كتاب «الخوف»... روايات متناقضة من داخل البيت الأبيض

مؤلفه بوب وودوارد لا يزال يعاني من «متلازمة ووترغيت»

الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)
TT

كتاب «الخوف»... روايات متناقضة من داخل البيت الأبيض

الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي (إ.ب.أ)

يوصَف كتاب بوب وودوارد الأخير الذي يحمل عنوان «الخوف: دونالد ترمب داخل البيت الأبيض»، والذي احتل قائمة أفضل الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة أخيراً، بأنه من الكتب الغريبة للغاية؛ فمن ناحية، يبدو الكتاب أقرب إلى الأدب القصصي (الرواية) في صورة السرد الغارق في الدراما الغالبة عليه لمحة الحوار المسرحي، لا سيما عندما يكون بطلا الرواية شخصين مختلفين تماماً تجمعهما مناقشة مفروض عليها غطاء من السرية. ومن ناحية أخرى، يطرح الكتاب ملخصات موجزة، وربما مقتضبة، للحوارات السياسية داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب بأسلوب سهل للغاية لا تتيسر صياغته على هذا النحو إلا لدى صحافي مخضرم من أصحاب الخبرة الكبيرة، مثل السيد وودوارد نفسه.

صنع وودوارد اسمه الصحافي أول الأمر بوصفه جزءاً من فريق الإبلاغ الصحافي المكون من شخصين اثنين فقط، إبان فضيحة ووترغيت السياسية، ذائعة الصيت في سبعينات القرن الماضي. وبعد مرور ما يقرب من نصف قرن، لا يزال الرجل يعاني مما يمكن تسميته «متلازمة ووترغيت»، أو ما نعرفه نحن باسم «أعراض الصحافة الاستقصائية اللازمة»، التي تستند إلى الاعتقاد بأن المهمة الأولى والأخيرة للصحافي أو المراسل هي الكشف عن بعض الأسرار التي يمكنها العصف بأركان الأقوياء في مراكز الحكم.
وخلال فترة «ووترغيت» عجز وودوارد عن إدراك أنه، وزميله وقتذاك، كانا قيد الاستغلال من قبل مصدر مجهول يدير أجندة أعمال خفية وشديدة الخصوصية. وكانت الأسرار التي تمكَّنا من الكشف عنها عبر التقارير الصحافية قد تسربت إليهما، القطعة تلو الأخرى، بغية القضاء على إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون ورئاسته للبلاد. ومن دون مصدر التغذية «المعلوماتي» هذا، لم يكن للتحقيقات الصحافية الاستقصائية التي عكف عليها، رفقة زميله آنذاك، أن تقطع الشوط الطويل الذي قطعته بالفعل.
وعلى مرِّ العقود الماضية، استعان وودوارد بالأسلوب ذاته في عمله، وهو محاولة العثور على «مصادر» التغذية الصحافية التي ساعدته على إنتاج أكثر من اثني عشر كتاباً من المفترض لدى الجميع أنها تمكّنت من الكشف عن كثير من الأمور الخفية عن هذا الركن أو ذاك من الحياة السياسية الأميركية المفعمة بالغموض.
ومع ذلك، فإن العثور على «المصادر» الجاهزة، أو القادرة على إمدادك بما تريد صياغته في كتابك ليس بالأمر الهين على الدوام؛ فما من أحد لديه الرغبة الدائمة للإفصاح وتوزيع الأسرار العميقة المثيرة للغليان والغضب السياسي على غرار فضيحة «ووترغيت». لذا، ما الذي ينبغي فعله في حالة كهذه؟ إحدى السبل «اختراع» الأسرار اختراعاً، حتى وإن كان الأمر يعني اقتباس الحكايات والأقاصيص المثيرة للجماهير، وإعادة تغليفها بهالة من الغموض والريبة. وهناك أسلوب آخر يتمثل في الارتكان على عامل الإثارة والتشكك في كل شيء لدى القراء وصياغة الروايات المباشرة المستندة إلى «بعض» الحقائق.
وفي حالة السيد وودوارد، المراسل الصحافي المميَّز حال تعامله مع الحقائق الفعلية، فإن كل ما تقدَّم يبعث على الأسف والأسى. فهو يستطيع إنتاج المادة الصحافية الممتازة من دون اللجوء إلى الأسرار الحقيقية أو المتصوَّرة أو الاستعانة بالمصادر الحقيقية أو المفتعلة. ويشعر المرء بالحرج الشديد عندما يقرأ لوودوارد عبارة تقول: «تستند هذه المعلومات على مقابلات شخصية ذات خلفيات عميقة»، أو تراه يستخدم عبارات من شاكلة «وفقاً لمصادر عالية الاطلاع»، أو «مصادر قريبة من المسألة قيد التحقيق»، أو الأسوأ من كل ذلك، «الزميل الحائز على معرفة واطلاع بالأمر».
في بعض الأحيان، لا يمكن لأي مقياس من مقاييس «التوقف والإنكار» أن يحول دون إذعان القارئ للمزيد من الشكوك. ومن الأمثلة على ذلك، عندما يحيل وودوارد الكلام على محادثة سرية جرت بين جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، وألكسندر بورتنيكوف، مدير جهاز الاستخبارات الروسي.
وكتاب بوب وودوارد الأخير، الذي يقع في 420 صفحة، ينقسم إلى 42 فصلاً، في شكل مقالات صحافية موجزة يتمحور كل مقال منها حول قضية بعينها. وتتراوح هذه القضايا من العلاقات الشخصية داخل الإدارة الأميركية إلى مسائل تتعلق بالسياسات الخارجية، والاقتصادية، والاجتماعية.
وعنوان الكتاب «الخوف» لا يعبر بأي حال من الأحوال عن مضمون المقالات التي يحملها بين دفتيه، ويظهر دونالد جيه ترمب في صورة شخصية طفولية أكثر منها ناضجة، تنتابها نوبات غضب عارمة، بدلاً من الديكتاتور الاستبدادي من القرون الوسطى المخيف لحاشيته. كما يحاول الكتاب كذلك أن يطرح تصوراً للبيت الأبيض في عهد ترمب بأنه ساحة تغمرها الفوضى وعدم التنسيق وغياب الاتساق. ورغم ذلك، ينتهي الأمر بالسيد وودوارد متظاهراً بطرح رؤى مغايرة لكل ما تقدم بين يدينا.
