الدبلوماسية العُمانية تنشط تجاه رام الله... وماذا عن طهران؟

بعد أيام من زيارة نتنياهو إلى مسقط

سلطان قابوس بن سعيد اثناء لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسقط الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
سلطان قابوس بن سعيد اثناء لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسقط الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
TT

الدبلوماسية العُمانية تنشط تجاه رام الله... وماذا عن طهران؟

سلطان قابوس بن سعيد اثناء لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسقط الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
سلطان قابوس بن سعيد اثناء لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسقط الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

تنشط الدبلوماسية العُمانية بين مسقط ورام الله بعد نحو أسبوع من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى سلطنة عُمان التي استقبله خلالها السلطان قابوس بن سعيد في ظهور نادر له، لكن مراقبين لا يستبعدون أن تكون الزيارة المثيرة لبنيامين نتنياهو إلى مسقط، تحمل إشارات تتعلق بإيران أيضاً.
وبعد يومين من رسالة حملها موفد عُماني إلى الرئيس الفلسطيني، زار الوزير المسؤول عن السياسة الخارجية في عُمان يوسف بن علوي، رام الله وسلّم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، رسالة من السلطان قابوس تتعلق بزيارة نتنياهو إلى السلطنة. وسبق لمحمود عباس أن زار مسقط في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي قبيل زيارة نتنياهو، وصرّح بن علوي على هامش مشاركته في «منتدى حوار المنامة» في البحرين، بأن «السلطنة تطرح أفكاراً لمساعدة الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على التقارب، لكنها لا تلعب دور الوسيط».
وقال: «نؤكد أن دورنا الرئيسي في السلام الإسرائيلي - الفلسطيني يتوقف على ما تقوم به الإدارة الأميركية في (صفقة القرن)». وتسعى إسرائيل لمشاطرة دول الخليج القلق بشأن إيران، وهي تقود حملة دبلوماسية علنيّة للتقرّب من هذه الدول، لكنها قاومت أي ضغوط لإجبارها على تقديم تنازلات للفلسطينيين، أو السماح برعاة دوليين سوى الراعي الأميركي لأي محادثات بينها وبين الجانب الفلسطيني.
ولا تقيم سلطنة عُمان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكنها تحتفظ بخط اتصال دبلوماسي نشط؛ ففي عام 1994، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين السلطنة، وفي عام 1995 استضاف رئيس الوزراء المؤقت شمعون بيريز وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي في القدس بعد عدة أيام من اغتيال رابين. وفي عام 1996 وقّع الجانبان اتفاقية لفتح مكاتب تمثيلية تجارية. وتم إغلاق هذه المكاتب في أكتوبر عام 2000، بعد أسابيع من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية.
وفي منتصف فبراير (شباط) الماضي (2018) قام وزير الشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي بزيارة للقدس شملت المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وكنيسة القيامة بالقدس الشرقية المحتلة.
كما لا تقيم تل أبيب علاقات دبلوماسية مع أي من الدول الخليجية، لكن وفوداً اقتصادية ورياضية زارت كلاً من الدوحة وأبوظبي. وبعد زيارة نتنياهو بأيام، زارت وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميري ريغيف، أبوظبي، بينما ألقى وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرا خطاباً في مؤتمر بإمارة دبي.
مصدر مطلع أفاد «الشرق الأوسط» بأن زيارة نتنياهو للسلطنة كانت معدّة مسبقاً، وعمل على تنظيمها وسيط يهودي أميركي مقرّب من نتنياهو. وقالت هذه المصادر إنها تتوقع زيارة من رئيس الحكومة الإسرائيلية لدولة خليجية أخرى قريباً. وبحسب هذا المصدر، فإن الإسرائيليين أرادوا الاستفادة من الدبلوماسية العُمانية لإقناع الفلسطينيين بالانخراط في «صفقة القرن»، وهو ما برز في تصريحات بن علوي في «منتدى البحرين».
وقال المصدر إن العُمانيين اقترحوا على رئيس السلطة الفلسطينية، خلال اجتماعهم به في 22 أكتوبر الماضي، في مسقط، العودة إلى المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، وإنّهم سيعملون على إقناع نتنياهو بقبول بعض التعديلات على «صفقة القرن». وقال المصدر إن أبو مازن قد وعد بدراسة هذا المقترح.

