أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط لـ«الشرق الأوسط»: نواجه تحديات ملحة ومعقدة

ناصر كامل قال إن أولوياتنا للمهاجرين والبطالة وقضيتنا المياه والبيئة

ناصر كامل
ناصر كامل
TT

أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط لـ«الشرق الأوسط»: نواجه تحديات ملحة ومعقدة

ناصر كامل
ناصر كامل

عشر سنوات انقضَت على إطلاق مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط». ورغم هذه الفترة الطويلة ما زال هناك من يشكِّك بفائدته، فيما يرى آخرون أنه ضروري لمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
تريد فرنسا، بشخص رئيسها إيمانويل ماكرون الدعوة إلى قمة الصيف المقبل، لإعطاء المشروع دفعة جديدة. و«الشرق الأوسط» اغتنمت مناسبة انعقاد منتدى وزراء خارجية الاتحاد يوم غد الاثنين، في برشلونة، لمحاورة أمين عام الاتحاد الجديد ناصر كامل حول هموم وشجون الاتحاد، وحول ما حقَّقه وما لم يحققه، وحول تطلعاته لعمل الاتحاد للسنوات الآتية.

> مضت 10 سنوات على إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط... هل نجح في إنجاز الأهداف التي أُنشئ من أجلها؟ هل ترك برأيكم بصماته على الفضاء الأورو - متوسطي؟
- رغم التحديات المعقَّدة والملحَّة التي واجهتها المنطقة، فقد برهنت المؤسسة على صلابتها وكفاءتها والقيمة المضافة التي تقدمها في كثير من المجالات. هي اليوم المنظمة الحكومية الوحيدة في المنطقة التي تتيح العمل المشترك بين دول شمال المتوسط وجنوبه على قدم المساواة تجاه مجموعة واسعة من القطاعات الاستراتيجية. وقد تمكَّنت الدول الأعضاء في السنوات الماضية من تحديد الأولويات المشتركة بشأن القضايا التي تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية لمواطنيها، كندرة الموارد المائية والتغيرات البيئية، وعدم وجود فرص عمل كافية للشباب أو السعي لتعزيز دور المرأة وتمكينها، حيث تُترجم هذه الأولويات إلى مشروعات ومبادرات ملموسة على أرض الواقع من خلال اقتراح ودعم إطلاق المبادرات الإقليمية في المجالات التي تتطرق لاحتياجات شعوب المنطقة ومعالجة الأسباب الجذرية للمشكلات التي نواجهها اليوم.
> ما أهم ما تحقَّق؟
- بالأرقام، فقد تم إلى حينه عقد أكثر من 25 اجتماعاً وزارياً، و300 اجتماع رفيع المستوى، ومنتديات للخبراء، إلى جانب حلقات نقاشية شاركت فيها أكثر من 25 ألف شخصية من أصحاب العلاقة من جميع أنحاء المنطقة من خبراء وممثلي حكومات، ومنظمات إقليمية ودولية، وسلطات محلية، ومنظمات للمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمؤسسات المالية. ويوفر الاتحاد فرصاً تمويلية بقيمة 5.6 مليار يورو لـ54 مشروعاً إقليمياً. وتُعدّ محطة تحلية المياه في قطاع غزة من أهم المشروعات التي يتبناها، إذ إن المشروع سيوفر مياه شرب لنحو مليوني مواطن فلسطيني مما يضمن حلاً مستداماً لنقص المياه المزمن الذي يعاني منه القطاع، إذ إن أكثر من 95 في المائة من المياه بالقطاع غير صالحة للشرب نتيجة للإفراط في ضخ المياه الساحلية الجوفية الملوثة. وقد تعهد المانحون الدوليون في مارس (آذار) 2018 بتقديم تمويل للمشروع يبلغ 456 مليون يورو، أي أكثر من 80 في المائة من إجمالي تكلفته، مما أتاح إطلاق أكبر مشروع للبنية التحتية في قطاع غزة.
> الجميع يعلم أن الاتحاد يواجه صعوبات كثيرة قد تكون حالت دون أن يحقق جميع طموحاته.
- أقدر أن الصعوبات التي يمكن أن تحول دون قيام الاتحاد بتحقيق أهدافه هي ذاتها التي تبرر وجوده، ولن يكون من المبالغة، إذا قلت إنه إذا لم يكن للاتحاد وجود، فسيكون من الضروري استحضار منصة بذات الديناميكية والمغزى. نحن نرى أن التعاون الإقليمي أمر يفرضه الواقع ولا نملك تجاهه رفاهية الاختيار. وهذا الإدراك كان دائماً بوصلة عمل الأمانة العامة للاتحاد التي تتحرك وفقاً لولايتها. ونحن نعي جميعاً التحديات الجسام. لكن مشروع الاتحاد يجسد تطلعات شعوبنا للارتقاء بمستواها المعيشة. لذا، تأتي قضايا الشباب والمرأة في صدارة أنشطتنا التي انخرط فيها عدد كبير من الكيانات كالحكومات، وهيئات القطاع الخاص، والمؤسسات الجامعية، والمنظمات غير الحكومية والأطراف الفاعلة الأخرى مما يؤدي إلى تنظيم الجهود الإقليمية وبناء أوجه المشاركة المطلوبة لمواجهة التحديات الكثيرة.
