف ما كان عليه منذ 35 سنة، والبلد على أبواب كارثة مالية واجتماعية جديدة بعدما فقدت العملة نصف قيمتها منذ مطلع العام الحالي. ومعدّلات الإجرام والفساد في المكسيك تبدو من كوكب آخر، فيما تحتلّ البلاد المرتبة الأولى في العالم من حيث الفوارق الاجتماعية وتنزف مواردها البشرية إلى الولايات المتحدة حيث يعيش أكثر من 22 مليون مكسيكي حالياً. والبرازيل «بلد المستقبل» و«رئة العالم» تمرّ منذ سنوات بأصعب أزمة اقتصادية منذ استقلالها ويراقب العالم كيف تنهار مؤسساتها، التي ينخرها الفساد، وكيف يحصد العنف مع كل شروق شمس أرواح 176 مواطناً.
كل هذا حصل خلال أطول فترة تعاقبت فيها الأرجنتين كانت في مطالع القرن الماضي دولة دائنة لفرنسا وألمانيا وبريطانيا الحكومات الديمقراطية على هذه البلدان، ما رسخّ الاعتقاد عند كثيرين بأن النظام الديمقراطي السائد ليس هو الحل السحري لكل هذه الأزمات.
- تحديات عصر العولمة
في ظل العولمة، لم تعد مواقع النفوذ والسلطة بحاجة إلى الأنظمة العسكرية للسيطرة على مقاليد الحكم ومراكز القرار. وعلى مدى ثلاثة عقود أدرك المواطن أن الديمقراطية لا تكفي لردع الفساد والتصدّي للجريمة والعنف الاجتماعي ومكافحة الفقر والنهوض بمستوى التعليم والعناية الصحية.
قد لا تكون الديمقراطية هي السبب في تفاقم كل هذه الأزمات، لكنها كانت قائمة وكان عجزها مكشوفاً وفاضحاً.
حزب العمّال الذي هيمن على الحياة السياسية في البرازيل منذ أكثر من عشرين سنة، ويفاخر بأنه انتشل 23 مليوناً من براثن الفقر وحققت البلاد على عهده أكبر طفرة اقتصادية في تاريخها، انتهى أمره بسجن زعيمه والرئيس الأسبق «لولا» (لويس إيناسيو لولا دا سيلفا) بتهمة الفساد واختلاس الأموال العامة، وعزل الرئيسة السابقة ديلما روسّيف بتزويرها أرقام الموازنة. هذا ما يفسّر حصوله على 30 في المائة فقط من الأصوات في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، وهزيمته الواضحة في الجولة الثانية أمام مرشّح مغمور ومتهوّر لم تكن شعبيته تزيد على 15 في المائة قبل أربعة أشهر. ويسود الاعتقاد أن المسؤول الأوّل عن هذه الهزيمة هو «لولا»، الذي أصرّ على ترشيح نائبه فرناندو حدّاد، رافضاً التحالف مع المرشّح اليساري الآخر سيرو غوميش... الذي لا يحمل وِزر فضائح الفساد التي هزّت حزب العمّال وأثارت موجة عارمة من السخط والرفض لكل رموزه.
المشهد نفسه كان قد تكرّر في الأرجنتين، بعد ثلاث ولايات من حكم عائلة كيرشنير التي غاصت حتى رموشها في الفساد، حيث تخضع الرئيسة السابقة كريستينا فيرنانديز كيرشنير منذ أشهر لسلسلة من الملاحقات القضائية... وكذلك في المكسيك التي لم يترك الفساد فيها مؤسسة إلا ونخرها من أدنى المستويات إلى أعلاها.
- الحالة البرازيلية
لكن البرازيل، في مقاربتها لظاهرة جاير بولسونارو والتعاطي مع فوزه، توشك أن ترتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبته فنزويلا عندما دمجت بين الأسباب والمسببات... وانتهى بها الأمر إلى الوضع الكارثي الذي تعيشه حاليّاً. المشكلة الحقيقية، في الحالتين، ليست عقائدية بقدر ما هي وليدة اليأس والإحباط الاجتماعي.