فإننا نرى دونالد ترمب متشبثاً على الدوام بتنفيذ وعوده الانتخابية، وغالباً ما يفعل ذلك في مواجهة المعارضة القوية من بعض أقرب معاونيه في الإدارة. وفي حالة الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه باراك أوباما مع إيران، على سبيل المثال، تغلب دونالد ترمب في هذه المسألة على آراء وزير خارجيته السابق ريكس تيلرسون، ووزير دفاعه الحالي جيمس ماتيس، ومستشاره للأمن القومي ماكماستر. ولدى تناوله قضية التعامل مع الصين ومواجهة اختلالهم التجاري مقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية، تجاهل ترمب عامداً آراء وزيره للخزانة ستيفن مينوشين، وكبير مستشاريه الاقتصاديين غاري كوهن.
ومن المثير للاهتمام، أن السيد وودوارد يصوِّر إدارة الرئيس ترمب بانفتاحها غير المعتاد على الحوار والمجادلات السياسية، على النقيض تماماً من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، التي كان الرئيس خلالها يتخذ القرارات أولاً ثم ينزع لمشاورة معاونيه فيما بعد. وتمثل الجانب السلبي في هذا الانفتاح على الحوار والمجادلات السياسية في ارتفاع معدل استبدال الموظفين داخل البيت الأبيض.
وقرّر الرئيس ترمب تغيير وزير خارجيته، ومستشاره للأمن القومي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش، بل وكبير مخططيه الاستراتيجيين حتى قبل أن يبلغ منتصف ولايته الرئاسية الأولى.
ويفتتح وودوارد كتابه باستهلال يثير الإعجاب يزعم بين سطوره أن بعض مساعدي دونالد ترمب يستخدمون تشكيلة متنوعة من أفعال المراوغة والحيل المتقنة للحيلولة دون تحويل الرئيس أفكاره إلى واقع ملموس في الحياة.
ويستشهد وودوارد على ذلك بمثال للمستشار الاقتصادي غاري كوهن الذي يسرق رسالة من على منضدة الرئيس في المكتب البيضاوي ويخفيها تماماً لمنع إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع كوريا الجنوبية، الأمر الذي يمكن أن يشكل خطراً داهماً على الأمن القومي للولايات المتحدة. وينقل وودوارد عن كوهن قوله: «لم يلحظ الرئيس قط اختفاء هذا الخطاب من على مكتبه».
وتكمن المشكلة في أنه بعد الولوج لمسافة 100 صفحة بين دفتي الكتاب، أي عند الصفحة 107 تحديداً، يتناسى السيد وودوارد استهلاله الافتتاحي تماماً ويخبرنا بأنه كانت هناك نسخ أخرى من الرسالة المختَلَسة، وأن حكومتي واشنطن وسيول قد شرعتا فعلياً في التفاوض بشأن اتفاقية التجارية الثنائية الجديدة. وبعبارة أخرى، فإن مقدمة الكتاب الدراماتيكية إما أنها كانت مقدمة كاذبة أو منبتة الصلة تماماً بموضوع الكتاب. ومع ذلك، يدعي السيد وودوارد أن بوب بورتر، وهو من مساعدي الرئيس ترمب، ومساعدين آخرين من الإدارة نفسها كانوا قد سرقوا بعض الوثائق وقالوا لزملائهم إنهم اضطروا لفعل ذلك من أجل وقف تنفيذ «الأفكار الخطيرة» التي تشتعل في رأس الرئيس ترمب.
يقول وودوارد إن كتابه الجديد مبني على مئات المقابلات الشخصية. وفي الكتب ذات النمط الصحافي، فإن لفظة «المئات» تعني في الواقع ما يتراوح بين 200 و1000 مقابلة. وإن أخذنا المتوسط لذلك، وهو 500 مقابلة، وخصصنا نحو ساعتين من الزمن لكل مقابلة، فسوف يكون بين أيدينا نحو 1000 ساعة تقريبا من المقابلات الشخصية. وهذا رقم كبير للغاية بالنسبة للمقابلات الشخصية التي يمكن إجراؤها قبل دخول دونالد ترمب عامه الثاني من الولاية الرئاسية.
وإن قبلنا ذلك، فإن الفصول الخمسة الأولى من الكتاب تغطي حملة ترمب الانتخابية، ويتناول فصلان آخران الزيارة التي كان من المفترض أن يقوم بها دونالد ترمب إلى موسكو في عام 2013، واستأجر لأجلها جناحاً فندقياً فاخراً نزل فيه قبله الرئيس أوباما برفقة قرينته.
وفي كتابه المعنون «الولاء الأرقى»، استشهد جيمس كومي، الرئيس السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالية المُقال من منصبه في عهد الرئيس ترمب، بمصادر تزعم أن دونالد ترمب استخدم الجناح الفندقي المشار إليه في ترتيب حفلة من الحفلات الماجنة على الفراش ذاته الذي استلقى عليه الرئيس الأسبق وقرينته إبان زيارتهما الرسمية السابقة إلى العاصمة الروسية. ومع ذلك، يرفض بوب وودوارد قصة جيمس كومي بأكملها ويصفها بـ«القمامة الصحافية»، تاركاً القارئ متسائلاً عن السبب الحقيقي لإفراد هذا القدر من الكتاب لذكر القصة التي يرفضها في المقام الأول!
ويظهر وودوارد مدى تمسك ترمب بأدواته وأسلحته، وفرض وعوده الانتخابية فرضاً، بل وتحويلها إلى سياسات لازمة التنفيذ. لقد عصف بالاتفاق النووي مع إيران، ونقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وانسحب تماماً من اتفاق باريس للتغييرات المناخية، وفرض إعادة التفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية مع المكسيك وكندا، وفرض الرسوم الجمركية على واردات السلع من الصين والاتحاد الأوروبي، وأجبر حلف شمال الأطلسي على زيادة الإنفاق الدفاعي، وأخيراً وليس آخراً، كما يبدو، استحدث أكبر خطة لخفض الضرائب في تاريخ الولايات المتحدة.
