الدبلوماسية العُمانية تنشط تجاه رام الله... وماذا عن طهران؟

بعد أيام من زيارة نتنياهو إلى مسقط

سلطان قابوس بن سعيد اثناء لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسقط الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
سلطان قابوس بن سعيد اثناء لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسقط الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
TT

الدبلوماسية العُمانية تنشط تجاه رام الله... وماذا عن طهران؟

سلطان قابوس بن سعيد اثناء لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسقط الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
سلطان قابوس بن سعيد اثناء لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسقط الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

تنشط الدبلوماسية العُمانية بين مسقط ورام الله بعد نحو أسبوع من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى سلطنة عُمان التي استقبله خلالها السلطان قابوس بن سعيد في ظهور نادر له، لكن مراقبين لا يستبعدون أن تكون الزيارة المثيرة لبنيامين نتنياهو إلى مسقط، تحمل إشارات تتعلق بإيران أيضاً.
وبعد يومين من رسالة حملها موفد عُماني إلى الرئيس الفلسطيني، زار الوزير المسؤول عن السياسة الخارجية في عُمان يوسف بن علوي، رام الله وسلّم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، رسالة من السلطان قابوس تتعلق بزيارة نتنياهو إلى السلطنة. وسبق لمحمود عباس أن زار مسقط في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي قبيل زيارة نتنياهو، وصرّح بن علوي على هامش مشاركته في «منتدى حوار المنامة» في البحرين، بأن «السلطنة تطرح أفكاراً لمساعدة الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على التقارب، لكنها لا تلعب دور الوسيط».
وقال: «نؤكد أن دورنا الرئيسي في السلام الإسرائيلي - الفلسطيني يتوقف على ما تقوم به الإدارة الأميركية في (صفقة القرن)». وتسعى إسرائيل لمشاطرة دول الخليج القلق بشأن إيران، وهي تقود حملة دبلوماسية علنيّة للتقرّب من هذه الدول، لكنها قاومت أي ضغوط لإجبارها على تقديم تنازلات للفلسطينيين، أو السماح برعاة دوليين سوى الراعي الأميركي لأي محادثات بينها وبين الجانب الفلسطيني.
ولا تقيم سلطنة عُمان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكنها تحتفظ بخط اتصال دبلوماسي نشط؛ ففي عام 1994، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين السلطنة، وفي عام 1995 استضاف رئيس الوزراء المؤقت شمعون بيريز وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي في القدس بعد عدة أيام من اغتيال رابين. وفي عام 1996 وقّع الجانبان اتفاقية لفتح مكاتب تمثيلية تجارية. وتم إغلاق هذه المكاتب في أكتوبر عام 2000، بعد أسابيع من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية.
وفي منتصف فبراير (شباط) الماضي (2018) قام وزير الشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي بزيارة للقدس شملت المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وكنيسة القيامة بالقدس الشرقية المحتلة.
كما لا تقيم تل أبيب علاقات دبلوماسية مع أي من الدول الخليجية، لكن وفوداً اقتصادية ورياضية زارت كلاً من الدوحة وأبوظبي. وبعد زيارة نتنياهو بأيام، زارت وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميري ريغيف، أبوظبي، بينما ألقى وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرا خطاباً في مؤتمر بإمارة دبي.
مصدر مطلع أفاد «الشرق الأوسط» بأن زيارة نتنياهو للسلطنة كانت معدّة مسبقاً، وعمل على تنظيمها وسيط يهودي أميركي مقرّب من نتنياهو. وقالت هذه المصادر إنها تتوقع زيارة من رئيس الحكومة الإسرائيلية لدولة خليجية أخرى قريباً. وبحسب هذا المصدر، فإن الإسرائيليين أرادوا الاستفادة من الدبلوماسية العُمانية لإقناع الفلسطينيين بالانخراط في «صفقة القرن»، وهو ما برز في تصريحات بن علوي في «منتدى البحرين».
وقال المصدر إن العُمانيين اقترحوا على رئيس السلطة الفلسطينية، خلال اجتماعهم به في 22 أكتوبر الماضي، في مسقط، العودة إلى المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، وإنّهم سيعملون على إقناع نتنياهو بقبول بعض التعديلات على «صفقة القرن». وقال المصدر إن أبو مازن قد وعد بدراسة هذا المقترح.