- رسائل نحو إيران
وفي حين ينصبّ الاهتمام على بحث ما يمكن أن يسفر عنه التواصل بين سلطنة عُمان وإسرائيل لناحية إحراز تقدم في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي، فإن مراقبين ينظرون في اتجاه آخر.
بالنسبة لهؤلاء؛ فإن إسرائيل تعلم مسبقاً عدم انشغال الجانب العماني بتفاصيل ملف النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، الذي تبدو فيه مصر أو الأردن أكثر نشاطاً. عوضاً عن ذلك، فإن مسقط تحتفظ بعلاقات وثيقة مع طهران، ولطالما وظّفت الدبلوماسية العُمانية إمكاناتها لتقريب وجهات النظر بين الإيرانيين والأميركيين.
وتخطط سلطنة عمان وإيران لمدّ أنبوب لضخ الغاز الطبيعي من إيران إلى السلطنة، بطاقة تبلغ مليار قدم مكعبة يومياً (نحو 28 مليون متر مكعب في اليوم)، ومن المتوقع إنجازه في عام 2020. وكانت سلطنة عُمان؛ وثيقة الصلة بطهران، استضافت محادثات علنية في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، بين الولايات المتحدة وإيران، وضمت، إلى جانب البلدين، منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، وهي المحادثات التي أعقبت سلسلة حوارات سرية بين الجانبين الأميركي والإيراني.
وقبل أيام (الثلاثاء) تسلّم أسعد بن طارق آل سعيد، نائب رئيس الوزراء لشؤون العلاقات والتعاون الدولي والممثل الخاص للسلطان قابوس، دعوة رسمية من إيران لزيارتها، وسلّم الدعوة إسحاق جهانغيري النائب الأول للرئيس الإيراني، بحضور السفير الإيراني في مسقط محمد رضا نوري.
وجاءت هذه الدعوة رغم الانتقادات «الناعمة» التي وجهتها طهران للسلطنة عقب زيارة نتنياهو.
وعدّ مساعد رئيس مجلس الشورى الإيراني للشؤون الدولية حسين أمير عبد اللهيان، أن استضافة سلطنة عُمان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «بعيدة كل البعد عن الحكمة المعهودة للسلطان قابوس بن سعيد». في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، في نبرة هادئة: «دون شك؛ هذا الكيان يحاول إثارة الخلافات بين الدول الإسلامية، والتغطية على 70 عاماً من الاحتلال».
ولا يستبعد الدكتور عبد العزيز بن عثمان بن صقر، رئيس «مركز الخليج للأبحاث» أن تحمل زيارة نتنياهو لمسقط، جانباً متعلقاً بإيران، وقال لـ«الشرق الأوسط» أمس إن الإسرائيليين مهتمون بإيجاد قناة تواصل مع الإيرانيين، خصوصاً بشأن ملفات أمنية وسياسية؛ بينها الوجود الإيراني في سوريا، الذي تنظر إليه إسرائيل على أنه يمثل تهديداً لها، أو استمرار إيران بتزويد «حزب الله» في لبنان بأسلحة؛ بينها صواريخ متوسطة المدى.
وتسعى إسرائيل لمنع طهران من تعزيز وجودها في سوريا، وهذه واحدة من النقاط التي تجمعها مع دول عربية وخليجية، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية أمس عن إليزابيث ديكنسون من «مجموعة الأزمات الدولية» قولها إن «انسجام السياسات يجعلهم أكثر تقارباً، إن لم تكن (هذه الدول) معاً أساساً».
وتضيف ديكنسون: «الضغط على إيران وتقليل نشاطها الإقليمي هو الأولوية الأهم لإسرائيل ولعواصم خليجية معيّنة. الرياض وأبوظبي وحتى تلّ أبيب، تشعر جميعها بأنّه من المهم استغلال الفرصة المتاحة حالياً؛ التي تقوم فيها الإدارة الأميركية أيضاً بإعطاء الأولوية لإيران».
وتشعر طهران بالاختناق، مع اقتراب موعد الحزمة الثانية من العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوقف صادرات النفط الإيرانية، والتي سيبدأ سريانها يوم الاثنين المقبل 5 نوفمبر الحالي.
ويقول محللون إن الإيرانيين يسعون لإيصال رسائل نحو الإسرائيليين بإمكانية بحث الملفات التي تشكل قلقاً بالنسبة لهم، ويأتي في صدارة تلك الملفات ما يتعلق بالوجود الإيراني في سوريا، أو إمكانية احتواء أو تخفيف التهديد الذي يمثله «حزب الله» في لبنان. أما بشأن مشروع الصواريخ الباليستية، وهو أكبر أسباب القلق لدى الإسرائيليين، فربما احتفظ به الإيرانيون جائزةً لمفاوضات أوسع.
وكانت طهران تحتفظ بعلاقات متميزة مع إسرائيل حتى قيام الثورة الإسلامية في 1979 عندما تم قطع العلاقات بين الطرفين. لكن في أواخر عام 1986، تم الكشف عن مفاوضات طويلة بين طهران وتل أبيب وواشنطن في ذروة الحرب العراقية - الإيرانية، أسفرت عن قيام إدارة الرئيس الأميركي حينذاك رونالد ريغان ببيع أسلحة إلى إيران مقابل إطلاق سراح مواطنين أميركيين خطفوا في لبنان، وكان لإسرائيل دور مهم في هذه المفاوضات، وتم نقل أسلحة أميركية من إسرائيل إلى إيران.