وهناك بطبيعة الحال مجالات لم يحالف دونالد ترمب النجاح فيها، ومن أبرزها تدشين المشروع الطموح للبنية التحتية في البلاد، وتشييد الجدار العازل على الحدود الجنوبية مع المكسيك، والقضاء الكامل على برنامج الرعاية الصحية الوطني المعروف إعلامياً باسم برنامج «أوباما كير».
يوصف أداء الرئيس ترمب في ملفات السياسة الخارجية بأنه أداء مختلط؛ فلقد نجح في جلب كوريا الشمالية، المارقة بكل امتياز، إلى عملية تفاوضية قلَّلت كثيراً من حدة التوترات في شمال شرقي آسيا، وربما تسفر عن نزع حقيقي للسلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية التي مزقتها حروب الماضي الضروس.
ويكشف وودوارد في كتابه أن دونالد ترمب، عندما كان لا يزال مواطناً يتمتع بقدر من الخصوصية، قد حض على إجراء المباحثات مع كوريا الشمالية بدءاً من عام 1999، في الوقت الذي فتح فيه حوارا بنّاءً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان قد أفضى، أو لم يُفضِ، إلى تعديلات معينة في السلوكيات الروسية في بعض المجالات ذات الحساسية السياسية مثل أوروبا والشرق الأوسط.
ويخصص وودوارد فصلاً كاملاً من الكتاب لتغطية استراتيجية دونالد ترمب لتكوين علاقة خاصة مع المملكة العربية السعودية، باعتبارها جوهراً لاستراتيجية أكبر تهدف إلى تعزيز الاستقرار في ربوع الشرق الأوسط. وتجاهل ترمب أقرب مساعديه، تيلرسون، وماتيس، ودعا الأمير محمد بن سلمان، الذي كان ولي ولي العهد في ذلك الوقت، إلى مأدبة غداء رئاسية رسمية، ضارباً عرض الحائط بالبروتوكولات الرئاسية الراسخة.
وفي معرض النزاع القائم بين دول مجلس التعاون الخليجي وإحدى الدول الأعضاء في المجلس، قطر، أُزيل على نحو سريع من واجهة الأحداث أحد الاتفاقات التي كان قد أبرمها كل من ريكس تيلرسون وجيمس ماتيس مع إمارة قطر جراء ذلك.
وكان الرئيس ترمب مصرّاً وبشدة على إدراج اسم إيران على رأس قائمة «الدول المثيرة للقلق» مع الأنشطة الخارجية التي تمارسها خارج حدودها الوطنية.
وفي تقرير خاص من إعداد وزارة الدفاع الأميركية بشأن الفرع اللبناني من تنظيم حزب الله الشيعي الموالي لإيران، وصف التقرير التنظيم بأنه أكبر الشبكات الإرهابية في العالم، مشيراً إلى ضرورة وضع سيناريوهات عاجلة للتعامل معه. وبحسب ما ورد من تقارير، يتلقى تنظيم «حزب الله» نحو مليار دولار من إيران سنوياً لتغطية تكاليف قوته القتالية التي يبلغ قوامها نحو 48 ألف مقاتل في لبنان إلى جانب 8 آلاف مقاتل آخرين في سوريا. ويتحكم القادة الإيرانيون، في كل الحالات تقريبا، في آلة الحرب التي يديرها التنظيم. وأقام التنظيم كذلك مكاتب تمثيل خارجية غير رسمية في كل من كولومبيا، وفنزويلا، وجنوب أفريقيا، وموزمبيق، وكينيا، في حين حافظ على عدد من الخلايا النائمة في كثير من البلدان الأوروبية.
ويتولى «حزب الله» أيضاً إمداد الجماعات الموالية في العراق، والبحرين، واليمن بالأموال والسلاح، في الوقت الذي ينفق فيه المبالغ الطائلة على شراء ولاءات الشخصيات البارزة في جميع مناحي المجتمع اللبناني.
وفي حين أن التقرير الأميركي يعتبر «حزب الله» تهديداً قائماً بذاته، فإن تحليل السيد ترمب يقول إن «محرك الدمية» هي طهران، التي ينبغي أن تكون هي الهدف الحقيقي. وإذا كان هناك تغيير في طهران، فمن شأن «حزب الله» والجماعات الإرهابية المصغرة في كل مكان أن تتبخر وتتلاشى تلقائياً تماماً كما اختفت كل الأحزاب الشيوعية من الوجود بمجرد انهيار العائل الوحيد لها، أي الاتحاد السوفياتي القديم.
ومن أجل كل ذلك، توضح رواية وودوارد أن منهج دونالد ترمب «الشخصوي» للغاية حيال السياسات الخارجية للولايات المتحدة، وولعه بإبرام الصفقات السياسية هنا وهناك، لم يسفرا عن صياغة استراتيجية عالمية ملموسة ومتماسكة. وبعد سنوات من التراخي والخمول، التي فرضتها رئاسة باراك أوباما فرضاً، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية أكثر نشاطاً على المسرح الدولي من دون تحقيق أي نتائج حقيقية وملموسة. وقد يرجع ذلك في جزء منه إلى الازدواجية والتناقض اللتين يعاني منهما دونالد ترمب نفسه.
ففي بعض الأوقات تراه يتحدث مثل الدعاة التقليديين المناهضين للحرب، وهو يقول عن أفغانستان، على سبيل المثال: «إنها كارثة، لن تكون هناك ديمقراطية ناجحة أبداً. لا بد أن ننسحب منها فحسب». ولكن في اجتماعه مع القادة العسكريين الذين يطالبون بنشر المزيد من القوات في أفغانستان، يسأل الرئيس: «كم عدد الوفيات؟ وكم عدد الأطراف المفقودة لقواتنا؟».
ومع ذلك، فهو يوافق في وقت لاحق على زيادة الوجود العسكري الأميركي هناك ويغير من مهمة الجنرال جون نيكلسون، قائد القوات الأميركية في أفغانستان، من: «استمر هناك»، الأمر الذي تلقاه من باراك أوباما، إلى: «اكسب هذه الحرب»!