- رسائل نحو إيران
وفي حين ينصبّ الاهتمام على بحث ما يمكن أن يسفر عنه التواصل بين سلطنة عُمان وإسرائيل لناحية إحراز تقدم في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي، فإن مراقبين ينظرون في اتجاه آخر.
بالنسبة لهؤلاء؛ فإن إسرائيل تعلم مسبقاً عدم انشغال الجانب العماني بتفاصيل ملف النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، الذي تبدو فيه مصر أو الأردن أكثر نشاطاً. عوضاً عن ذلك، فإن مسقط تحتفظ بعلاقات وثيقة مع طهران، ولطالما وظّفت الدبلوماسية العُمانية إمكاناتها لتقريب وجهات النظر بين الإيرانيين والأميركيين.
وتخطط سلطنة عمان وإيران لمدّ أنبوب لضخ الغاز الطبيعي من إيران إلى السلطنة، بطاقة تبلغ مليار قدم مكعبة يومياً (نحو 28 مليون متر مكعب في اليوم)، ومن المتوقع إنجازه في عام 2020. وكانت سلطنة عُمان؛ وثيقة الصلة بطهران، استضافت محادثات علنية في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، بين الولايات المتحدة وإيران، وضمت، إلى جانب البلدين، منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، وهي المحادثات التي أعقبت سلسلة حوارات سرية بين الجانبين الأميركي والإيراني.
وقبل أيام (الثلاثاء) تسلّم أسعد بن طارق آل سعيد، نائب رئيس الوزراء لشؤون العلاقات والتعاون الدولي والممثل الخاص للسلطان قابوس، دعوة رسمية من إيران لزيارتها، وسلّم الدعوة إسحاق جهانغيري النائب الأول للرئيس الإيراني، بحضور السفير الإيراني في مسقط محمد رضا نوري.
وجاءت هذه الدعوة رغم الانتقادات «الناعمة» التي وجهتها طهران للسلطنة عقب زيارة نتنياهو.
وعدّ مساعد رئيس مجلس الشورى الإيراني للشؤون الدولية حسين أمير عبد اللهيان، أن استضافة سلطنة عُمان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «بعيدة كل البعد عن الحكمة المعهودة للسلطان قابوس بن سعيد». في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، في نبرة هادئة: «دون شك؛ هذا الكيان يحاول إثارة الخلافات بين الدول الإسلامية، والتغطية على 70 عاماً من الاحتلال».
ولا يستبعد الدكتور عبد العزيز بن عثمان بن صقر، رئيس «مركز الخليج للأبحاث» أن تحمل زيارة نتنياهو لمسقط، جانباً متعلقاً بإيران، وقال لـ«الشرق الأوسط» أمس إن الإسرائيليين مهتمون بإيجاد قناة تواصل مع الإيرانيين، خصوصاً بشأن ملفات أمنية وسياسية؛ بينها الوجود الإيراني في سوريا، الذي تنظر إليه إسرائيل على أنه يمثل تهديداً لها، أو استمرار إيران بتزويد «حزب الله» في لبنان بأسلحة؛ بينها صواريخ متوسطة المدى.
وتسعى إسرائيل لمنع طهران من تعزيز وجودها في سوريا، وهذه واحدة من النقاط التي تجمعها مع دول عربية وخليجية، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية أمس عن إليزابيث ديكنسون من «مجموعة الأزمات الدولية» قولها إن «انسجام السياسات يجعلهم أكثر تقارباً، إن لم تكن (هذه الدول) معاً أساساً».
وتضيف ديكنسون: «الضغط على إيران وتقليل نشاطها الإقليمي هو الأولوية الأهم لإسرائيل ولعواصم خليجية معيّنة. الرياض وأبوظبي وحتى تلّ أبيب، تشعر جميعها بأنّه من المهم استغلال الفرصة المتاحة حالياً؛ التي تقوم فيها الإدارة الأميركية أيضاً بإعطاء الأولوية لإيران».
وتشعر طهران بالاختناق، مع اقتراب موعد الحزمة الثانية من العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوقف صادرات النفط الإيرانية، والتي سيبدأ سريانها يوم الاثنين المقبل 5 نوفمبر الحالي.
ويقول محللون إن الإيرانيين يسعون لإيصال رسائل نحو الإسرائيليين بإمكانية بحث الملفات التي تشكل قلقاً بالنسبة لهم، ويأتي في صدارة تلك الملفات ما يتعلق بالوجود الإيراني في سوريا، أو إمكانية احتواء أو تخفيف التهديد الذي يمثله «حزب الله» في لبنان. أما بشأن مشروع الصواريخ الباليستية، وهو أكبر أسباب القلق لدى الإسرائيليين، فربما احتفظ به الإيرانيون جائزةً لمفاوضات أوسع.
وكانت طهران تحتفظ بعلاقات متميزة مع إسرائيل حتى قيام الثورة الإسلامية في 1979 عندما تم قطع العلاقات بين الطرفين. لكن في أواخر عام 1986، تم الكشف عن مفاوضات طويلة بين طهران وتل أبيب وواشنطن في ذروة الحرب العراقية - الإيرانية، أسفرت عن قيام إدارة الرئيس الأميركي حينذاك رونالد ريغان ببيع أسلحة إلى إيران مقابل إطلاق سراح مواطنين أميركيين خطفوا في لبنان، وكان لإسرائيل دور مهم في هذه المفاوضات، وتم نقل أسلحة أميركية من إسرائيل إلى إيران.