«اتفاق غزة»: الوسطاء يبحثون عن حل لتعثر «المرحلة الثانية»

فلسطينيون يسيرون على طول زقاق موحل في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بعد هطول أمطار غزيرة بحي الزيتون بمدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون على طول زقاق موحل في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بعد هطول أمطار غزيرة بحي الزيتون بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»: الوسطاء يبحثون عن حل لتعثر «المرحلة الثانية»

فلسطينيون يسيرون على طول زقاق موحل في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بعد هطول أمطار غزيرة بحي الزيتون بمدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون على طول زقاق موحل في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بعد هطول أمطار غزيرة بحي الزيتون بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تتواصل جهود الوسطاء للدفع نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم قبل نحو شهرين، وسط حديث إسرائيل عن أن هناك تعثراً وشروطاً إسرائيلية للانتقال لتلك المرحلة.

تلك الجهود التي تشمل تحركات واتصالات أميركية ومصرية بخلاف اجتماع عسكري بالدوحة، تعزز فرص التوصل إلى حل لإنهاء تعثر المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بحسب ما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، معتقدين أن هناك ترقباً للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لحسم الانتقال من عدمه.

وعاد الحراك الأميركي بشأن غزة مكثفاً، وأطلع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مبعوثا ترمب، وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الاثنين، على المستجدات بشأن اتفاق غزة خلال مؤتمر عبر الفيديو، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».

فلسطيني يجمع قوالب الخرسانة الخفيفة لبناء مأوى لعائلته قبل حلول فصل الشتاء في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن توم برّاك مبعوث ترمب يصل إلى إسرائيل، الاثنين، لبحث بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن «الزيارة بالغة الحساسية، وتقيّم مدى استعداد إسرائيل للتقدم نحو المرحلة الثانية، وتعكس نفاد صبر الرئيس ترمب إزاء تعثر الانتقال إلى المرحلة التالية من خطته لقطاع غزة، وستناقش قوات الاستقرار بغزة».

وأوضحت أن «برّاك يرى أن تركيا يجب أن تكون جزءاً من قوة الاستقرار، بفضل قدراتها العسكرية ونفوذها في غزة، ولكن إسرائيل تعدّ ذلك خطاً أحمر، إذ ترى أن أي طرف يحتفظ بعلاقات مع (حماس) لا يمكن أن يُصنف قوةَ استقرار، وإشراكه (في القوة الدولية) قد يقوض الاتفاق».

ورأت الهيئة زيارة برّاك، رغم أنه مهتم أكثر بشؤون سوريا ولبنان، «خطوة تحضيرية مباشرة للقاء المرتقب بين نتنياهو وترمب بفلوريدا في 29 ديسمبر (كانون الأول) الحالي»، في ظل انشغال ويتكوف وكوشنر بملف أوكرانيا.

وتأتي تلك الزيارة عشية استضافة الدوحة اجتماعاً للقيادة المركزية الأميركية، بمشاركة 25 دولة، الثلاثاء، لبحث هيكل القيادة وقضايا أخرى متعلقة بقوة الاستقرار في غزة، بحسب ما ذكره مسؤولان أميركيان لـ«رويترز» قبل أيام.

