ناشر «المصري اليوم» : قضية تسريبات حوار السيسي «فقاقيع لا قيمة لها»

صلاح دياب أكد أنه يقتدي بـ {الشرق الأوسط} في تطوير صحيفته.. ولا يتدخل في أعمال التحرير

ناشر «المصري اليوم» : قضية تسريبات حوار السيسي «فقاقيع لا قيمة لها»
TT

ناشر «المصري اليوم» : قضية تسريبات حوار السيسي «فقاقيع لا قيمة لها»

ناشر «المصري اليوم» : قضية تسريبات حوار السيسي «فقاقيع لا قيمة لها»

قال ناشر صحيفة «المصري اليوم»، المهندس صلاح دياب، وهو يتطلع من شرفة مكتبه المطلة على نيل ضاحية الزمالك بالقاهرة، إن الصحافة الإلكترونية أصبحت تضع أعباء على الصحافة الورقية، لكن يمكن التغلب عليها من خلال برامج وخطط تخص تطوير البوابة الإلكترونية للوسائط المتعددة، وقد أطلقت الصحيفة موقعا لها على الإنترنت أخيرا. وقال دياب، وهو رجل أعمال معروف، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن «المصري اليوم» تحاول استلهام تجربة صحيفة «الشرق الأوسط» في التطوير والتحديث ومواكبة المتغيرات التي تشهدها الصحافة العالمية في الفترة الأخيرة.
وتحدث أيضا عن تسريبات الحوار الصحافي الذي أجرته صحيفته مع قائد الجيش المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وقال إن مضمون تلك التسريبات لم يخرج عن نص الحوار المنشور، وإن ما أثير بشأنها لا يزيد عن كونه «فقاقيع لا قيمة لها».
وتابع دياب قائلا في ما يتعلق بالأنباء التي ترددت عن عزم «المصري اليوم» الاستغناء عن رئيس التحرير، ياسر رزق، عقب تسريبات حوار السيسي، إن رئيس التحرير يحوز ثقة إدارة الصحيفة وثقة الفريق أول السيسي وثقة القارئ، وإن قرار بقائه من عدمه يخص مجلس الأمناء. وأضاف: «أنا لست سلطة عقاب ولا إطاحة ولا تثبيت».
وكشف المهندس دياب عن الضغوط التي تعرض لها كرجل أعمال، عبر أنظمة الحكم المختلفة، بسبب إصدار صحيفته المستقلة قبل تسع سنوات، وهو أمر لم يكن معروفا في الصحافة المصرية منذ عقود. وعما إذا كان قد شعر بالندم بسبب دخوله عالم الصحافة، قال إن لحظة الشعور بالندم «تأتيني آلاف المرات رغم أنني لا أتدخل في التحرير». وإلى أهم ما جاء في الحوار:

* بعد تسع سنوات من تأسيسك لـ«المصري اليوم»، هل أنت قلق من الصحافة الرقمية؟
- لو الصحافة الورقية تراجعت لحساب الصحافة الرقمية فيجب أن نلحق بها نحن أيضا. وهذا مجال نعمل فيه بشكل ممتاز، بحيث أن ما قد نفقده في ناحية سوف نكسبه في الناحية الأخرى. لكن مما لا شك فيه أن الناس سيستمرون في قراءة الصحف سواء ورقية أو رقمية، ولذلك فإن التطوير مهم جدا.. ثم إن «المصري اليوم» ينبغي أن تتحول إلى ميديا متكاملة مثل أن تبدأ بـ«تلفزيون أونلاين (على الإنترنت)»، و«البورتال (البوابة الإلكترونية للوسائط المتعددة)»، وغيرها. ونحن نعطي نظام «البورتال» اهتماما خاصا، ونتقدم في القياسات التي تقيس مدى نجاح «البورتال» بشكل واضح. لكن من ضمن الأشياء التي يهمني أن أقولها إننا ننظر نظرة خاصة إلى صحيفة «الشرق الأوسط» كقدوة، لأن وجودها في لندن، مكان الإصدار، واتصالها الحتمي والضروري بالإصدارات الأخرى الغربية بصفة عامة سواء أميركية أو إنجليزية أو غيرها.. هذا يعطيها نوعا من الرؤية والتفوق، وهذه الرؤية تكون عابرة للحدود المحلية وتعمل على تطوير الصناعة كلها بصفة عامة. نحن ننظر أيضا لصحيفة «الشرق الأوسط» كمطور لصناعة الصحافة العربية كلها، لكن بطبيعة الحال لا يمكن أن نتجاهل المذاق المصري والمذاق الخليجي والمذاق السعودي والمذاق المغربي.. ونحن نحاول أن نخرج صحافة متطورة لكن بمزاج مصري يناسب القارئ المحلي. والتعريف الجديد، أو التعريف الأكثر واقعية، هو أننا نحاول أن نخرج إعلاما جديدا مرتبطا بالمزاج المصري.