الجيش اليمني يعلن مكاسب جديدة في جبهات القتال... وتنفيذ 875 عملية

«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)
«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعلن مكاسب جديدة في جبهات القتال... وتنفيذ 875 عملية

«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)
«قوات العمالقة» تدمر سلاحاً حوثياً في لحج (إعلام عسكري)

شهدت الساحة اليمنية، خلال الساعات الأخيرة، تصعيداً عسكرياً متزامناً على عدة جبهات، امتد من محافظتي لحج وتعز جنوب غربي البلاد إلى مأرب والجوف شمالاً، بالتزامن مع موجة هجمات صاروخية ومسيّرة حوثية استهدفت مناطق سعودية، بينها العاصمة الرياض والمنطقة الشرقية والجنوبية، وسط استمرار العمليات العسكرية للقوات الحكومية اليمنية وتطورات تشير إلى اتساع المواجهات.

وذكرت مصادر عسكرية يمنية أن الطيران الحربي اليمني نفذ غارة جوية دقيقة استهدفت اجتماعاً لقيادات ميدانية بارزة في الجماعة الحوثية بمديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، عقب رصد تحركاتها والحصول على معلومات استخباراتية بشأن موقع الاجتماع.

ولم تتضح، حتى الآن، الحصيلة النهائية للخسائر البشرية الناجمة عن الضربة، أو هويات القيادات التي كانت موجودة في الموقع المستهدف.

ويأتي الاستهداف في سياق تصاعد العمليات العسكرية في جبهات لحج، ولا سيما المناطق المتصلة بمديريات المقاطرة والمضاربة وطور الباحة، التي شهدت خلال الأيام الماضية مواجهات وهجمات متبادلة، مع محاولات حوثية للتقدم نحو مواقع استراتيجية وطرق إمداد تربط محافظتي لحج وتعز.

مقاتل في الجيش اليمني يوجه مدفعاً رشاشاً ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وكانت القوات الحكومية أعلنت استعادة مواقع استراتيجية في جبهة المضاربة، عقب مواجهات عنيفة مع الحوثيين، تخللتها هجمات مكثفة شنها أفراد الجماعة على مواقع عسكرية، قبل أن تتمكن من التصدي لها وإجبار المهاجمين على التراجع.