وسبق أن تحدثت القناة «14» الإسرائيلية أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بأن الولايات المتحدة حددت منتصف يناير (كانون الثاني) المقبل، موعداً لبدء انتشار «قوة الاستقرار الدولية» في غزة، ونهاية أبريل (نيسان) المقبل موعداً نهائياً لإتمام عملية نزع السلاح من القطاع، مشيرة إلى أن ذلك طموح منفصل عن الواقع، في إشارة إلى إمكانية تأجيله مجدداً.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، أن المساعي الأميركية تعكس وجود ضغوط لتسهيل التفاوض بشأن المرحلة الثانية، التي تبدو معقدة للغاية مع مساعي نزع سلاح القطاع وتشكيل قوات الاستقرار ولجنة إدارة القطاع، مشيراً إلى أن «تلك الملفات لم تحسم بعد، وليست هناك ملامح بشأن إنجازها قريباً والأمور ضبابية».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، بأنه «أياً كانت المساعي فيجب أولاً وقف التماهي بين إسرائيل والولايات المتحدة، وأن تضغط واشنطن بقوة على نتنياهو، غير ذلك ستذهب التحركات الأميركية بلا نتائج مؤثرة، خصوصاً أن هناك حديثاً عن توجه للقفز للبند 17 من اتفاق غزة الذي يسمح ببدء تحركات فردية إسرائيلية في أماكن سيطرتها وإعمارها، وهذا أمر خطير».

ووسط تلك المساعي الأميركية، والمخاوف، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اتصال هاتفي، الاثنين، مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، أهمية ضمان استدامة وقف إطلاق النار، وتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة ترمب، وأهمية نشر قوة الاستقرار الدولية المؤقتة لمراقبة وقف إطلاق النار، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية، الاثنين، عن مصدر أمني، أن تنفيذ المرحلة الثانية «غير وشيك»، مع استمرار مساعي إسرائيل لاستعادة جثة الرهينة ران غويلي، التي تعد آخر جثة تطالب باستعادتها من قطاع غزة، فيما أفاد موقع «والا» العبري بأن تل أبيب تربط التقدم في الاتفاق باستعادة الجثة.

ويرى السفير هريدي أن إسرائيل تتعمد إفساد التوجه للمرحلة الثانية بتلك الذرائع، مشيراً إلى أن «القاهرة تعمل على إنهاء تلك الذرائع وتوسيع دائرة التحركات، لدفع واشنطن نحو إجبار نتنياهو على تنفيذ الاتفاق، وهذا سيتضح أكثر خلال لقاء القمة مع ترمب أواخر الشهر».

وشدد الرقب على أن «محددات المرحلة الثانية 3 أمور رئيسية؛ هي وصول قوات الاستقرار، وتشكيل لجنة إدارة القطاع، ووجود جهاز شرطي فلسطيني لتسلم غزة، وجميع ذلك لم يحدث، وبالتالي سيتأخر الانتقال لتلك المرحلة، ما لم يحسم ترمب الأمر مع نتنياهو خلال القمة المرتقبة».


الحد الأدنى للأجور يفجر تراشقاّ كلامياً بين ملياردير وبرلماني في مصر

مطالبات في مصر بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور (أرشيفية - رويترز)
مطالبات في مصر بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور (أرشيفية - رويترز)
TT

الحد الأدنى للأجور يفجر تراشقاّ كلامياً بين ملياردير وبرلماني في مصر

مطالبات في مصر بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور (أرشيفية - رويترز)
مطالبات في مصر بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور (أرشيفية - رويترز)

تفجّرت مشادة كلامية بين رجل الأعمال المصري البارز نجيب ساويرس، وعضو مجلس النواب مصطفى بكري، حول قيمة الحد الأدنى للأجور في البلاد.

وبدأت المهاوشة على خلفية دعوة ساويرس لرفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه شهرياً (الدولار يساوي نحو 47.48 جنيه)، إلا أن الرد من بكري جاء لاذعاً، متهماً رجل الأعمال بـ«البطولة الوهمية»، مطالباً إياه بأن يبدأ بنفسه بتطبيق الحد الأدنى في شركاته قبل أن يطالب الدولة.

رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس (صفحته الرسمية)

كان نجيب ساويرس قال قبل أيام، خلال كلمته في مؤتمر توظيفي، إن مؤسسة «ساويرس للتنمية الاجتماعية» تواصل جهودها في دعم وتأهيل الشباب لسوق العمل، بما يسهم في رفع دخولهم من مستويات متدنية قد لا تتجاوز ألفي جنيه إلى نحو 14 و15 ألف جنيه، وهو ما اعتبره «الحد الأدنى الضروري للمعيشة وضمان حياة كريمة للمواطن في ظل التضخم الحالي».

وقرر «المجلس القومي للأجور» في فبراير (شباط) الماضي زيادة الحد الأدنى من 6 آلاف جنيه لتصل إلى 7 آلاف جنيه بدأ تطبيقها في مارس (آذار) الماضي.

وتأتي دعوة رجل الأعمال المصري وسط مطالبات مجتمعية وبرلمانية متزايدة برفع مستويات الدخل في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات وتكاليف المعيشة، ومع تذبذب مؤشرات التضخم.

وأصدر البنك المركزي المصري، الأربعاء الماضي، بالتنسيق مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بيان التضخم عن نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الذي أظهر استمرار التراجع الطفيف في وتيرة ارتفاع الأسعار؛ حيث بلغ معدل التضخم السنوي في الحضر 12.3 في المائة مقارنة مع 12.5 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول) السابق عليه.

ورغم أن مطلب ساويرس لاقى دعماً شعبياً واسعاً، وهو ما اتفق عليه أيضاً البرلماني والإعلامي مصطفى بكري، فإنه أضاف في تغريدة له على حسابه بمنصة «إكس»، موجهاً حديثه لرجل الأعمال: «ما رأيك أن تبدأ أنت بالمبادرة وترفع رواتب الموظفين عندك»، واتهم ساويرس بأن رواتب الأغلبية لديه «لا تتعدى 5760 جنيهاً شهرياً، وهناك من هو أقل من ذلك».

وأثارت هذه المهاوشة الافتراضية تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من يرى أن ساويرس يسلط الضوء على قضية فعلية تتعلق بضعف الأجور، ومن يعتبر أن بكري محق في مطالبته لرجل الأعمال بأن يكون قدوة في مؤسساته الخاصة قبل أن يطالب الدولة بالتغيير.

وأيد كثير من نشطاء التواصل الاجتماعي أن يكون الحد الأدنى للأجر 15 ألف جنيه، وتمنوا أن يصل صوت ساويرس إلى المسؤولين في مصر.

كما تفاعل عدد من الإعلاميين مع ما نادى به رجل الأعمال، وقال الإعلامي عمرو أديب، خلال برنامجه «الحكاية»، مساء الأحد، «إن مصر تحتاج إلى وزارة للرحمة، وأن المجتمع المصري لن ينجو بالاقتصاد ولكن سينجو بالرحمة».

وأشار إلى أنه طالب بهذا الرقم قبل سنوات ما عرضه للانتقاد وقتها، موضحاً «أن الحد الأدنى الحالي للأجور البالغ 7 آلاف لا يطبق في أغلب الشركات».

بدوره، قال الإعلامي محمد علي خير، في برنامجه «المصري أفندي»، إن ملف الأجور في مصر أصبح أحد أخطر ملفات العدالة الاجتماعية، مشدداً على أن الدخول الحالية لم تعد قادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، خصوصاً للشباب المقبل على الزواج.

وأضاف: «الحديث عن أجور 4000 و5000 و6000 و7000 جنيه لم يعد مقبولاً في ظل الغلاء الحالي وتراجع القدرة الشرائية»، مؤكداً أن الأجور في مصر تحتاج إلى تغيير جذري وليس حلولاً شكليةً.

كما تبادل العديد من النشطاء الرؤى حول الحد الأدنى المناسب للراتب، لضمان حياة كريمة للملايين من العاملين.

وتطور الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص المصري منذ إقراره لأول مرة في يناير (كانون الثاني) 2022، حيث بدأ بـ2400 جنيه، ثم ارتفع إلى 2700 جنيه في يناير 2023، و3000 جنيه في يوليو (تموز) 2023، ثم 3500 جنيه في يناير 2024، و6000 جنيه في مايو (حزيران) 2024، ليصل إلى 7000 جنيه اعتباراً من مارس 2025.