فشل الحكومات السابقة واستشراء الفساد فيها مهّدا لوصول هوغو شافيز و«خلفه» نيكولاس مادورو إلى الحكم، حيث تفاقمت الأزمات على عهديهما وأصبحت الحياة لا تطاق في فنزويلا. ويجدر التذكير بأنه سبق لبولسونارو أن أعرب عن شديد إعجابه بشافيز وقال إنه يتمنّى أن «تصل فلسفته إلى البرازيل»، ما يدفع إلى التخوّف من أن تسير البرازيل (اليمينية) على خطى فنزويلا (اليسارية) إذا ما تعثّر التعايش بين الغالبية الحالية والغالبية السابقة. حسناً تفعل النُخب الثقافية والسياسية عندما تحذّر من مخاطر وصول بولسونارو إلى رئاسة البرازيل، لكنها تخطئ عندما تلقي باللائمة على آيديولوجية معيّنة تولّدت محليّاً أو حملتها الموجة اليمينية العالمية إلى شواطئ البرازيل. إذ تبيّن دراسات علم الاجتماع السياسي أن طموحات المواطن عادة هي دون الأهداف والعناوين الكبرى التي ترفعها الأحزاب في برامجها السياسية والحملات الانتخابية...
المواطن عادة يكتفي بفسحة من الأمل، وبقدر معقول من الصراحة والنزاهة، وبألا توجّه إليه أصابع الاتهام عند كل أزمة اقتصادية بأنه كان يعيش فوق إمكاناته.
ومما يفاقم من أزمة صعود القوى الشعبوية أن الأحزاب التقليدية قد اكتفت، حتى الآن، بتوجيه الاتهامات إلى هذه القوى بأنها تهدف إلى القضاء على النظام القائم. ولكن لم نسمع أيّاً من هذه الأحزاب التقليدية يمارس النقد الذاتي العلني، ويعترف بمسؤولياته عن جموح العولمة التي زادت من حدة الفوارق الاجتماعية بشكل غير مسبوق منذ عقود.
وإذا كانت الموجة الشعبوية في أوروبا قد تقدّمت على وقع أزمة الهجرة، التي فشلت الأحزاب التقليدية في معالجتها وإدارتها، بعد الصدمات الاجتماعية التي تسببت فيها الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن الصعود السريع للشعبويين اليمينيين في أميركا اللاتينية مردّه إلى الأسباب الرئيسية الأربعة التالية:
أوّلاً، التقدّم في الحقوق التي حصلت عليها ما تسمّى «الأقليّات الجنسية»، الذي قابلته ردّة فعل قويّة مناهضة في الأوساط المحافظة والجماعات الدينية التي تعتبر المثليّة الجنسية مرضاً اجتماعياً. وهذه الأوساط ترفض أن تمنح تلك الأقليات أي اعتراف اجتماعي أو سياسي، أو أن تُعطى حقوق الوراثة والتبنّي، التي تعتبرها ضرباً من الانحطاط الاجتماعي.
ثانياً، المساواة بين المرأة والرجل في كل الميادين، وما تفرّع عنها من قوانين تساوي بينهما في الأجور، وتفرض وجود نساء في المجالس الإدارية للمؤسسات العامة والخاصة، وتسمح بالإجهاض، وتقيم نظاماً جديداً متشدّداً للعلاقات الزوجية من باب مكافحة العنف الأسري الذي يسجّل في أميركا اللاتينية أعلى المستويات في العالم.
ثالثاً، التراجع الخطير في المؤشرات الأمنية التي تتجاوز معدّلات البلدان التي تعيش حالات الحرب، والاستخفاف الذي وسم موقف الأحزاب التقدمية عموماً من هذا الموضوع. ومن ثم، عجز اليسار عن طرح حلول وأفكار مبتكرة لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية التي تهدد الأمن والتعايش، والتي نجحت القوى اليمينية والشعبوية في استغلالها.
رابعاً، «المثل الفنزويلي» الحي الذي يُغني عن كل الانتقادات التي يمكن أن توجَّه إلى الأنظمة اليسارية، والذي تنداح تداعياته كل يوم منذ سنوات أمام مواطني الجوار... وسيبقى عبئاً ثقيلاً جداً على كاهل اليسار إلى أجل غير مسمّى.
- آفة الفساد