تطورات في مأرب والجوف

وفي حصيلة إجمالية للعمليات، السبت، أعلن الجيش اليمني تنفيذ 875 عملية عسكرية متنوعة ضد الحوثيين، شملت ضربات مدفعية وكمائن واستهداف مواقع وتجمعات وتعزيزات عسكرية، مؤكداً تحييد 130 عنصراً من الجماعة، وتدمير أو إلحاق أضرار بنحو 50 آلية ومعدة عسكرية، بينها منصات إطلاق صواريخ.

وأوضح المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني، العقيد ماجد النزيلي، أن العمليات نُفذت في عدة جبهات، مع تركيز على مواقع الجماعة وتعزيزاتها وقدراتها القتالية، بمشاركة وحدات برية وإسناد جوي ومدفعي، فيما تواصل القوات الحكومية عملياتها في محافظة الجوف ومناطق أخرى ضمن المواجهات المستمرة لاستعادة المواقع العسكرية وتأمين المناطق المحررة.

وامتد التصعيد إلى جبهات مأرب، حيث أعلنت القوات الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة استطلاعية حوثية في أحد قطاعات المحافظة، بالتزامن مع إحباط هجمات برية متزامنة شنتها الجماعة على مواقع عسكرية في محافظتي تعز ولحج.

كما استهدفت مدفعية الجيش اليمني آليات وثكنات عسكرية حوثية في الجبهة الشمالية لمأرب، عقب إسقاط مسيّرة أخرى في جبهة ماس، في عمليات قالت مصادر عسكرية إنها تستهدف الحد من قدرات الجماعة على الرصد والاستطلاع ومتابعة تحركات القوات.

وفي محافظة الجوف، أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم ميداني جديد والسيطرة على مواقع مرتفعة وسلسلة جبال استراتيجية في محيط قرون دحيضة، عقب معارك وصفت بالعنيفة مع الحوثيين، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وتدمير آليات ومعدات عسكرية والاستيلاء على أسلحة وذخائر.

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 875 عملية عسكرية متنوعة ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات امتداداً لعمليات عسكرية سابقة في المرتفعات الشرقية لمحافظة الجوف، حيث تمكنت القوات الحكومية من السيطرة على مواقع استراتيجية تشرف على طرق ومناطق حيوية، وتقترب من خطوط الدفاع المحيطة بمدينة الحزم، مركز المحافظة الخاضع لسيطرة الحوثيين.

وتقول مصادر عسكرية إن السيطرة على المرتفعات تتيح للقوات توسيع نطاق تحركاتها والضغط على مواقع الجماعة وخطوط إمدادها في المنطقة.


اليمن: حصار الطرق يضاعف معاناة سكان محافظة تعز

69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)
69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)
TT

اليمن: حصار الطرق يضاعف معاناة سكان محافظة تعز

69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)
69‎ ‎ % من النازحين فروا من تصعيد الحوثيين في تعز (إعلام محلي)

يواجه اليمن تصاعداً خطيراً في أزمته الإنسانية مع استمرار تدهور الأمن الغذائي ومعدلات النزوح، بالتزامن مع قيود تجارية وأزمة اقتصادية خانقة تعصف بالبلاد. ويهدد هذا التدهور المركب قدرة ملايين اليمنيين على تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الأساسية، وسط تحذيرات من اتساع رقعة الحرمان الشديد من الغذاء.

وتأتي المناطق المتأثرة بالنزاع المباشر في صدارة النطاقات الجغرافية الأكثر تضرراً؛ إذ تظهر البيانات الإحصائية في محافظة تعز أن نسبة الأسر التي تعاني عدم كفاية استهلاك الغذاء في خمس مديريات تشهد مواجهات تتراوح بين 65 في المائة و76 في المائة. وسجلت المحافظة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات سوء استهلاك الغذاء، حيث قفزت النسبة من 29 في المائة العام الماضي إلى 36 في المائة حالياً.

ويعزو مراقبون هذا التدهور الحاد في تعز إلى استمرار إغلاق الحوثيين للطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة، مما أعاق تدفق الإمدادات التجارية وحركة التجارة، وعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

ووفقاً لتحديثات الأمن الغذائي الصادرة مؤخراً، بلغت نسبة الأسر التي تعاني عدم كفاية استهلاك الغذاء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية نحو 71 في المائة خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، مسجلة زيادة بمقدار 13 نقطة مئوية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، و21 نقطة مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية. كما تشير البيانات إلى أن نحو 36 في المائة من الأسر بات تحت طائلة الحرمان الشديد من الغذاء.