في المقابل، انتقد بعض المدونين كلمات بكري المنتقدة لمطلب رجل الأعمال البارز، مطالبين إياه بمساندة ساويرس في كلامه بدلاً من السخرية منه. كما طالبه آخرون، كونه إعلامياً بارزاً وصوتاً للمواطن في البرلمان، بفتح النقاش عن الحد الأدنى للرواتب والمعاشات.

بينما سخر طرف ثالث من المهاوشة الافتراضية، لافتين إلى أن طرفيها رجلان يملكان الملايين، ويتنازعان حول أجور ومستحقات البسطاء، في حين أن المحصلة النهائية ستكون غياب أي نتيجة إيجابية من الطرفين.


أزمة تمويل تهدد معيشة اليمنيين خلال العام المقبل

فجوة كبيرة في التمويل الدولي الموجه إلى المساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)
فجوة كبيرة في التمويل الدولي الموجه إلى المساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)
TT

أزمة تمويل تهدد معيشة اليمنيين خلال العام المقبل

فجوة كبيرة في التمويل الدولي الموجه إلى المساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)
فجوة كبيرة في التمويل الدولي الموجه إلى المساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)

على الرغم من أن التدخلات التنموية في اليمن تمكّنت من إحداث فارق ملموس في تحسين سبل العيش، تزداد تحذيرات وكالات الأمم المتحدة من اتساع فجوة تمويل الأعمال الإنسانية في اليمن، مع سعيها إلى الاستجابة الطارئة لحماية الأطفال والفئات الأكثر هشاشة من الوصول إلى مستويات شديدة من نقص الاحتياجات.

نفاد الإمدادات

وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عن حاجتها إلى 126.25 مليون دولار، لتنفيذ خطتها الإنسانية في البلاد للعام المقبل، وضمان استمرار خدمات الصحة والتغذية والمياه والتعليم والحماية لملايين الأطفال الذين يعتمد غالبيتهم على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، محذرة من أن استمرار التدهور قد يحرم أعداداً متزايدة من الرعاية الأساسية.

وتراجعت حاجة «اليونيسف» إلى تمويل نشاطها في اليمن للعام المقبل بنسبة 40 في المائة عن العام الحالي، الذي طلبت فيه تمويلاً بمبلغ 212 مليون دولار.

ونبهت المنظمة الأممية إلى أن إغلاق أكثر من 3000 مركز تغذية، ونفاد الإمدادات الحيوية بحلول أوائل العام المقبل، يجعلان حياة مئات الآلاف من الأطفال عرضة للخطر.

ملايين الأطفال اليمنيين يواجهون خطر سوء التغذية ونقص الخدمات الصحية (الأمم المتحدة)

بدورها، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) نداء تمويلياً بقيمة 86.57 مليون دولار، لدعم سُبل العيش الزراعية وتعزيز القدرة على الصمود لنحو 9.15 مليون شخص في اليمن خلال العام نفسه.

تدخلات زراعية

تقدّر «فاو» أن اليمن يُعد ثالث أكبر أزمة غذاء في العالم، حيث يواجه أكثر من نصف السكان مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو 41 ألف شخص معرضون لخطر المجاعة، بعد عقد من بدء النزاع المسلح، والتطورات الأخيرة التي عطّلت سلاسل التوريد، إلى جانب الانهيار الاقتصادي والتغيرات المناخية القاسية.

ويتوقع المنسق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة، جمال بلفقيه، أن نقل مكتب منسق الشؤون الإنسانية إلى العاصمة المؤقتة عدن سيساعد بشكل كبير على تنفيذ خطط الاستجابة الإنسانية وتغيير مسار العمل الإنساني وبيان أثرها، داعياً إلى الشراكة بين المنظمات الدولية والقطاع الخاص في اليمن، لتوفير السلع الأساسية والشراء من السوق المحلية.

فجوة تمويل الإغاثة في اليمن تهدد بتراجع كبير في القدرة الشرائية للسكان وفق خبراء (أ.ف.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» يبدي المسؤول الإغاثي الحكومي قلقه من أن اختطاف الجماعة الحوثية العاملين في الوكالات الأممية، وممارسة الابتزاز باستخدام الورقة الإنسانية سيعوقان أداء المنظمات ويؤثران سلباً على الدعم الخارجي، مبدياً تفاؤله بأن تؤدي الإجراءات الاقتصادية الحكومية إلى تحسين أسعار المواد الأساسية، مما يساعد في تحسين القوة الشرائية.