ويكرِّس وودوارد العديد من فصول كتابه للتحقيقات التي يجريها المستشار الخاص روبرت موللر بشأن المحاولات الروسية المزعومة للتدخل في (والتأثير في) مجريات الانتخابات الرئاسية الأميركية. وفي بعض الأحيان تبدو هذه الفصول مثل روايات الجاسوسية المسلية للبعض. ومع ذلك، فإن الحقيقة هي أن تحقيقات موللر الواسعة لم تسفر عن إثبات أي شيء على الإطلاق يتعلق بالتدخل الروسي الفعلي في الانتخابات، ناهيكم بأي تدخل من هذا القبيل كان قد أثَّر في نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية من الأساس.
ويحوي كتاب وودوارد بعض الرؤى التي، إن تم التحقق منها، قد تكون ذات أهمية على المدى البعيد. على سبيل المثال، يزعم أنه في مرحلة من المراحل، فكر ترمب في اغتيال الرئيس السوري بشار الأسد. وإن صح القول في ذلك، فسوف يعني أن ترمب كان على استعداد لخرق القانون الأميركي، الصادر في سبعينات القرن الماضي، الذي يقضي بحظر اغتيال زعماء الدول الأجنبية.
ومن الرؤى الأخرى التي طرحها وودوارد في كتابه أن الرئيس الصيني شي جينبينغ قد هاتف الرئيس دونالد ترمب لدعم عملية إطلاق الصواريخ ضد قواعد بشار الأسد العسكرية في رده على استخدام الأخير للأسلحة الكيميائية ضد شعبه. وإن كان ذلك صحيحاً، فسوف يعني استياء الصين من السياسات الروسية المتمثلة في إبقاء بشار الأسد على رأس السلطة في بعض أجزاء سوريا. ووفقاً إلى وودوارد، فإن هناك أكثر من 100 رئيس أجنبي آخر قد أجروا مكالمات هاتفية مع دونالد ترمب بشأن الإعراب عن دعمهم للضربات الصاروخية ضد قواعد بشار الأسد، الأمر الذي يُعد دليلاً على أن السياسة الروسية إزاء سوريا تفتقر إلى الدعم الموثوق فيه على الساحة الدولية.
ويكشف وودوارد في كتابه أيضاً أن ترمب قد أصدر الأوامر لوزير الدفاع جيمس ماتيس بمعرفة كيفية حصول المتمردين الحوثيين في اليمن على الأسلحة، واتخاذ الخطوات الجادة لوقف تدفقات الأسلحة إليهم. وينقل وودوارد عن ماتيس رده الغامض: «إن السواحل اليمنية طويلة للغاية!».
وهذا يدعو للمزيد من الاستغراب لأن المتمردين الحوثيين لا يسيطرون إلا على شريط محدود المساحة من الساحل اليمني إلى الغرب من خليج عدن على مقربة من مضيق باب المندب. والقناة الوحيدة الأخرى التي يمكن تهريب الأسلحة إليهم من خلالها هي سلطنة عمان عبر خليج هوف. وفي كلتا الحالتين، فإن إيقاف تدفق الأسلحة إلى الحوثيين لا يبدو مهمةً يستحيل تنفيذها من الناحية العسكرية بأي حال من الأحوال.
وفي بعض الأحيان، يتساءل وودوارد: لماذا يتصرف دونالد ترمب بهذه الطريقة؟! مما يعني أنه على خلاف الرؤساء السبعة السابقين عليه الذين خبرهم المراسل الكبير وتقابل معهم في غير مناسبة بشأن كتبه ومقالاته المختلفة. ولقد رفض ترمب، رغم كل شيء، منح بوب وودوارد الحق في إجراء مقابلة شخصية معه، إذ يعتبره من الناحية الضمنية عنصراً معادياً في وسائل الإعلام السائدة التي أعلنت الحرب على رئاسة ترمب للبلاد.
وهذا أمر، كما أعتقد، يجانب الإنصاف إذ إن كتاب وودوارد الأخير ينتهي به المطاف لأن يشي بلمحة إيجابية حول ترمب نفسه، ويكشف عن أنه سياسي نادر التكرر ذلك الذي يصر على احترام تعهداته أمام جمهور الناخبين. وعقد المقارنات التاريخية دائماً ما يسفر عن إشكاليات سياسية كبيرة. ومع ذلك، يمكن مقارنة شخصية ترمب إلى شخصية الرئيس الراحل ثيودور روزفلت، الذي أعرب عن مخاوف كثير من المواطنين الأميركيين المتأثرين بسرعة وتيرة التصنيع في بداية القرن الماضي، تماماً كما يعبر ترمب عن آمال، ومخاوف، وتطلعات، وربما تحيزات أولئك الذين يعانون كثيراً من فيضان العولمة الذي أغرق العالم بأسره.
وفي مشهد واحد يؤكد على الإيجابية، يذكر بوب وودوارد الحوار بين ترمب وكبار مستشاريه الاقتصاديين، الذين اتضح أنهم جميعهم من كبار المصرفيين السابقين، بشأن التجارة الدولية. ويستشهد المعاونون للرئيس ترمب بكل كلمة وعبارة حول كيف أن الاقتصاد العالمي الآن موجَّه تماماً نحو الخدمات، وكيف أن المتاجر التقليدية، والمصانع القديمة قد حلت محلها وحدات «خدمية» حديثة على غرار مقاهي «ستاربكس»، وصالونات تصفيف الشعر للرجال والنساء. كما أنهم يقولون إن الولايات المتحدة في حاجة ماسَّة إلى المزيد والمزيد من المهاجرين من أجل توفير الأيدي العاملة الرخيصة حتى تتمكن الشركات من تقليل النفقات والتكاليف وزيادة الأرباح.
ومن الواضح أن المستشارين الاقتصاديين يعتبرون أن الغاية الحتمية والأكيدة لأي اقتصاد هي جني المزيد من الأموال، لا سيما من خلال التجارة الدولية، حتى وإن كان ذلك يعني تفكيك النمط الكامل لحياة البشر في وقت موجز وقصير. ومن خلال الاستماع إلى هذه المناقشات، كان دونالد ترمب يسجل هذه الملاحظات على مذكرة ورقية أمامه تحت عنوان مريع: «التجارة سيئة للغاية»!
وبعبارة أخرى، يدرك القطب الرأسمالي العقاري الكبير أن الاقتصاد لا بد أن يتعلق بأكثر من مجرد كسب الأموال، بيد أن وودوارد لا يذكر ذلك على نحو صريح في كتابه. ولكن هذا هو السبب الحقيقي في التناقض الذي تمثله شخصية دونالد ترمب الحقيقية.