أمضى 11 % من النازحين أوقاتاً طويلة دون طعام (إعلام محلي)

ولا تقتصر الأزمة الراهنة على شح المواد الغذائية فحسب، بل تمتد إلى انهيار القدرة الشرائية بفعل تآكل الدخول وارتفاع الأسعار. ولجأ نحو 73 في المائة من الأسر في مناطق سيطرة الحكومة إلى استراتيجية واحدة على الأقل للتكيف الغذائي، بينما اعتمد 29 منها استراتيجيات قاسية؛ تشمل تقليص عدد الوجبات اليومية، وشراء سلع أقل جودة وتكلفة، وتنازل البالغين عن وجباتهم لصالح الأطفال.

نزوح مستمر ومعيشة مكلفة

وتظهر المؤشرات أن الأسر التي تعيلها نساء هي الأكثر هشاشة؛ إذ بلغت نسبة الاعتماد على استراتيجيات التكيف الشديدة بينها 38 في المائة، مقارنة بـ28 في المائة لدى الأسر التي يعيلها رجال.

وأفاد 11 في المائة من النازحين بأن أحد أفراد أسرهم أمضى يوماً وليلة كاملين دون طعام، في وقت سجلت فيه محافظات الضالع، ولحج، وشبوة، وأبين مستويات حرمان غذائي مرتفعة تراوحت بين 40 في المائة و45 في المائة، مما يثبت تمدد الأزمة خارج جبهات القتال المباشرة.

لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية أكثر من 23 % (الأمم المتحدة)

وعلى صعيد حركة النزوح، تسببت المواجهات المستمرة في تشريد أكثر من 300 ألف شخص داخلياً حتى أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ويتحدر غالبية هؤلاء النازحين من محافظة تعز بنسبة 69 في المائة، تليها الحديدة بنسبة 18 في المائة، في حين يتوزع المتبقون على مناطق أخرى.

ويجابه النازحون ظروفاً معيشية بالغة القسوة جراء فقدان مصادر دخلهم؛ إذ بلغت نسبة الأسر النازحة التي تعاني من الجوع المتوسط والشديد نحو 29 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة بين المقيمين. وترتفع هذه النسبة بصورة حادة داخل مخيمات النزوح لتصل إلى 43 في المائة، بعد أن كانت 32 في المائة في أغسطس (آب) الماضي.

انكماش اقتصادي وفجوة تمويل

ويرتبط تدهور الأمن الغذائي بركود اقتصادي ممتد يتسم بقلة فرص العمل وارتفاع التضخم. وتتوقع التقارير الاقتصادية انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليمن بنسبة 1.5 في المائة خلال عام 2026، مع توقع قفزة في أسعار المستهلك بنحو 22 في المائة في المناطق التابعة للحكومة.

إغلاق الطرق الرئيسية في تعز يعرقل تدفق المساعدات الإنسانية (إعلام محلي)

وسجلت الأسواق ارتفاعاً في تكلفة الحد الأدنى لسلة الغذاء بنسبة 15 في المائة، بينما قفزت أسعار السلع الأساسية، مثل الدقيق وزيت دوار الشمس بنحو 35 في المائة. وفي ظل هذه الضغوط، أفادت 69 في المائة من الأسر بتراجع دخلها الشهري، في حين يلتهم تأمين الغذاء وحده نحو 74 في المائة من إجمالي إنفاق الأسر المعيشية.

من جهة أخرى، تؤدي اضطرابات سلاسل الإمداد إلى زيادة الضغط على الأسواق المحلية؛ حيث انخفضت واردات الغذاء عبر الموانئ الحكومية بنسبة 16 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وتراجعت واردات الوقود بنسبة 44 في المائة.

وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 16 في المائة، والديزل بنحو 41 في المائة مقارنة بأسعار عام 2025، مما رفع تكاليف النقل الداخلي وتوزيع الخدمات.