إذا أضفنا إلى هذه الأسباب الأربعة موجة الفساد التي لم تسلم منها دولة في أميركا اللاتينية، تكتمل عناصر الخصب التي تتولّد منها هذه التيّارات الشعبوية التي تلجأ إلى أسلوب سياسي توتاليتاري ينمو على بذر الشِقاق ويتغذّى من التفرقة. ويستخدم ما أتيح له من وسائل، مشروعة وغير مشروعة، لتشويه الفكر التقدّمي ويروّج للنظريات التآمرية. ويبقى هدفه المركزي ضرب مشروعية النظام الليبرالي القائم وتقويض مؤسساته الأساسية. ويلفت في هذا الصدد ما جاء على لسان ستيف بانون بعد أن اتصّل بالرئيس البرازيلي الجديد مهنّئاً، فوصفه بالبطل، وقال: «بعد هذا الفوز الواضح أصبح بإمكانه أن يغيّر قواعد اللعبة». في ضوء هذا الواقع، أياً كانت الانتقادات الموجهة ضد الشعبويين، والتحذيرات من الأخطار التي يشكّلونها، فلن تكفي الانتقادات والتحذيرات وحدها لدحرهم في الاستحقاقات الانتخابي. بل لا بد من تحديد الأسباب التي تؤدي إلى صعودهم وتمددهم بهذه السرعة، ومعالجة هذه الأسباب قبل أن يفوت الأوان.
إنه الغضب العارم الذي ينتشر في كل المجتمعات ضد الأنظمة التي رعت نموّاً اقتصاديا لم تستفد منه سوى حفنة ضئيلة بأساليب ملتوية، في غالب الحالات، وزاد من حدّة الفوارق الاجتماعية، ودفع نحو نمط «كوزموبوليتي» بات يشكّل تهديداً مباشراً لأنماط الحياة المحلية. هذا الصعود الشعوبي ينذر بمستقبل أسود للديمقراطية وللتعايش الاجتماعي والسلمي بين الأعراق والثقافات والأديان، لكنه أيضا يعكس رغبة عميقة في التغيير عرف الشعبويون كيف يستخدمونها.
تجربة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي كانت بليغة في عِبَرِها.
كانت هناك رغبة في التغيير للقضاء على نظام سياسي قائم على أرستقراطية الأراضي، ترددت الأحزاب الليبرالية وتلكّأت في التجاوب معها، فقامت الفاشيّة ومزّقت النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي في أوروبا. وحده الرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت عرف كيف يتجاوب مع تلك الرغبة بطرحه عقداً اجتماعيّاً جديداً عبر مشروع «الصفقة الجديدة» New Deal، الذي مكّنه من دحر القوى والحركات الشعبوية في الولايات المتحدة، بينما كانت القارة الأوروبية تغرق في مآسيها.
قد لا يبدو الخطر داهماً بالنسبة لكثيرين، لكن الخرافات القديمة تشقّ طريقها بسرعة حتى في المجتمعات التي ذاقت مرارة التجربة، والمشهد العالمي يغلي على نيران الحروب التجارية والأزمات الإقليمية المعمّرة، فيما تتهاوى دعائم النظام الدولي المتعدد الأطراف الذي شكّل صمّام الأمان الوحيد في ظروف الشِّدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
- الشعبوية... ظاهرة سياسية تستحق الاهتمام
> الشعبوية Populism، في العلوم السياسية، هي معتقد سياسي يقوم على استنهاض سلطة الشعب المباشرة وحقوقه الطبيعية في المواجهة التاريخية بين المواطن العادي والنخبة الحاكمة أو المسيطرة. وثمّة توافق بين الدارسين على أن هذا المصطلح الذي شاع استخدامه منذ مطالع القرن الماضي في الدول الغربية، هو حمّال معانٍ يصعب تعريفه بدقّة. وغالباً ما يُستخدم للتعبير عن حالات متباينة وأحياناً متضاربة. إذ إنه يعني تارة الحكومات المنتخبة ديمقراطيّاً... وطوراً الحركات الشعبية أو الاشتراكية من باب إضفاء صفة سلبية عليها.
والشعبوية، بمفهومها العلمي، لا تحمل دلالة عقائدية بقدر ما يُستدلّ بها على استراتيجية هجومية، وأحياناً تشهيريّة في الصراع التقليدي بين اليمين واليسار من أجل الوصول إلى السلطة. ويُرجّح أنه استخدم للمرة الأولى في روسيا أواسط القرن التاسع عشر مع بداية تشكّل الحركات الريفيّة للدفاع عن حقوق المزارعين. كما شاع استخدامه، إلى جانب مصطلح «ديماغوجية» لتبرير الانقلابات والسياسات الليبرالية الجديدة في أميركا اللاتينية في خمسينات وستينات القرن الماضي.