مقالات ذات صلة

استراتيجية الأمن القومي الأميركي و«المعجزة» الأوروبية المنشودة

تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث قبل حفلة لمغني الأوبرا الإيطالي الضرير أندريا بوتشيللي في البيت الأبيض (أ.ب)

استراتيجية الأمن القومي الأميركي و«المعجزة» الأوروبية المنشودة

ستثير الوثيقة التي صدرت الجمعة عن البيت الأبيض استياء الحلفاء التقليديين لواشنطن في أوروبا، لما تتضمّنه من انتقادات لاذعة لسياسات قادة «القارة العجوز».

أنطوان الحاج
يوميات الشرق المغني الأوبرالي الإيطالي أندريا بوتشيلي يقدم عرضاً خلال قرعة كأس العالم لكرة القدم 2026 (أ.ف.ب)

«صوت ملاك»... ترمب يشيد بأندريا بوتشيلي

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الجمعة بالمغني الأوبرالي الإيطالي أندريا بوتشيلي وقال إن لديه «صوت ملاك».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (أ.ب)

الولايات المتحدة وأوكرانيا تؤكدان أن أي تقدم نحو السلام يعتمد على روسيا

يعقد مفاوضون أوكرانيون ومبعوثو الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوماً ثالثاً من المحادثات في ميامي السبت، مؤكدين أن إحراز أي تقدم نحو السلام يعتمد على روسيا.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
رياضة عالمية أميركيون يتابعون مراسم القرعة على شاشة عملاقة في التايمز سكوير (رويترز)

ترمب مدفوعاً بحمى المونديال: كرة القدم الأميركية يجب إعادة تسميتها!

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، إن رياضة كرة القدم الأميركية (أميريكان فوتبول) يجب أن تُعاد تسميتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

المحكمة العليا ستنظر في مرسوم ترمب حول إلغاء حق المواطنة بالولادة

وافقت المحكمة العليا الأميركية على مراجعة دستورية المرسوم الذي أصدره الرئيس دونالد ترمب ويلغي حق المواطنة بالولادة لأطفال المهاجرين غير النظاميين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تبادل إطلاق النار بين سفينة وزوارق صغيرة قبالة اليمن

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر سفينة الشحن «روبيمار» المملوكة لبريطانيا والتي تعرضت لهجوم من قبل الحوثيين في اليمن قبل غرقها في البحر الأحمر... 1 مارس 2024 (رويترز)
صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر سفينة الشحن «روبيمار» المملوكة لبريطانيا والتي تعرضت لهجوم من قبل الحوثيين في اليمن قبل غرقها في البحر الأحمر... 1 مارس 2024 (رويترز)
TT

تبادل إطلاق النار بين سفينة وزوارق صغيرة قبالة اليمن

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر سفينة الشحن «روبيمار» المملوكة لبريطانيا والتي تعرضت لهجوم من قبل الحوثيين في اليمن قبل غرقها في البحر الأحمر... 1 مارس 2024 (رويترز)
صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر سفينة الشحن «روبيمار» المملوكة لبريطانيا والتي تعرضت لهجوم من قبل الحوثيين في اليمن قبل غرقها في البحر الأحمر... 1 مارس 2024 (رويترز)

ذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، اليوم (الجمعة)، أن سفينة على بعد 15 ميلاً بحرياً غربي اليمن أبلغت عن تبادل لإطلاق النار بعد رصدها نحو 15 قارباً صغيراً على مقربة منها.

وأضافت السفينة أنها لا تزال في حالة تأهب قصوى وأن القوارب غادرت الموقع.

وأفاد ربان السفينة بأن الطاقم بخير، وأنها تواصل رحلتها إلى ميناء التوقف التالي.

وتشن جماعة الحوثي في اليمن هجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر تقول إنها مرتبطة بإسرائيل، وذلك منذ اندلاع الحرب في غزة بعد هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على جنوب إسرائيل. وقالت الجماعة إن هجماتها للتضامن مع الفلسطينيين.


بوتين: المقترح الأميركي بشأن أوكرانيا يتضمّن نقاطاً «لا يمكن الموافقة عليها»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته بفعالية في موسكو بروسيا يوم 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته بفعالية في موسكو بروسيا يوم 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

بوتين: المقترح الأميركي بشأن أوكرانيا يتضمّن نقاطاً «لا يمكن الموافقة عليها»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته بفعالية في موسكو بروسيا يوم 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته بفعالية في موسكو بروسيا يوم 3 ديسمبر 2025 (رويترز)

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن بعض المقترحات في خطة أميركية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، غير مقبولة للكرملين، مشيراً في تصريحات نُشرت اليوم (الخميس) إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام أي اتفاق، لكنه شدد على ضرورة «التعاون» مع واشنطن لإنجاح مساعيها بدلاً من «عرقلتها».

وقال بوتين في التصريحات: «هذه مهمّة معقّدة وصعبة أخذها الرئيس (الأميركي دونالد) ترمب على عاتقه».

وأضاف أن «تحقيق توافق بين أطراف متنافسة ليس بالمهمة بالسهلة، لكن الرئيس ترمب يحاول حقاً، باعتقادي، القيام بذلك»، متابعاً: «أعتقد أن علينا التعاون مع هذه المساعي بدلاً من عرقلتها».

وأطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أقوى دفعة دبلوماسية لوقف القتال منذ شنت روسيا الغزو الشامل على جارتها قبل نحو أربع سنوات. ولكن الجهود اصطدمت مجدداً بمطالب يصعب تنفيذها، خاصة بشأن ما إذا كان يجب على أوكرانيا التخلي عن الأراضي لروسيا، وكيف يمكن أن تبقى أوكرانيا في مأمن من أي عدوان مستقبلي من جانب موسكو.