وتضاعف التوترات الأمنية والمخاطر التي تهدد الملاحة الدولية في مضيق باب المندب من حدة المخاوف، لا سيما أن الممر المائي الحيوي يشكل معبراً لنحو 62 في المائة من إجمالي واردات اليمن الغذائية.

مخيمات النزوح تشهد تصاعداً حاداً في معدلات الجوع الشديد (إعلام محلي)

وفي مقابل الاحتياجات الإنسانية المتسارعة، تواجه خطط الإغاثة الدولية عجزاً تمويلياً حاداً؛ إذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 حاجز 23 في المائة حتى نهاية الشهر الماضي.

ويحذر مسؤولون في الإغاثة من أن نقص التدفقات المالية، إلى جانب القيود الأمنية الميدانية، يحدان بشكل ملموس من قدرة المنظمات الدولية والمحلية على تلبية الاحتياجات العاجلة.

وتخلص التقارير إلى أن الأزمة اليمنية تحولت من نقص في المعروض الغذائي إلى انهيار كامل في القدرة على الوصول إليه، وهو ما يتطلب تدخلاً دولياً منسقاً يركز على دعم الاستقرار الاقتصادي، وتحسين القدرة الشرائية، وضمان التدفق الآمن وغير المشروط للمساعدات الإنسانية.


«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)
اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)
TT

«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)
اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)

ناقش تجمع «دول الساحل والصحراء» سُبل استعادة فاعلية مؤسساته، وتعزيز دوره في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، وذلك بعد استئناف اجتماعاته في مدينة طرابلس الليبية.

واستضافت العاصمة الليبية طرابلس، السبت، اجتماعات الدورة العادية الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لدول «تجمع الساحل والصحراء»، بحضور وزراء خارجية وممثلي الدول الأعضاء.

وحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية، ناقشت الاجتماعات «سُبل دفع التعاون في قضايا السلم والأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وتعزيز فاعليته، بما يسهم في استعادة انتظام العمل المؤسسي والتحضير لعقد اجتماعاته على مستوى القمة خلال الفترة المقبلة».

ويواجه تجمع «دول الساحل والصحراء» تحديات وصعوبات تعوق تفعيل دوره على المستويين الأمني والتنموي. ووفق متخصصين في الشأن الأفريقي، أشاروا إلى أن «التجمع يحتفظ بقدر من التعاون السياسي بين أعضائه، لكنه يواجه تحديات تمويلية ولوجستية في تعزيز التنسيق الأمني بين أعضائه»، مؤكدين «أهمية تفعيل دوره في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل والهجرة غير الشرعية».

وتأسس «تجمع دول الساحل والصحراء» في طرابلس في الرابع من فبراير (شباط) عام 1998، بناءً على مبادرة من الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، إثر قمة شارك فيها رؤساء مالي وتشاد والنيجر والسودان، ومندوب عن رئيس بوركينا فاسو. ويضم التجمع الآن 25 دولة أفريقية حول الصحراء الكبرى والساحل، ويتمتع أيضاً بصفة مراقب لدى الأمم المتحدة.

وانتقل مقر الأمانة العامة للتجمع من طرابلس إلى إنجامينا، عاصمة تشاد، بعد الإطاحة بالقذافي في فبراير 2011، قبل أن يعود إلى العاصمة الليبية مرة أخرى، ويُعاد افتتاحه في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

وعقد المجلس التنفيذي للتجمع أول اجتماعاته السبت، وأعرب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، عن «تطلعه لأن يُشكل التجمع إطاراً إقليمياً قادراً على توحيد الجهود لمواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية»، إلى جانب «تعزيز التنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، ودعم أمن الحدود والاستقرار الإقليمي».

وأشار الدبيبة، في كلمته بالجلسة الافتتاحية، إلى أن «مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والتنموية في المنطقة تتطلب الانتقال من التنسيق والتشاور للعمل الجماعي الفاعل»، مضيفاً: «نطمح إلى أن تشهد المرحلة المقبلة خطوات عملية نحو توسيع التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المشتركة وتطوير مشروعات البنية التحتية والنقل والطاقة وتعزيز التعاون في مجالات الأمن الغذائي ومكافحة التصحر والمتغيرات المناخية».