مجلس الأمن يصوت اليوم على مشروع قرار مخفف بشأن «هرمز»

امرأة تحمل العلم الإيراني تقف بالقرب من لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
امرأة تحمل العلم الإيراني تقف بالقرب من لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
TT

مجلس الأمن يصوت اليوم على مشروع قرار مخفف بشأن «هرمز»

امرأة تحمل العلم الإيراني تقف بالقرب من لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
امرأة تحمل العلم الإيراني تقف بالقرب من لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)

حدد مجلس الأمن الدولي جلسة تصويت اليوم الثلاثاء على مشروع قرار يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز، بعدما جرى تخفيف صياغته للمرة الثانية، بسبب معارضة روسيا، والصين.

وكان مشروع القرار الأصلي، الذي قدمته البحرين، يمنح الدول تفويضاً باستخدام «جميع الوسائل اللازمة»، وهي عبارة تستخدمها الأمم المتحدة، ويمكن أن تشمل العمل العسكري، لضمان المرور عبر هذا الممر المائي الحيوي، وردع أي محاولات لإغلاقه، وفقاً لما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

لكن النسخة السادسة من النص، التي سيجري التصويت عليها، تكتفي بـ«تشجيع قوي» للدول التي تستخدم مضيق هرمز على تنسيق جهودها الدفاعية للمساهمة في ضمان الملاحة الآمنة في المضيق.

ويشير النص إلى أن ذلك ينبغي أن يشمل مرافقة السفن التجارية، وسفن الشحن، وردع أي محاولات لإغلاق أو عرقلة أو التدخل في الملاحة الدولية عبر المضيق.

ومن المقرر أن يجري التصويت الساعة 11 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، أي قبل ساعات من المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب عند الساعة الثامنة مساء، مطالباً إيران بفتح الممر الاستراتيجي الذي يمر عبره عادة خُمس نفط العالم، وإلا ستواجه هجمات على محطات الكهرباء، والجسور.

وارتفعت أسعار النفط منذ أن هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في نهاية فبراير (شباط)، مما أدى إلى اندلاع صراع مستمر منذ أكثر من خمسة أسابيع، ودفع طهران إلى إغلاق المضيق، ‌الذي يعد شرياناً حيوياً ‌لإمدادات الطاقة، بشكل شبه كامل.

وشملت جهود بذلتها ​البحرين، ‌التي ⁠تترأس ​حالياً المجلس ⁠المكون من 15 عضواً، للتوصل إلى قرار العديد من المسودات، بهدف التغلب على معارضة الصين، وروسيا، ودول أخرى. وتخلت أحدث صيغة، والتي اطلعت عليها «رويترز»، عن أي تفويض صريح باستخدام القوة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وبدلاً من ذلك، فإن النص «يشجع بشدة الدول المهتمة باستخدام الطرق البحرية التجارية في مضيق هرمز على تنسيق الجهود، ذات الطابع الدفاعي، بما يتناسب مع الظروف، للمساهمة في ضمان سلامة وأمن الملاحة عبر مضيق هرمز».

ويقول النص إن هذه ⁠المساهمات يمكن أن تشمل «مرافقة السفن التجارية»، ويؤيد الجهود الرامية «لردع محاولات ‌إغلاق مضيق هرمز، أو عرقلة الملاحة الدولية ‌عبره، أو التدخل فيها بأي شكل آخر».

وقال دبلوماسيون ​إن النسخة المخففة تحظى بفرصة أفضل ‌لإقرارها، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستنجح. فهي ‌تتطلب ما لا يقل عن تسعة أصوات مؤيدة، وعدم استخدام حق النقض من قبل أي من الأعضاء الخمسة الدائمين، بريطانيا، والصين، وفرنسا، وروسيا، والولايات المتحدة.

ويوم الخميس الماضي، عارضت الصين قراراً يجيز استخدام القوة، قائلة إن ذلك سيمثل «إضفاء للشرعية على الاستخدام غير القانوني والعشوائي للقوة، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى مزيد من التصعيد في الوضع، وإلى عواقب وخيمة».