وتأتي تصريحات الرئيس الروسي في الوقت الذي يلتقي فيه المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جاريد كوشنر، بكبير المفاوضين الأوكرانيين رستم أوميروف، اليوم، في ميامي لإجراء مزيد من المحادثات، بحسب مسؤول أميركي بارز اشترط عدم الكشف عن هويته؛ لأنه غير مخوّل له التعليق علانية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وشخصيات روسية سياسية واقتصادية يحضرون محادثات مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قصر مجلس الشيوخ بالكرملين في موسكو بروسيا يوم 2 ديسمبر 2025 (أ.ب)

محادثات «ضرورية»

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن محادثاته التي استمرت خمس ساعات، الثلاثاء، في الكرملين مع ويتكوف وكوشنر كانت «ضرورية» و«مفيدة»، ولكنها كانت أيضاً «عملاً صعباً» في ظل بعض المقترحات التي لم يقبلها الكرملين، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وتحدث بوتين لقناة «إنديا توداي تي في» قبل زيارته لنيودلهي، اليوم. وبينما لم تُبث المقابلة بأكملها بعد، اقتبست وكالتا الأنباء الروسيتان الرسميتان «تاس» و«ريا نوفوستي» بعض تصريحات بوتين.

ونقلت وكالة «تاس» عن بوتين القول في المقابلة، إن محادثات الثلاثاء في الكرملين تحتّم على الجانبين «الاطلاع على كل نقطة» من مقترح السلام الأميركي «وهذا هو السبب في استغراق الأمر مدة طويلة للغاية».

وأضاف بوتين: «كان هذا حواراً ضرورياً وملموساً»، وكانت هناك بنود، موسكو مستعدة لمناقشتها، في حين «لا يمكننا الموافقة» على بنود أخرى.

ورفض بوتين الإسهاب بشأن ما الذي يمكن أن تقبله أو ترفضه روسيا، ولم يقدّم أي من المسؤولين الآخرين المشاركين تفاصيل عن المحادثات.

ونقلت وكالة «تاس» عن بوتين القول: «أعتقد أنه من المبكر للغاية؛ لأنها يمكن أن تعرقل ببساطة نظام العمل» لجهود السلام.


القمة الروسية - الهندية تعزز «الشراكة الاستراتيجية» وتتحدى ضغوط واشنطن

لافتة ترحيبية ببوتين في أحد شوارع نيودلهي يوم 4 ديسمبر (رويترز)
لافتة ترحيبية ببوتين في أحد شوارع نيودلهي يوم 4 ديسمبر (رويترز)
TT

القمة الروسية - الهندية تعزز «الشراكة الاستراتيجية» وتتحدى ضغوط واشنطن

لافتة ترحيبية ببوتين في أحد شوارع نيودلهي يوم 4 ديسمبر (رويترز)
لافتة ترحيبية ببوتين في أحد شوارع نيودلهي يوم 4 ديسمبر (رويترز)

يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، زيارة رسمية إلى الهند تستغرق يومين. وتعد واحدة من الزيارات الخارجية النادرة له منذ اندلاع الحرب الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022. ومثلما حظيت زيارته إلى الصين قبل ثلاثة أشهر، وقبلها إلى كوريا الشمالية العام الماضي، بأهمية كبرى في إطار رسم ملامح استراتيجية الكرملين في السياسة الخارجية، تُشكل الزيارة الحالية لنيودلهي منعطفاً حاسماً جديداً في مسار تعزيز تحالفات موسكو مع الشركاء التقليديين، خصوصاً على خلفية الضغوط الأميركية المتزايدة على الهند لتقليص تعاونها مع موسكو.

وفي أول زيارة له إلى العاصمة الهندية منذ أربع سنوات، يرافق بوتين وزير الدفاع أندريه بيلووسوف، ووفد واسع النطاق من قطاعي الأعمال، والصناعة. ومن أبرز الوجوه المرافقة لبوتين رئيسا شركتي الطاقة «روسنفت» و«غازبروم» اللتين تخضعان لعقوبات غربية، إلى جانب مسؤولي المجمع الصناعي العسكري، ومؤسسة «روس أبورون أكسبورت» المسؤولة عن الصادرات العسكرية. بالإضافة إلى رؤساء القطاع المصرفي الروسي الذي يخضع بدوره لعقوبات غربية. وتعكس تشكيلة الوفد المرافق أولويات أجندة الطرفين، وطبيعة النقاشات التي تم التحضير لها في موسكو، ونيودلهي.

برنامج حافل

على مدار يومي القمة، سيبحث الطرفان التعاون في مجالات الدفاع، والطاقة النووية، والهيدروكربونات، والفضاء، والتكنولوجيا، والتجارة.

تُشكل زيارة بوتين لنيودلهي منعطفاً حاسماً جديداً في مسار تعزيز تحالفات موسكو مع الشركاء التقليديين (أ.ف.ب)

واستبق الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف الزيارة بإشارة إلى أن بوتين سوف يناقش مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي «القضايا الدولية، والإقليمية»، مشدداً على اهتمام الكرملين بتطوير التعاون الثنائي، وفتح مجالات جديدة للتعاون، وأشار إلى موقف واشنطن السلبي تجاه الزيارة، وتلويحها بمضاعفة التعريفات الجمركية في حال استمرت نيودلهي في تعزيز تعاونها مع موسكو، وخصوصاً في مجال الطاقة، موضحاً أنه «لا ينبغي أن تخضع العلاقات التجارية بين موسكو ونيودلهي لتأثير دول ثالثة»، وأعرب عن قناعته بأن «مسألة التعريفات الجمركية الأميركية تظل قضية ثنائية بين الولايات المتحدة والهند». ووصف بيسكوف الإجراءات المفروضة على قطاع النفط الروسي بأنها غير قانونية، مؤكداً أن روسيا تبذل كافة الجهود الممكنة لضمان استمرار تجارة الطاقة، وتدفقها دون انقطاع رغم التحديات. وأشار إلى أن الزيارة ستشهد توقيع حزمة مهمة من الوثائق الثنائية، دون الإفصاح عن تفاصيل محددة.

تعزيز التعاون في مجال الطاقة

قبل زيارة بوتين، أجرى مسؤولون من الجانبين محادثات في مجالات واسعة من الدفاع، إلى الشحن، والزراعة، وفي أغسطس (آب) الماضي، اتفق الطرفان على بدء محادثات بشأن اتفاقية تجارة حرة بين الهند والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بقيادة روسيا.