وتوضح الوكالة الأممية أن 17.68 من التمويل سيُوجّه إلى صالح تدخلات زراعية طارئة لتحقيق تعافي سُبل المعيشة، ويشمل ذلك توزيع البذور، وتطعيم الماشية، وإعادة تأهيل البنى التحتية الزراعية والمائية، في مساعٍ للحد من اعتماد السكان الكامل على المساعدات الغذائية، فيما سيُستخدم المبلغ المتبقي لتعزيز القدرة على الصمود للفئات المستهدفة.

وبسبب مواجهة برنامج الغذاء العالمي عجزاً كبيراً في تمويله، تم تقليص المستفيدين من خدماته إلى النصف، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية وسحب ما بين 200 و300 مليون دولار سنوياً من الأسواق المحلية، حسبما أورده المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، فارس النجار.

تعزيز صمود الريف

وبينما يحتاج البرنامج الأممي إلى أكثر من 300 مليون دولار للستة الأشهر المقبلة، لم يحصل سوى على 106 ملايين دولار فقط.

طفل يتلقى العلاج من سوء التغذية في أحد مستشفيات صنعاء (الأمم المتحدة)

ويقدّر النجار أن سوء التغذية سيؤدي إلى خسارة مستقبلية في إنتاجية الفرد ما بين 10 و15 في المائة، مما يعني اقتصاداً أصغر وناتجاً أقل لعقد كامل إذا لم تجرِ حماية الفئات الأضعف، لافتاً إلى أن عدم تمويل خطة الاستجابة الإنسانية سيضع اليمنيين أقرب من أي وقت مضى أمام سيناريوهات المجاعة.

في غضون ذلك، كشف الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) عن أن التدخلات التنموية متوسطة المدى يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً حتى في ظل استمرار النزاع، وأن هذه التدخلات عززت من تحسين سبل العيش والأمن الغذائي لعشرات الآلاف من السكان في المناطق الريفية في اليمن، رغم استمرار النزاع وانهيار البنية التحتية والخدمات الأساسية.

جاء ذلك بعد أن أظهر مشروع تنمية سبل العيش الريفية، المنفذ بين عامَي 2021 و2024، أن تحسين الوصول إلى المياه وتحديث أنظمة الري أسهما في خفض استهلاك المياه بنسبة وصلت إلى 80 في المائة، إلى جانب زيادة الإنتاج الزراعي، وتحسين دخل آلاف الأسر في خمس محافظات يمنية.

تنمية سبل العيش الريفية تُسهم في تحسين الإنتاج الزراعي وتحسين دخل آلاف الأسر (إيفاد)

وذكر «إيفاد»، في تقرير حديث، أن إجمالي تمويل المشروع وصل إلى 5.3 مليون دولار، وشمل 5 محافظات و31 مديرية، واستفاد منه أكثر من 84 ألف شخص في نحو 12 ألف أسرة ريفية. وركزت التدخلات على تحسين الوصول إلى المياه، وإعادة تأهيل أنظمة الري، وحماية الأراضي الزراعية من الفيضانات، بالإضافة إلى دعم المزارعين بمدخلات زراعية وتدريب تقني.

ونوه «إيفاد» إلى أن اعتماد نهج التعاقد المجتمعي، بالشراكة مع صندوق التنمية الاجتماعية ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو)، مكّن المجتمعات المحلية من قيادة عملية التخطيط والتنفيذ، مما عزّز الحوكمة المحلية والتماسك الاجتماعي في بيئات تعاني هشاشة مؤسسية شديدة.

وبيّن التقرير أن تحديث البنية التحتية المائية أسهم في خفض استهلاك مياه الري بنسبة تتراوح بين 70 و80 في المائة، وتحسين إنتاجية المزارعين، إلى جانب حماية 131 هكتاراً من الأراضي الزراعية. كما استفاد أكثر من 3300 مزارع من المدارس الحقلية والأعمال الزراعية، فيما تلقت 4000 امرأة ورجل تدريبات في مجالات التغذية والزراعة المنزلية.