وقالت إيران أمس الاثنين إنها تريد نهاية دائمة للحرب، ورفضت الضغوط الرامية إلى إعادة فتح المضيق، في حين حذر الرئيس الأميركي من أن إيران قد «تُمحى» في حالة انقضاء المهلة التي حددها مساء اليوم الثلاثاء دون التوصل إلى اتفاق.

وقال وزير الخارجية الصيني وانغ يي يوم الأحد بعد محادثات مع نظيره الروسي إن بكين مستعدة لمواصلة التعاون مع موسكو في مجلس الأمن، وبذل جهود لتهدئة الوضع في الشرق الأوسط. وأضاف وانغ ​أن السبيل الأساسي للتعامل مع ​مشكلات الملاحة في مضيق هرمز يتمثل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أسرع وقت ممكن. والصين هي أكبر مشترٍ في العالم للنفط الذي يمر عبر المضيق.


أكثر من 70 مفقوداً بعد غرق قارب ينقل مهاجرين في المتوسط

متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)
متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)
TT

أكثر من 70 مفقوداً بعد غرق قارب ينقل مهاجرين في المتوسط

متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)
متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)

فُقد أكثر من 70 شخصاً، وقضى اثنان على الأقل، إثر انقلاب قارب ينقل مهاجرين في وسط البحر الأبيض المتوسط، وفق ما أفادت منظمتا «ميديتيرنيا سايفينغ هيومنز» و«سي ووتش» غير الحكوميتين، يوم الأحد.

وأعلنت «ميديتيرنيا سايفينغ هيومنز» عن إنقاذ 32 شخصاً بعد غرق القارب الذي أبحر بعد ظهر السبت من ليبيا وعلى متنه 105 أشخاص ما بين نساء ورجال وأطفال.

وأضافت المنظمة: «حادث غرق مأسوي في عيد الفصح. 32 ناجياً، وتم انتشال جثتين، وأكثر من 70 شخصاً في عداد المفقودين»، موضحة أن القارب الخشب انقلب في منطقة بحث وإنقاذ تُسيطر عليها السلطات الليبية.

من جانبها، أفادت منظمة «سي ووتش» بأنّ الناجين أُنقذوا بواسطة سفينتين تجاريتين ونزلوا، صباح الأحد، في جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأظهر مقطع فيديو نشرته المنظمة على منصة «إكس» -ويبدو أن طائرة المراقبة «سي بيرد 2» قامت بتصويره- رجالاً يتشبّثون بهيكل القارب المنقلب في حين كان ينجرف في عرض البحر، ثم تقترب منه سفينة تجارية.

وقالت «ميديتيرنيا سايفينغ هيومنز»: «نتشارك الألم مع الناجين وأُسرهم وأقاربهم. هذا ليس حادثاً مأسوياً، بل نتيجة سياسات الحكومات الأوروبية التي ترفض فتح طرق وصول آمنة وقانونية».

وتشكل لامبيدوسا نقطة وصول أساسية للمهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط انطلاقاً من شمال أفريقيا. ويهلك كثيرون أثناء قيامهم بهذه الرحلة الخطرة.

ومنذ مطلع العام الحالي، لقي 683 مهاجراً حتفهم أو فُقدوا في البحر الأبيض المتوسط، وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية.

وأفادت وزارة الداخلية الإيطالية بأن 6175 مهاجراً وصلوا إلى السواحل الإيطالية خلال الفترة ذاتها، وفقاً لأحدث الأرقام الصادرة في الثالث من أبريل (نيسان).


مبادرة صينية باكستانية بثلاثة محاور لاحتواء التوتر الأميركي الإيراني

هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

مبادرة صينية باكستانية بثلاثة محاور لاحتواء التوتر الأميركي الإيراني

هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

أفصح مسؤول صيني عن انخراط بلاده في جهود للوساطة الدبلوماسية لاحتواء الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، بالتعاون مع باكستان عبر مبادرة من خمسة بنود ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية لخفض التوتر في المنطقة والتهدئة، وشدد المسؤول الصيني على ضرورة تمسك المجتمع الدولي بموقف موضوعي وعادل لاحتواء التصعيد، مؤكداً أن الأولوية القصوى تكمن في إحلال السلام وتعزيز المفاوضات.

