فان غوخ يكشف النقاب عن الوجه القاتم للعبقرية

في رسائله إلى أخيه كما في لوحاته الفريدة

من لوحات فان غوخ
من لوحات فان غوخ
TT

فان غوخ يكشف النقاب عن الوجه القاتم للعبقرية

من لوحات فان غوخ
من لوحات فان غوخ

الذين يرون أن السيرة الحقيقية للكتّاب والفنانين تتمثل في نصوصهم وأعمالهم، ليسوا مخطئين تماماً. لا بل إن مدارس عديدة في النقد الحديث قد ذهبت إلى الفصل الكامل بين التاريخ الشخصي للفنان، وبين نتاجه الإبداعي الذي يؤرخ لحياة صاحبه، وفق صيرورته الذاتية ومنطقه الخاص. إلا أن هذه الفرضية التي وُضعت لحماية الأعمال الأدبية والفنية من الإسقاطات الأخلاقية والسياسية والشخصية المسبقة، لا تتعارض مع رغبتنا الملحة في التعرف على الحيوات الخاصة لأولئك الذين يتوارون خلف مواهبهم الفائرة، والذين رفعتهم عطاءاتهم إلى مصاف الأسطورة. ولعل الوجه الأمتع لفنون السيرة والرسائل والقص لا يتصل بفتنة السرد وحدها، بل بإزاحة الستار عما هو غامض وأسطوري في حياة الكتّاب، وتمكيننا من تعقب تفاصيل عيشهم، والوقوف على المشترك الإنساني الذي يجمعنا بهم، ورؤيتهم سافرين من أي قناع. فنحن حين نقرأ اعترافات روسو ورامبرانت، وسير كازانتزاكيس وبونويل ورينوار ودالي وماركيز ونيرودا وغيرهم، نشعر أنهم باتوا أقرب إلينا مما كنا نتصور، كما نحاول العثور على الخيوط التي تربط الحياة بالفن من جهة، وتكشف عن الوجه القاتم للعبقرية من جهة أخرى.
لربما شكلت رسائل فان غوخ إلى أخيه تيو أحد أفضل ما قدمه لنا فن الرسائل على امتداد التاريخ من متعة أدبية وثراء معرفي وتعبير مؤثر عن شقاء الإنسان المبدع، وهو يواجه المرض والعوز والوحدة القاتلة. وإن المرء ليحار حقاً في قدرة الفنان الهولندي الأشهر على أن يكتب خلال عقد من الزمن المئات من الرسائل المؤثرة التي يقع معظمها في باب الأدب الخالص، بموازاة الآلاف من اللوحات المتنوعة والقيمة التي أنجزها في أواخر حياته. وإذا كان ثمة من دلالة ما يمكن للقارئ استخلاصها لدى قراءة هذا السفْر الضخم من النصوص الموزعة بين البوح الشخصي والسيرة والشكوى والنقد الفني، فهو أن فان غوخ المريض والفقير والمتوحد لم يكن يرى في الرسم وحده ما يعيد إليه توازنه المختل وينقذه من عزلته المتمادية، بل كان يحتاج إلى وسيلة إضافية يستطيع من خلالها أن يرفع الصوت في وجه عصره، كما في وجه قدره القاسي، وكانت هذه الوسيلة هي الكتابة. ولأنه كفنان لم يقدّر في عصره تمام التقدير، ولم تأخذ لوحاته طريقها إلى البيع أو الرواج، فقد وجد في كتابة الرسائل ما يُشعره أن ثمة في هذا العالم الخاوي من يكشف له سريرته ويبوح له بمكنوناته. ولم يكن هناك من أحد ليتفهمه ويصغي إلى آلامه سوى أخيه تيو، الذي يصغره بأربع سنوات. ذلك أن أباه تيودوروس، وهو الكاهن الذي يعظ في الأرياف، والذي نجح أحياناً في دفعه إلى تبني الخيار ذاته، كان يمثل كل ما هو تقليدي ومحافظ ومجافٍ لروح التمرد والمغامرة. ولم تكن أمه بقادرة على تسوية وضعه مع أبيه، وهي الأقرب إلى عقلية زوجها ومفاهيمه الأخلاقية والدينية. لهذا لم يكن غريباً أن يكتب، وقد رُفض من الجميع: «هناك نفورٌ من احتوائي في البيت مماثل للنفور من احتواء كلب أشعث كبير، سيقتحم الحجرات بأرجله الموحلة». ولهذا بدا تيو بمثابة خشبة الخلاص الوحيدة التي ظهرت للأخ الأكبر وهو يصارع الأمواج العاتية للظلم والعزلة والتصدع العقلي.
ولعل الصلة غير السوية بالأب قد عمقت ذلك الجرح النفسي الذي ظل يتسع أكثر فأكثر في داخل الابن المتقاذَف أبداً بين القيم الدينية ونقيضها، بين الامتثال والمعصية، وبين المروق وتأنيب الضمير. وهو ما يعبر عنه فنسنت في إحدى رسائله إلى تيو بالقول: «إن أبي لا يعرف الندم كما تعرفه أنت. كل ما هو من بني الإنسان يؤمن أبي باستقامته الشخصية. فيما أنا وأنت وكل البشرية مسكونون بالشعور بأننا نتكون من الأخطاء والمحاولات اليائسة».
لم يكن غريباً أن تحتل رسائل فان غوخ إلى تيو أكثر من تسعين في المائة من مساحة رسائله، فيما توزعت النسبة القليلة الباقية بين أمه وشقيقتيه وزوجة أخيه وبعض الرسامين وتجار الفن. فتعلقه بأخيه لم يكن بسبب تلقيه مساعداته المالية فحسب، بل بسبب ذلك الجرح النفسي الغائر في أعماقه، والمتأتي من كون أبويه قد استعارا له اسم أخيه الأكبر الذي لم يمهله الموت أكثر من عام واحد، بما جعل فان غوخ يشعر وكأن حياته ليست سوى ضرب من ضروب الصدفة، أو أنه يعيش بالنيابة عن أخيه الراحل. وهو الشعور ذاته الذي طارد بعده بعقود فنان إسبانيا الشهير سلفادور دالي، الذي حمل هو الآخر اسم أخ له غدر به الموت، قبل أن يكمل السادسة من عمره.