وكرست هذه الخطوات مسار تعزيز العلاقة رغم بروز بعض المخاوف لدى مسؤولين في الهند أعربوا عن قلق من أن أي صفقات طاقة ودفاع جديدة مع روسيا قد تُثير رد فعل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي ضاعف الرسوم الجمركية إلى 50 في المائة في أغسطس على السلع الهندية، عقاباً على مشتريات نيودلهي من النفط الخام الروسي.

بوتين يتحدّث خلال مؤتمر في موسكو يوم 3 ديسمبر (رويترز)

ويُشكّل ملف تعزيز التعاون في مجال الطاقة إحدى أولويات الكرملين، الذي أكد أن الهند سوف تواصل الحصول على معاملة تفضيلية.

زادت واردات النفط الروسية على مدار سنوات اتفاقية التجارة الحرة بنسبة 600 في المائة، مما جعل الهند المشتري الرئيس لصادرات النفط الروسية (38 في المائة). كما تشتري الهند الأسمدة، والزيوت النباتية، والفحم، والمعادن.

تُنقل هذه الشحنات عبر الممر البحري الشرقي الذي افتُتح مؤخراً بين فلاديفوستوك وميناء تشيناي الهندي، وهو طريق بطول 10300 كيلومتر يربط بين موانٍ استراتيجية في المحيطين الهادئ والهندي. كما يعمل ممر النقل بين الشمال والجنوب فإن هذا الممر يتيح الاستقلال عن اللوجستيات الغربية، والتسويات بالعملات الوطنية تجاوزاً للعقوبات الغربية بنسبة تصل إلى 90 في المائة. وأكد الطرفان مجدداً هدفهما المتمثل في زيادة حجم التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030 (من 67 مليار دولار حالياً). وتطلب الهند دعماً لصادراتها إلى روسيا، لا سيما في مجالات الأدوية، والهندسة، والمنتجات الزراعية، ولتوفير فرص عمل للعمال الهنود المهاجرين، ويأتي ذلك تقديراً لإنجازات الهند في الالتفاف على العقوبات الغربية، خصوصاً في مجال تجارة النفط.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يحضران اجتماعاً على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في سمرقند - أوزبكستان يوم 16 سبتمبر 2022 (رويترز)

في المقابل، تسعى موسكو إلى الحصول على مساعدة الهند للحصول على قطع غيار، ومعدات تقنية لأصولها النفطية، حيث عرقلت العقوبات الوصول إلى الموردين الرئيسين.

ووفقاً لمصدر حكومي في الهند، فإن نيودلهي تسعى على الأرجح إلى استعادة حصة 20 في المائة لشركة التنقيب عن الغاز الحكومية في مشروع «سخالين-1» في أقصى شرق روسيا.

وتسعى موسكو أيضاً إلى تطوير تعاملها في القطاع المالي والمصرفي مع الهند، وصرح نائب وزير الخارجية الروسي، أندريه رودينكو، بأنه ستتم خلال الزيارة مناقشة إمكانية إطلاق نظام الدفع الروسي «مير» في الهند، والذي من شأنه أن يُسهم في زيادة السياحة الروسية. ووفقاً له، فقد طُرحت هذه المسألة سابقاً خلال اجتماع بوتين مع وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار. وستُناقش الآن على أعلى مستوى في نيودلهي.

الصفقات العسكرية

ورغم الضغوط الأميركية، لا تخطط الهند لتجميد علاقاتها الدفاعية مع موسكو، لأنها تحتاج إلى دعم مستمر للعديد من الأنظمة الروسية التي تشغّلها.

وقال مسؤولان هنديان مطلعان على الأمر لـ«رويترز» إن طائرات «سوخوي-30» الروسية تشكل غالبية أسراب المقاتلات الهندية البالغ عددها 29 سرباً، وعرضت موسكو مقاتلتها الأكثر تطوراً «سوخوي-57» والتي من المرجح أن تكون جزءاً من المحادثات.

بوتين يلتقي المتطوعين المشاركين في جائزة #WeAreTogether الدولية في مركز التجارة العالمي في موسكو يوم 3 ديسمبر (إ.ب.أ)

ولم تتخذ الهند قراراً بعد بشأن النسخة المحدثة من «سوخوي»، لكن الكرملين أعلن أن هذا الموضوع سيكون مطروحاً للنقاش. ومن المرجح أن تناقش نيودلهي شراء المزيد من وحدات نظام الدفاع الجوي «إس-400» وفق تصريحات لوزير الدفاع الهندي راجيش كومار سينغ، الأسبوع الماضي. وتمتلك الهند الآن ثلاث وحدات، مع انتظار تسليم وحدتين إضافيتين بموجب صفقة عام 2018.

لكن الحديث عن تعاون دفاعي لا يقتصر على بيع الأسلحة، والمعدات، إذ قطعت موسكو ونيودلهي شوطاً مهماً لتوطين صناعات دفاعية في الهند لتصبح أبرز شريك عسكري لروسيا. وأفاد ديمتري شوغاييف مدير الهيئة الروسية للتعاون العسكري التقني بأن القمة الحالية سوف تبحث مشاريع عسكرية تقنية جديدة، وتوسيع العقود القائمة بين البلدين.

وتشير مصادر إلى أنه يمكن توطين إنتاج ما يقرب من نصف نظام «إس-400» في إطار سياسة نقل التكنولوجيا التي توليها الهند أولوية قصوى. وفي حال تم الاتفاق على شراء طائرات «سوخوي-57» المقاتلة، فسينتقل طيارو القوات الجوية الهندية بسهولة إلى الطائرات الروسية من الجيل الجديد، مع تأكيد أن شركة «هندوستان» للملاحة الجوية المحدودة المملوكة للدولة قادرة على صيانة الترسانة الروسية.

وأفادت تقارير بأن اتفاقيات قيد التطوير -أو وُقِّعت بالفعل- لإنتاج مشترك لنظام الدفاع الجوي «بانتسير»، واحتمال شراء الهند لنظام رادار الإنذار المبكر «فورونيج»، الذي يتجاوز مداه 6000 كيلومتر.