وأوضح تشانغ هوا، السفير الصيني لدى السعودية، أن وزير خارجية بلاده أجرى اتصالات هاتفية مع نظرائه في دول الخليج، بما فيها السعودية، إلى جانب إيران وإسرائيل وفرنسا وألمانيا ومصر وتركيا، فضلاً عن زيارات قام بها المبعوث الخاص للحكومة الصينية لقضية الشرق الأوسط، تشاي جيون، إلى دول الخليج.

وقال تشانغ هوا، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، أصدر مع نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، مبادرة مشتركة من خمس نقاط بين الصين وباكستان، تهدف إلى استعادة السلام والاستقرار في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أن المبادرة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل أولاً وقف إطلاق النار، وثانياً إطلاق المفاوضات، وثالثاً تقديم الضمانات، بما يعني وقف الأعمال العدائية بشكل فوري، مؤكداً استعداد الصين للعمل مع دول الشرق الأوسط لتنفيذ مبادرة الأمن العالمية بما يسهم في إعادة الاستقرار للمنطقة، وتعزيز الأمن لشعوبها، ودعم السلام العالمي.

بكين تقف إلى جانب الرياض

وأشار تشانغ هوا، إلى أن الصين والسعودية حافظتا على التواصل والتنسيق بشأن الأوضاع في المنطقة، موضحاً أن وزير الخارجية وانغ يي أجرى مكالمتين هاتفيتين مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، فيما كانت السعودية المحطة الأولى لزيارة المبعوث الخاص تشاي جيون.

وأكد حرص بلاده على تعزيز التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى مع السعودية، معرباً عن تطلعه إلى توسيع التنسيق الثنائي في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، مشيراً إلى أن بكين تدعم جهود الرياض ودول الخليج للحفاظ على سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها.

وأضاف أن الصين تشيد بضبط النفس الذي تبديه السعودية وسعيها إلى إحلال السلام ومنع اتساع رقعة الحرب، مؤكداً استعداد بلاده للعمل مع المملكة لاستعادة الاستقرار في المنطقة، لافتاً إلى أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط يشكل تهديداً مباشراً لأمن السعودية ودول الخليج.

كما أكد رفض بلاده لأي هجوم يستهدف دول الخليج، ومعارضتها للهجمات العشوائية التي تصيب المدنيين والأهداف المدنية، مع دعمها للمخاوف الأمنية المشروعة لدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها السعودية.

السعودية تؤمن الطاقة

صورة فضائية التقطتها شركة «بلانيت لابز» تُظهر البنية التحتية النفطية في ميناء ينبع غرب السعودية على البحر الأحمر يوم 4 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح تشانغ هوا أن الحرب المستمرة منذ أكثر من شهر أدت إلى تداعيات كبيرة تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وتؤثر في استقرار إمدادات الطاقة العالمية وسلاسل الإنتاج والنمو الاقتصادي الدولي.

وأكد أن السعودية تعد مورداً رئيسياً للنفط الخام للصين، مشيراً إلى تعمق المواءمة بين مبادرة «الحزام والطريق» و«رؤية السعودية 2030» خلال السنوات الأخيرة، مع تعزيز التعاون الثنائي في مجال الطاقة بوصفه من أهم ركائز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وأضاف أن الصين تقدر الدور الإيجابي للسعودية في الحفاظ على توازن واستقرار سوق النفط العالمية، موضحاً أن مضيق هرمز والمياه المجاورة له يمثلان ممراً حيوياً لتجارة الطاقة والسلع الدولية، وأن الحفاظ على أمن واستقرار هذه المنطقة يمثل مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي.

وأشار إلى أن التوتر في مضيق هرمز يعكس تداعيات الحرب على إيران، مؤكداً أن استمرار الحرب سيبقي حالة عدم الاستقرار في المضيق، ما يستدعي وقفاً فورياً لإطلاق النار.

ودعا جميع الأطراف إلى تكثيف الجهود لخفض التصعيد وتجنب اضطرابات أوسع قد تؤثر في أمن الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة، مؤكداً استعداد الصين لمواصلة القيام بدور بنّاء في هذا الإطار.