من اجتماع طرابلس (الخارجية المصرية)

وتأتي اجتماعات المجلس التنفيذي لـ«تجمع الساحل والصحراء»، فيما تواجه المنطقة تحديات أمنية عديدة، وفق الكاتب والمحلل التشادي، صالح يونس، الذي قال إن «منطقة الساحل موطن لعدد من التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة، بحكم طبيعتها الصحراوية»، مشيراً إلى أن «المنطقة جاذبة للجرائم المنظمة العابرة للحدود، ومنها الهجرة غير الشرعية»، مؤكداً «أهمية التنسيق الأمني بين هذه الدول».

وأوضح يونس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «دول التجمع تحتفظ بقدر من التعاون والتنسيق السياسي، لكنها تواجه تحديات عديدة، على مستوى التنسيق الأمني».

وقال إن «هناك صعوبات في تفعيل التعاون الأمني بين دول التجمع، تتعلق بالتمويل وعدم توفر القدرات اللوجستية»، ونوه بأن «هناك تعويلاً على اجتماعات طرابلس لاستعادة فاعلية التجمع وأدواره مرة أخرى، لا سيما في التصدي للتنظيمات الإرهابية ببحيرة تشاد».

وشدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، على ضرورة «تعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل والصحراء، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود».

وأكد في كلمته «أهمية تفعيل الآليات المتخصصة للتجمع، وعلى رأسها مركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب الذي تستضيفه القاهرة»، وشدد على أهمية «تعزيز دور التجمع في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي»، حسب «الخارجية المصرية».

وتستضيف القاهرة «مركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب»، وهو مركز إقليمي مختص لتعزيز مكافحة الإرهاب، كما استضافت خلال السنوات الأخيرة اجتماعات لوزراء دفاع دول التجمع، ومسؤولين أمنين، من أجل تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل الأفريقي.

وباعتقاد يونس، فإن «التنظيمات الإرهابية التي تنتشر في منطقة الساحل تمتلك قدرات عديدة، تستوجب تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهتها»، وأشار إلى «ضرورة البحث عن مصادر تمويل من المجتمع الدولي، بما في ذلك الجانب الأوروبي، للحد من خطر هذه التنظيمات في هذه المنطقة».

«تجمع دول الساحل والصحراء» ناقش سبل استعادة فاعلية مؤسساته (الخارجية المصرية)

وخلال الجلسة الافتتاحية للمجلس التنفيذي للتجمع، قال وزير الخارجية المصري إن «تجمع الساحل والصحراء يمتلك مقومات حقيقية تؤهله للقيام بدور أكثر فاعلية في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية»، وشدد على «أهمية وجود قواعد مالية مستقرة وشفافة، وموارد منتظمة، والتزام جماعي بالواجبات المقررة على الدول الأعضاء».

وتُشكل خطوة تفعيل دور آلية «تجمع الساحل والصحراء» في هذا التوقيت أهمية، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات أمنية واقتصادية، وفق خبير الشؤون الأفريقية في مصر، رامي زهدي، الذي قال إن «التعاون بين دول هذا التجمع يمكن أن يُسهم في مواجهة مخاطر أمنية واقتصادية عديدة تعيشها منطقة الساحل الأفريقي، على رأسها تحدي الإرهاب وانتشار التنظيمات المسلحة».

ويرى زهدي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «منطقة الساحل والصحراء تُعد من أكثر المناطق التي تعاني هشاشة أمنية واقتصادية تؤثر على الأمن الجماعي للدول الأفريقية».

وقال إن «تفعيل دور التجمع سيُسهم في دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ويُعزز من الربط الإقليمي بين هذه الدول»، مضيفاً أن «هناك مشروعات تنموية للربط بين هذه الدول، من بينها مشروع الطريق البري بين مصر وليبيا وتشاد، ومشروع الربط بين الجزائر ونيجيريا»، وقال: «هذه المشروعات لن تكتمل دون تنسيق جماعي يسهم في تنفيذها وتفعيل دورها».