> فرنسا كانت، مع آخرين، «محرك» مشروع الاتحاد من أجل المتوسط. لكن الرئيس ماكرون أعلن أنه يريد «إصلاحه» وإعطاءه وجهات جديدة... هل من تفاصيل لديكم؟
- تظل فرنسا أحد أهم الداعمين للمشروع الأورو - متوسطي، وأرى أن موقف الرئيس ماكرون يعكس التزاماً متجدداً تجاه الاتحاد إذ يسعى لإعطائه دفعة جديدة، وهذا شيء إيجابي. وأضيف أننا نرحب بجميع الأفكار والمبادرات التي من شأنها تعزيز التعاون الإقليمي في المتوسط أو تجعل مشروعاتنا أكثر كفاءة، خصوصاً أننا نحتفل العام الحالي بالذكرى السنوية العاشرة على إطلاق الاتحاد الذي صار بنية أثبتت كفاءتها ووجودها ومرونتها للتكيف مع الأوضاع الحالية.
> ماكرون يريد قمة أورو - متوسطية الصيف المقبل في مدينة مرسيليا. فما الذي تنتظرونه منها؟
- أعتقد أن المبادرة الفرنسية إشارة إيجابية مثمرة يمكن للاتحاد أن يستفيد منها. ولذا، نحن على اتصال وثيق مع باريس لتضمينها رؤيتنا لدور الاتحاد في إطار مفهوم القمة المرتقب عقدها في يونيو (حزيران) 2019. ونأمل من كل الدول الأعضاء الأخرى جَعْل العمل الأورو - متوسطي ضمن ركائز سياستها الخارجية، وبالشكل الذي يحول الاتحاد إلى الهيكل الإقليمي الأكثر كفاءة للتصدي للتحديات المشتركة، وأقدر أن ذلك سيحدث عاجلاً أم آجلاً.
> ما أولويات المستقبل؟
- أعتقد أن الاتحاد سيوسِّع من نطاق عمله للتعاطي مع الاحتياجات الملحة في منطقة البحر المتوسط، حيث سنتعامل مع أزمة المهاجرين، وقمنا أخيراً بتعيين سفير مسؤول عن هذه الموضوعات. كما نرغب في تكييف أدواتنا والتركيز على الشراكات الخاصة والتمويل الابتكاري بما لا يتعارض مع الولاية الممنوحة لنا من قبل الدول الأعضاء.
> يوم غد الاثنين يلتئم في برشلونة المنتدى الإقليمي الثالث للاتحاد على مستوى وزراء الخارجية... ما الذي سينتج عن هذا المؤتمر؟
- جاء عقد هذا المنتدى تزامناً مع الذكرى العاشرة لإطلاق الاتحاد الذي رأى النور عام 2008، وقد أعطى دفعة جديدة لعملية برشلونة وأضفى طابعاً مؤسسياً على الشراكة الأورو - متوسطية، انطلاقاً من رؤية مستقبلية للمنطقة كمنطقة سلام واستقرار بما يبعث رسالة أمل لمواطنيها. وبهذه المناسبة، تجتمع الرئاسة المشتركة للاتحاد ووزراء خارجية دوله الأعضاء يوم غد الاثنين، لبحث الوضع الراهن والتعرف على ما أُحرِز من تقدّم على مدار عقد من الزمن في مجالات التعليم العالي، والتنقل، وتمكين المرأة، والتنمية البشرية، وخلق الوظائف، وتطوير الأعمال، وتغير المناخ، والطاقة المتجددة، وحماية البيئة، وإدارة الموارد الطبيعية، والنقل، والتنمية الحضرية، والربط الإقليمي بين شبكات البنية التحتية إضافة إلى تحديد أولويات العمل في المرحلة المقبلة. إضافة إلى ما سبق، سيناقش وزراء الخارجية آفاق المستقبل حيث ينخرط الاتحاد في مجالات جديدة تفرضها خريطة الطريق من أجل ضمان مساهمة أنشطتنا في توفير الاستقرار الإقليمي والتنمية البشرية.
> البطالة تشكل الآفة الكبرى في المجتمعات المتوسطية. كيف يُسهِم الاتحاد في محاربتها؟
- محاربة البطالة إحدى أهم أولوياتنا. وهي أحد أكبر التحديات الإقليمية لدول الجنوب والشمال على حد السواء، خصوصاً بين الشباب والنساء، مما يشكِّل عائقاً حقيقياً وحجر عثرة في طريق النمو الاقتصادي الشامل والمستدام. وتبلغ معدلات البطالة بين الشباب ما يقارب الأربعين في المائة في بعض الدول. لذا، تضع الأمانة العامة نصب أعينها ضرورة التصدي لهذه الظاهرة التي تُعدّ أحد العوامل المؤدية للهجرات غير الشرعية وللتطرف والانحراف.
> تسلمتم أمانة الاتحاد منذ فترة قصيرة ما أولوياتكم؟
- في ضوء ما يواجهه المتوسط من تحديات كثيرة ومتشعبة، سأسعى للقيام بالتنسيق مع الرئاسة المشتركة للاتحاد من أجل وضع مبادرات ملموسة وتنفيذ عدد من المشروعات ذات الصلة التي يمكن أن تساعد في التخفيف من الآثار السلبية لبعض التحديات التي تواجه منطقتنا. وسنسعى إلى توسيع نطاق أنشطتنا، وخلق شراكات جديدة، وتعزيز دورنا كمنبر للحوار الإقليمي. وأتصور أن الذكرى العاشرة لإطلاق الاتحاد توفر فرصة مواتية لتجديد الالتزام الإقليمي نحو تعاون أكثر فعالية في المنطقة الأورو - متوسطية.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.