* معروف في «بزنس الإعلام» أن المؤسسة التي لا تحقق ربحا يكون مصيرها الزوال، فهل تحقق «المصري اليوم» أرباحا؟
- بورتال «المصري اليوم (أي بوابة الصحيفة الإلكترونية للوسائط المتعددة) تحقق ربحا.
* من الإعلانات وليس الاشتراكات، أليس كذلك؟
- تحقق ربحا من الإعلانات، وبعد ذلك من المفترض - بعد أن تأخذ «البورتال» مكانتها اللازمة وتكون من الخمس الأوائل في الإنترنت بمصر، عالميا، مع «غوغل» ومع غيره، أو حتى من العشر الأوائل - أن تطلب اشتراكا من القارئ للحصول على الخدمة بالطريقة التي أشرت إليها. وبطبيعة الحال ليست هناك صحافة ستستمر من دون تحقيق ربح. أنا لا أنظر إلى مؤسسة «المصري اليوم» على أساس أنها تحقق ربحا.. أنا أريدها أن تحقق ربحا لتطوير نفسها وتطوير أدواتها وتطوير العاملين فيها. هذا ما أتمناه. لكن أنا لا يمكن أن أحقق هذه الخطوة إلا حين تسدد استثمارات وديون «المصري اليوم» كلها.
* يعني يمكن أن نقول إن «المصري اليوم» منذ تأسيسها لم تحقق أرباحا؟
- لا.. «المصري اليوم» عملت استثمارات كبيرة وأصبح لها مطبعة وأصبح لها استثمارات في الـ«سوفت وير» والـ«هارد وير». وكل هذا قيمة مضافة. لكن هذا يستدعي سداد كل هذه «النفقات»، وهذا يتطلب وقتا. «المصري اليوم» أيضا كان لها أخطاء، وهذه الأخطاء كان لها تكاليف، وسبب هذه الأخطاء أنه لم يكن لدينا سوابق في الصحافة الخاصة اليومية في مصر.
* أخطاء مثل ماذا؟ وهل كانت قبل «ثورة» 25 يناير (كانون الثاني) 2011، أم بعدها؟
- هذه الأخطاء كانت قبل 25 يناير 2011 وبعدها. وعلى سبيل المثال توزيعنا وصل في فترة من الفترات إلى 700 ألف نسخة في اليوم. وكانت تكلفة النسخة 130 قرشا، وكنا نبيعها بـ100 قرش فقط، فانظر ما هو مقدار الخسائر اليومية.. وبالتالي اضرب هذا المبلغ في 30 يوما لتعرف قيمة الخسائر الشهرية. هذه الأمور لم نقف عندها في فترة الحماس عند إصدار الجريدة.
* صدرت بعد «المصري اليوم» العديد من الصحف المستقلة اليومية أيضا في السوق المصرية، هل جعلك هذا تشعر بالقلق؟ هل دعاك لإعادة ترتيب الأوراق في واقع المنافسة الجديد؟
- نحن طبعا في منافسة. ولا يمكن أن يكون هناك أي صحيفة في العالم تحتل المركز الأول والثاني والثالث والرابع. نحن حاليا نحتل المركز الأول على مستوى الصحف الورقية في مصر على الإطلاق، لكن هذا لا يعني أن نستكين، بالعكس. في اليوم الذي نشعر فيه بالاطمئنان فإن هذا يكون بداية الهبوط، أي عمل ناجح لا يستمر في النجاح إلا إذا كان يصاحبه الشعور بالقلق.
* هل هناك مشاريع محددة ستقوم بها في الفترة المقبلة لتطوير «المصري اليوم» من أجل الاحتفاظ بالقراء أو زيادة عدد من يشترون الصحيفة، وخاصة أن النسخة الورقية أصبحت متاحة على الإنترنت ويمكن تصفحها مجانا من الحواسب ومن الهواتف وغيرها؟
- شغلنا الشاغل هو التطوير. وهناك قراء ما زالوا يفضلون شراء الصحيفة الورقية لما فيها من «توضيب» معين وإبراز لموضوعات معينة ومتابعة كتّاب أعمدة وغيرها. والمعروف أن قراءة الجريدة عادة وليست مسألة قراءة أخبار فقط.