والحقيقة أن العلاقة بين الأخوين تكاد من غير زاوية تكون فريدة من نوعها، حيث تنقلب معها الأدوار ليلعب الأخ الأصغر الدور المحوري في العلاقة، بحكم كونه موظفاً متميزاً في مؤسسة فنية وخبيراً في التسويق، وبحكم كونه معيل أخيه الوحيد ومرشده وحائط مبكاه. ولأن الرسائل، التي ترجمها ياسر عبد اللطيف ومحمد مجدي تحت عنوان «المخلص دوماً فنسنت»، لا تتضمن أياً من ردود تيو على شكاوى أخيه وتطلباته المستمرة، فهي تجعل من الأخ الأصغر حالة سديمية مبهمة، أو تحوله إلى متكأ ومخلص وحائط مبكى، لا أكثر. كأن تيو كما تُظهره الرسائل لم يوجد في الأصل إلا ليخرج أخاه من عتمة اليأس إلى عتبة الخلق الإبداعي. وهو بالتالي نقيض لصورة الأخ القاتل أو الغيور التي يمثلها كلٌّ من قابيل وإخوة يوسف. ومع أن صاحب لوحة «عباد الشمس» يُظهر في بعض رسائله نوعاً من الإشفاق على أخيه، ويخاطبه قائلاً: «لن أرغب في الازدهار إذا كانت النتيجة أن تذبل أنت. لن أرغب في تطوير ما هو فني بداخلي إذا كان يتوجب عليك أن تقمع من أجلي ما هو فني فيك»، إلا أن انهياراته المادية والعصبية كانت أقوى من مثل هذه المشاعر، تماماً كما هو حال المشرف على الغرق الذي تدفعه غريزة البقاء إلى التضحية، ولو دون قصد، بحياة من يهرع لإنقاذه من الهلاك.
يعرض فان غوخ في رسائله إلى تيو كلَّ ما يدور في ذهنه من هواجس، وما يعترض حياته من صعاب. على أن أياً من الرسائل المتنوعة لا تخلو من الإشارة إلى المبلغ النقدي الذي اعتاد الفنان المفلس على تسلمه من أخيه بشكل دوري.
كما تكشف الرسائل عما يتفشى في عالم الفن من أمراض التجارة والجشع وإخضاع الفن لمنطق الربح المجرد وقواعد العرض والطلب. ومع أن مسرح النصوص كان موزعاً بين عواصم ومدن مختلفة مثل أمستردام ولاهاي ولندن وباريس، إلا أن عشقه للطبيعة والأرياف، حيث يتحول الفضاء الشاسع أمامه إلى وليمة بصرية متنوعة الأضواء والظلال، كان أعمق من أي عشق آخر.
ورغم أن باريس بجمالها وعراقتها كانت قبلة الكتاب والفنانين في عصره، فهو لم ير فيها سوى مقبرة واسعة، كما يعبر في إحدى رسائله. وهي وفق تعبيره مؤلفة من شقق باردة لا من بيوت دافئة للسكنى.
أما ولعه بالضوء وتدرجاته الباهرة فكان السبب الأهم الذي دفعه في السنوات التي سبقت انتحاره إلى الإقامة في الجنوب الفرنسي، حيث تقدم الطبيعة تحت شمس مكتملة الوهج أجمل لوحاتها وعروضها اللونية.
وإذا كان فان غوخ قد التقى مع الانطباعيين في غير زاوية ومنظور، إلا أنه ذهب أبعد في استنفاره للحواس وفي المراهنة على كل ما تختزنه أعصابه من طاقة. وهذه السمة بالذات هي التي جمعته بنيتشه ذي النزوع الغرائزي الديونيزي، وهي التي دفعته إلى التعلق المرضي بغوغان، ذي النزعة البدائية الوحشية. وذلك ما عناه في قوله «ينبغي للمرء أن يحتفظ بشيء من الطبيعة الأصلية لروبنسون كروزو أو الهمجي، وعليه ألّا يجعل اللهب في روحه يذوي أبداً».
وإذا كان فان غوخ قد رأى في الرسم والكتابة شكلاً من أشكال الرد على أمراضه وصدوع نفسه، فقد رأى في المرأة والحب التعويض الملائم عن خيباته الحياتية وعن شعوره الممض بالعزلة والتوحد.
على أنه لم يحصل بالمقابل على العلاقة الثابتة والسوية التي توفر له الطمأنينة والاكتفاء. فلا قريبته التي شغف بها اكترثت بما أصابه من حروق وهو يضع يده في لهب المصباح كبرهان معمد بالألم على حبه لها، ولا العاهرة المتشردة التي شاطرها وابنها الإقامة في المسكن إياه كفّت عن مطارحة الرجال الغرام، كما سبق ووعدته، ولا استطاعت أذنه المقطوعة التي أرسلها هدية إلى إحدى معشوقاته أن تعدّل من مشاعرها نحوه. وما ضاعف من وساوسه القهرية هو فشله الموازي في الحفاظ على صداقته مع غوغان، الذي اضطر إلى هجره نهائياً بعد أن بلغ به مزاجه العنيف حد مهاجمته بالسكين في إحدى المواجهات الحادة بين الصديقين اللدودين. لقد حز في نفسه من جهة أخرى ألا تجد لوحاته الرواج الذي تستحق عند المتعاطين بتجارة اللوحات، وأن يعجز بالتالي عن الرد على كرم أخيه بالمثل كما ظل دائماً يكرر على مسامعه.
وحيث كانت آلام داء الصرع تتضاعف داخل رأسه كان سكان آرل في الريف الفرنسي يطالبون السلطات بالحجر عليه وإيداعه إحدى المصحات، بحيث بدا انتحاره بمثابة التتويج الطبيعي لجلجلة عذاباته. ومع إن فان غوخ لم يُظهر خلال كتاباته النقدية أي تعاطف مع شعر بودلير فقد بدا الاثنان وجهين لشقاء واحد وعبقرية مثخنة بالآلام. ولعل جان بول سارتر يترجم واقع الأول ويصيبه في صميمه، حين كتب عن الثاني «لمّا لم يكن قد نجح في أن يرى نفسه، فسوف ينقب في ذاته على الأقل كما ينقّب السكين في الجرح، آملاً أن يصل إلى العزلات الأعمق التي تشكل طبيعته الحقيقية».



ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

ظلّ القمر، على مدى عقود، يثير تساؤلاتٍ علمية بدت أحياناً أقرب إلى المفارقة: كيف لجسمٍ صغيرٍ نسبياً، كقمر الأرض، أن يحمل في تاريخه المبكر مجالاً مغناطيسياً قيل إنه يفوق في قوته نظيره الأرضي؟

استند طويلاً هذا التصوّر إلى تحليلات صخورٍ أعادتها بعثات «أبولو»، وأوحت نتائجها بأن القمر عرف، في مرحلة ما، نشاطاً مغناطيسياً شديداً. غير أن دراسة حديثة قدّمت قراءة مختلفة، تكاد تعيد رسم الصورة من أساسها، وتمنح هذا اللغز العلمي تفسيراً أكثر توازناً... وأكثر إنسانية في فهم حدود المعرفة نفسها. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

الباحثة كلير نيكولز، وفريقها من جامعة أكسفورد، اتجهوا إلى تفصيلٍ بدا في السابق ثانوياً: محتوى التيتانيوم في صخور القمر.

وبالتحليل، تبيّن أن الصخور الغنية بهذا العنصر نشأت من مواد عميقة داخل القمر؛ حيث أسهمت عمليات الانصهار في توليد مجالاتٍ مغناطيسية قوية، ولكنها كانت موضعية ومؤقتة.

المفارقة أن بعثات «أبولو»، وبمحض الصدفة، جمعت عدداً أكبر من هذه الصخور تحديداً، نظراً لانتشارها في المناطق المستوية التي اختيرت مواقعَ للهبوط. وهو ما أفضى، دون قصد، إلى تحيّزٍ في العينات، ومن ثم إلى استنتاجٍ بدا وكأنه حقيقة عامة.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر غيوساينس»، إلى أن هذا «التحيّز العيّني» قدّم صورة مضخّمة عن قوة المجال المغناطيسي للقمر، مانحاً إيّاه ما يشبه «سمعة» علمية لا تعكس واقعه بدقة كاملة.

ويرى الباحثون أن الفترات التي شهد فيها القمر مجالاً مغناطيسياً قوياً كانت قصيرة ونادرة، ولم تدم إلا آلافاً قليلة من السنين، في مقابل تاريخٍ أطول ساد فيه مجالٌ ضعيف.

ومع اقتراب بعثات «أرتميس»، يأمل العلماء في اختبار هذه الفرضية بصورة أدق، عبر عيناتٍ أوسع وأكثر تنوّعاً ربما تعيد، مرة أخرى، صياغة فهمنا للقمر... ولكن هذه المرة، تعويضاً مناسباً لسنواتٍ من الاستنتاجات غير المكتملة.


بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.


عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.