وأكد شوغاييف أن العلاقات العسكرية التقنية بين روسيا والهند تشهد تطوراً ملحوظاً رغم التحديات الدولية الراهنة، مشيراً إلى أنه لم يغلق أي مشروع عسكري تقني خلال عام 2025.

بوتين خلال تقديمه جائزة #WeAreTogether الدولية في موسكو، يوم 3 ديسمبر (إ.ب.أ)

ووفقاً للمسؤول الروسي ينتظر أن ينصب الاهتمام بشكل أساسي على الطائرات، وأنظمة الدفاع الجوي، والتعاون في تقنيات الطائرات المسيرة، والمساعدة في بناء سفن جديدة في أحواض بناء السفن الهندية. وأضاف: «تبدو آفاق الصادرات العسكرية إلى الهند في عام 2026 إيجابية للغاية، وأعتقد أن حجمها في العام المقبل سيتجاوز مستوى عام 2025»، مؤكداً أنه تم حل المشكلات المتعلقة بالجوانب اللوجستية، وتوريد المكونات للمشاريع المشتركة، بما في ذلك صيانة المعدات الموردة سابقاً.

وأشار شوغاييف إلى أن روسيا تسعى إلى تعاون عسكري تقني واسع النطاق مع الهند في مجال التقنيات الجديدة، حيث تتزايد حصة المشاريع المشتركة، والتقنيات التكنولوجية المتقدمة عاماً بعد عام.

وتنفذ روسيا والهند حالياً عشرات المشاريع العسكرية التقنية واسعة النطاق، ومن أهمها إنتاج الهند المرخص لطائرات «سوخوي-30»، ومحركات الطائرات، ودبابات «تي-90 إس»، والتعاون في إطار مشروع «براهموس» المشترك للصواريخ، وتحديث المعدات العسكرية التي سبق توريدها، والعمل المشترك في مجال تكنولوجيا الدفاع.

جانب من لقاء بوتين ومودي على هامش أعمال مجموعة «بريكس» في كازان شهر أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

وأشارت مصادر إلى أن الطرفين يُعدّان «بيانات مهمة» ستحدد التوجهات الرئيسة للمرحلة المقبلة من شراكتهما. ومن المتوقع أن تُمهّد الاتفاقيات الجديدة للتعاون العسكري الصناعي الطريق لمرحلة جديدة من التعاون الدفاعي بين البلدين، ما يتيح للهند الوصول إلى أحدث تقنيات التخفي، والدفاع الصاروخي. وتتوقع المصادر أن يُعزز هذا مكانة الهند في المنطقة الآسيوية.

من المتوقع توقيع عقود عسكرية لتوريد وإنتاج أنظمة دفاع جوي من الجيل الجديد، بما في ذلك نظام الدفاع الجوي إس-500. وقد لاقى نظام إس-400 الروسي استحساناً من الجيش الهندي خلال عملية سيندور، حيث أُشير إلى سرعة نشره في أقل من خمس دقائق لتكون ميزة كبيرة. ويُعتبر دمج نظام إس-400 في نظام الدفاع الجوي متعدد الطبقات الهندي على طول الحدود مع الصين وباكستان تعزيزاً أمنياً.

توازن بين الهند والصين

وتواجه موسكو -التي طورت علاقاتها مع الصين بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وغدت بكين حليفاً رئيساً لها- تحدياً جدياً في إقامة توازن دقيق في العلاقة مع البلدين الخصمين.

الرئيسان الصيني شي جينبينغ (يمين) والروسي فلاديمير بوتين وبينهما رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في لقائهم بمدينة تيانجين الصينية في سبتمبر (أ.ب)

وأكد الكرملين أن موسكو تنطلق من أهمية المحافظة على علاقات مع «الشركاء التقليديين»، مشيراً إلى «تقدير خاص لاستعداد نيودلهي للمساهمة في البحث عن تسوية سلمية للنزاع في أوكرانيا».

وفي إشارة مهمة، قال الناطق الرئاسي الروسي: «نحن مستعدون لتطوير علاقاتنا مع الهند في جميع المجالات الممكنة، إلى الحد الذي تكون فيه الهند مستعدة لذلك»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن روسيا «تواصل تطوير علاقاتها مع الهند، والصين».

وتابع: «نحن نحترم العلاقات الثنائية بين الهند والصين، وليس لدينا شك في أن أقدم دولتين، الدولتين الأكثر حكمة في هذا العالم، ستكونان حكيمتين بما يكفي لتسوية جميع المشكلات من أجل الحفاظ على الاستقرار العالمي».

تحدي الضغوط الأميركية

رأت تعليقات في وسائل إعلام حكومية روسية عشية الزيارة أن نيودلهي سارت خطوات لتحدي الضغوط الأميركية المفروضة عليها بسبب علاقاتها مع موسكو. ومن ذلك، ألغت الهند مناقشات اتفاقية التجارة الهندية-الأميركية، وقالت الصحافة الروسية إن تلك الاتفاقية «تراجعت أهميتها الاستراتيجية مقارنة بالنتائج المتوقعة بعد زيارة بوتين». وزادت أن «الهند ردت عملياً على الهجوم على سيادتها».

ترمب ومودي في مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض في فبراير الماضي (رويترز)

كانت الحكومة الأميركية حملت نيودلهي مسؤولية تعزيز الجيش الروسي في أوكرانيا، واصفةً تصرفات الهند لاستيراد النفط الروسي بأنها «مزعزعة للاستقرار». ووصف الرئيس دونالد ترمب الهند بأنها «مغسلة للكرملين»، وهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 500 في المائة على الواردات الهندية إذا واصلت نيودلهي هذا المسار.

بدوره عارض الاتحاد الأوروبي مشاركة الهند في مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا، بحجة أن صداقة نيودلهي مع موسكو تُشكل عقبة أمام تعميق التعاون الاستراتيجي مع أوروبا.

ورأت التعليقات الروسية أن «الهجوم السافر على السيادة الهندية من قبل الغرب فقد أثره. لقد اتُخذ القرار: التعاون مع روسيا أهم للهند منه مع الغرب، كما يتضح من زيارة بوتين. وقد اكتسبت روسيا والهند خبرة واسعة في العمل معاً ضمن مجموعة (بريكس)، ومنظمة شنغهاي للتعاون».