* هل تتخيل أن المواطن العربي يمكن أن يأتي عليه يوم ويسدد ثمن ما يطالعه من موضوعات صحافية على الإنترنت؟
- القارئ العربي لا يختلف عن أي قارئ في العالم. التكنولوجيا تطال العربي مثلما تطال الأميركي أو غيره، بدليل أنه معك «موبايل» ومعك إنترنت وكلها أدوات غربية.. فلماذا تسأل سؤالا يثبت أنه لا حدود وأنه لا يوجد ما يسمى قارئا عربيا وقارئا هنديا. القارئ قارئ ويتعامل مع الوسائل بشكل واحد تقريبا.
* لكن الإنترنت خلقت هاجسا لصناعة الصحف الورقية.. في الغرب بعض الصحف والمجلات أغلقت، بينما تمكنت صحف ومجلات ورقية أخرى من تطوير نفسها والتغلب على مشكلة الإنترنت، وأعني بسؤالي أنه في كثير من الصحف الغربية من الصعب الوصول إلى مقال لكاتب معين من على موقع الصحيفة الورقية على الإنترنت من دون الاشتراك في الصحيفة أو سداد ثمن المقال، ولذلك لجأت الكثير من الصحف الورقية ومواقعها الإنترنتية إلى تحسين مستوى المحتوى الإعلامي الذي تقدمه حتى تجد مقابلا ماديا لهذا المحتوى، كيف ترى الأمر مصريا أو عربيا؟
- سنصل إلى هذا.. لأن التكنولوجيا هي التي ستفرض هذا الأمر. والثقافة والتعليم المتزايد هما اللذان سيفرضان هذا.
* حسنا، هل أنت راض عن المحتوى الإعلامي الذي تقدمه الصحافة الورقية والإنترنتية في مصر في الفترة الأخيرة؟
- إذا قلت إنني راض فلن يكون هناك تطوير. أنا طبعا عيني على (صحيفة) «إنترناشيونال نيويورك تايمز»، ومعجب بمحتواها وبحجم إعلاناتها وبشكل إعلاناتها وبإخراجها، فنحن لدينا مجال كبير جدا للتطوير.
* المهندس صلاح دياب كقارئ.. حين يكون أمامك الصحف المصرية، هل أنت راض عن المستوى المهني فيها؟
- طبعا يوجد تطور في كل الصحف سواء الخاصة أو التابعة للدولة.
* أنا أسأل عن نظرتك للمحتوى، أي الموضوعات نفسها، هل كان يوجد في الماضي محررون محترفون أكثر من الآن، أم ماذا؟
- هذا الأمر يتسم بالصعود والهبوط.. مثل أي شيء آخر. وأي شركة تنتج منتجا سواء كان منتجا صحافيا أو تجاريا أو استهلاكيا من طعام وشراب، فهذا المنتج قابل للتطوير في المضمون وقابل للتطوير في الشكل الخارجي، وفي كل شيء.
* «المصري اليوم» كمؤسسة مضافة لمؤسساتك الكثيرة، هل تفكر في أن تكون مؤسسة عابرة للحدود، بمعنى أن يكون لها مكاتب كبيرة في عدة عواصم؟
- نحن حاليا نحاول أن نغطي قضايا التسعين مليون مصري، ثم سنبحث بعد ذلك الموضوع الخارجي الذي ليس في أولوياتنا حاليا. كما أعتقد أن صحيفة «الشرق الأوسط» قائمة بهذا الموضوع تماما.. أي بالتغطية والوجود في العديد من العواصم حول العالم. ولا نريد أن ندخل في منافسة مع «الشرق الأوسط».
* هل تلقيت أي اتصالات من نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك حين أصدرت «المصري اليوم»؟ هل جرى جس نبضكم على الأقل في ذلك الوقت؟ هل جرى نصحكم بأمور معينة تخص النشر عن الرئاسة أو الجيش أو القضاء؟
- لم يحدث على الإطلاق.. لكن كان هناك، بطبيعة الحال، مضايقات تعرضنا لها كمستثمرين. مضايقات غير مباشرة على الرغم من أننا خرجنا بـ«المصري اليوم» كجريدة مستقلة وليست جريدة معارضة. الجريدة المستقلة لم يكن لها مكان مفهوم في العالم العربي. كان الحال حينها يقول إما أن تكون معي أو ضدي. وهذا غير صحيح. نحن لدينا انحيازات، وهي للصالح العام. قد نتفق مع بعض الناس بعض الوقت في بعض الأمور، ولا يمكن أن أتفق مع كل الناس كل الوقت في كل الأمور.
* لكن حين كنت تلتقي في المناسبات مع بعض قيادات السلطة السابقة في عهد مبارك، ألم يكن هناك من يتحدث معك بشأن ما كان ينشر في الجريدة، أو يبدي بعض المؤاخذات؟
- طبعا مسألة المؤاخذات هذه مستمرة.. ومستمرة إلى الآن في حالات كثيرة. أريد أن أقول لك شيئا.. لو عملت صحافة مستقلة فلا بد أن تدرك أن هذه العملية لها ثمن، والثمن قد يكون أحيانا ثمنا كبيرا. كان لها ثمن في عهد مبارك، وكان لها ثمن في عهد (الرئيس السابق محمد) مرسي، وأقول لك إنه سيكون لها ثمن في العهد المقبل أيضا، أيا ما كان. ما دمت ستقف مستقلا وتقول إن هذا صح وهذا خطأ، فسيكون هناك ثمن أيضا.
* هل أتت عليك لحظة تمنيت فيها لو أنك لم تكن قد دخلت في عالم الصحافة؟
- هذه اللحظة تأتيني آلاف المرات.. في كل مشكلة، وفي كل حرج مع شخص معين، في كل عتاب عبر الهاتف، رغم أنني لا أتدخل في التحرير، لكن هناك أناسا يتصورون أنني أتدخل في التحرير. كل مرة من هذه المرات كنت أندم، لكن الغاية والقصد هو الصالح العام، فيجب أن نتحمل النتائج المترتبة على سلامة القصد.
* «المصري اليوم» انفردت بحوار مع قائد الجيش، وخرجت تسريبات من الحوار لم تكن قد نشرت في الصحيفة، مما تسبب في لغط عن المسؤول وراءها، ولغط بشأن استمرار رئيس تحرير الصحيفة الذي أجرى الحوار، ما الحقيقة وراء كل هذا؟
ـ لا شيء.. طبعا كان الحوار مميزا، والتسريبات التي جرى تداولها لم تخرج عن نص الحوار ومضمونه، وليس فيها مفاجأة، وكله كان منشورا.. ولا شك أن الحوار يثير بعض الغرائز المهنية لدى الغير. والبعض أراد أن يضخم الموضوع. ياسر رزق كان محل تقدير لإدارة «المصري اليوم»، ومحل تقدير وثقة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، ومحل ثقة القارئ. وأعتقد أن ما أثير مما يسمى بـ«تسريبات» من الحوار لا يزيد عن كونه «فقاقيع لا قيمة لها ولا معنى»، ولا سيما أن التسريبات لم تأت بأي شيء جديد ولم تخرج بسر خفي لم يشر إليه الحديث المكتوب والمنشور في الصحيفة.
* دارت تكهنات في سوق الإعلام المصرية أنك ستطيح بياسر رزق من رئاسة التحرير بسبب تلك التسريبات، ما تعليقك؟
- إطلاقا.. أنا لا أتدخل في هذا، ولا أملك هذا. وقرار وجود رئيس تحرير أو ذهاب رئيس تحرير قرار مجلس أمناء «المصري اليوم»، ومجلس أمناء «المصري اليوم» تقليد موجود في كل الصحف العالمية. وحين أخذت صحيفة «الشرق الأوسط» بهذا التقليد قمنا نحن أيضا في «المصري اليوم»، بعد ذلك، بالأخذ بهذا النظام. ونحن لا نعاقب على خطأ غير مقصود إطلاقا. وأنا لست سلطة عقاب ولا إطاحة ولا تثبيت.
* مَن من الكتاب تحب أن تقرأ لهم؟
- كثيرون جدا.. أحب أن أقرأ لصلاح منتصر والشاعر فاروق جويدة وعمرو الشوبكي وسليمان جودة وحمدي رزق، ولكثيرين غيرهم. وأحب أن أقرأ جدا لمحمد المخزنجي. ومبدئيا أحب أن أقرأ لكل كتاب «المصري اليوم».
* ومَن من مذيعي برامج الدردشة التلفزيونية الليلية يستهويك في الفترة الأخيرة؟
- هناك مثلا إبراهيم عيسى ويسري فودة ولميس الحديدي وعمرو أديب.. هناك مذيعون لا تستطيع أن تحول القناة حين تراهم. والإعلام التلفزيوني أثر في المصريين فهو يفتح وجهات النظر، لكن لو تكرر يكون مملا.
* ماذا تفعل حين تجد أحد أفراد أسرتك يداوم على مطالعة صحيفة غير صحيفة «المصري اليوم»؟ هل تشعر بالغضب؟
- بالعكس، زوجتي تقرأ صحيفة غير «المصري اليوم» كل يوم. من هواياتها أن تقرأ صحيفة «الأهرام»، فلماذا أغضب؟! بالعكس.. آخذ منها «الأهرام» وأقرأ ما يستهويني فيها. وهذا لا يمنع أنها تطالع «المصري اليوم» أيضا. معظم الناس لا يكتفون بصحيفة واحدة.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».