الشاعر الألماني سارتوريوس لـ {الشرق الأوسط}: نتعلم المشاعر العظيمة من الشعر العربي

يقول إن الشعر كونيّ بطبيعته.. وإذا بقينا منطوين على أنفسنا فلا يمكن تحقيق كونيته وإنسانيته

يواخيم سارتوريوس
يواخيم سارتوريوس
TT

الشاعر الألماني سارتوريوس لـ {الشرق الأوسط}: نتعلم المشاعر العظيمة من الشعر العربي

يواخيم سارتوريوس
يواخيم سارتوريوس

يواخيم سارتوريوس (1946) من أبرز شعراء ألمانيا ومدير مهرجانات برلين، يحمل شهادة الدكتوراه في القانون، لكنه بدأ حياته المهنية كدبلوماسي على غرار أبيه. أقام في تونس ونيويورك وإسطنبول ونيقوسيا، وعمل لفترة مديرا لمعهد غوتة. نشر أربع مجموعات شعرية، كما ترجم الشعر الأميركي والفرنسي، وله دراسات في الشعر، منها «أطلس الشعر الجديد»، كما لعب دورا في مد الجسور بين الثقافتين الألمانية والعربية، سواء من موقعه كمدير لمهرجانات برلين، أو عبر مساهمة مجلة «ديوان». ومن أبرز كتب سارتوريوس «الإسكندرية سراب» الذي صدرت ترجمته العربية بتوقيع فارس يواكيم، ومختارات شعرية عن «دار توبقال» المغربية بعنوان «ما الذي يرى المرء حين يرى؟» ترجمة مصطفى السليمان، ومجموعة «فندق الغرباء» عن مشروع «كلمة» للترجمة في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، من ترجمة مصطفى السليمان أيضا.
التقينا بالشاعر والكاتب يواخيم ساتوريوس أثناء معرض أبوظبي الدولي للكتاب، وطرحنا عليه مجموعة من الأسئلة:
* من المعروف أنك من المهتمين بآداب العالم الثالث، وقد استضفت عددا من الشعراء الأفارقة في مهرجان برلين الذي ترأسته أعواما طويلة، كيف تنظر إلى هذا الأدب؟
- طرحت محورا حيويا في مهرجان برلين في عام 1988، وهو أوروبا كما يراها الكتاب من الخارج. واستضفنا لذلك عددا من الشعراء الأفارقة أمثال: شينوا آشيبي من نيجيريا، وجان ماري أديافي من ساحل العاج، ونيغوغي وا ثينغو من غينيا، وغيرهم من الشعراء والأدباء. وطرحوا عددا من الموضوعات الساخنة في قصائدهم وتناولوا أمورا تخص: الفساد والعنف ومرض الإيدز وتدمير الطبيعة وتاريخ أفريقيا ومواجهة السردية ولغة الثقافات في أفريقيا. وقد أنار هؤلاء الشعراء تلك الموضوعات بشتى أنواع الرؤى، مما زاد من معرفتنا بهذا العالم الذي نبقى، نحن الأوروبيين، نجهله، كما ألقوا بدورهم نظراتهم الخاصة بعالمنا الأوروبي، وهكذا حصل نوع من التبادل الثقافي والمعرفي، وهو أحد أهداف مهرجان برلين الذي سعى لأعوام طويلة لتقريب الرؤى بعضها من بعض.
* أنت شاعر ولكنك مترجم أيضا، كيف تنظر إلى الترجمة باعتبارك ترجمت من اللغتين الإيطالية والإنجليزية؟
- تتمتع كل لغة بكم هائل من الرموز والمعاني، لذلك من الصعوبة القيام بالترجمة.. وهناك من يدعي معرفة لغات كثيرة: كالفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، إنما تلك خدعة كبيرة، لأن اللغة ليست عارية وحدها، بل تحمل من الأساطير والحكايات والألغاز ما لا يتمكن شخص واحد من فك أسرارها وأنفاقها التي لا تنتهي. هناك نظريات كثيرة حول الترجمة، ولعل أفضل من يترجم الشعر هم الشعراء، ولكن من الصعوبة بمكان ترجمة شعراء موتى لأنك لا تستطيع أن تسألهم عن المعاني العصية والغامضة في شعرهم، بينما يمكنك ذلك مع الشعراء الأحياء، كما أن الموسيقى ضرورية للغاية في عملية الترجمة، يجب أن ننتبه لموسيقى اللغة الأخرى، ومن دونها لا يمكن القيام بالترجمة. ولا بد من توفر الأسباب الكافية لدى المترجم لكي يترجم عملا ما، أي الدافع الذاتي الحسي والمعرفي في آن واحد. على سبيل المثال، قمت بترجمة الشاعر الإيطالي جياكومو ليوباردي كانتي، الذي لم يكن معروفا في اللغة الألمانية، لأنني أعجبت بما قاله عن سعادة الإنسان، التي يؤمن بأنها تكمن في الأوهام، وهي فكرة سحرتني ودفعتني لترجمته، وهناك سبب آخر لأنه عاصر شاعرنا هولدرلن.
* كيف تختار الشعراء الذين تترجم لهم؟
- ترجمت لمجموعة كبيرة من الشعراء، وهم: جون آزبري، وإي. إي. كيمنغز، وولاس ستيفنز، وهو محرر وناشر أعمال مالكولم لاوري، ووليم كارلوس وليمز. ولكل شاعر مكانة في نفسي، وكما قلت قبل قليل، لا بد من خلق أسباب لترجمة هذا الشاعر أو ذاك، بمزيج من الظروف الموضوعية والذاتية.
* ما رأيك في ترجمة الشعراء لشعراء آخرين؟
- هذه مسألة في غاية التعقيد. قبل كل شيء، أعتقد أن الترجمة عمل مستحيل حقا، ولكنني حين أستعير كلمات الشاعر الفرنسي ميشال ديغي: كلما كانت القصيدة تعبر عن نفسها كانت ترجمتها ممكنة، واحتمالية عدم إمكانية ترجمة الشعر عارضها ألف مترجم ومترجم طوال سنوات، لذلك أقول إن الترجمة الناجحة يجب أن تعتمد على البعد الكوني الذي تحتويه كل قصيدة، من حيث المصطلح والإيقاع، وهي عبارة عن صورة لأشعة إكس للأصل كما يقول الشاعر ميشال ديغي. وبالنسبة لترجمة الشعراء للشعر، أقول هؤلاء يدمجون الأعمال المترجمة بحساسيتهم. وقد كتبت مطولا حول هذا الموضوع في كتابي «الكلمات الأجنبية» وتطرقت إلى المشكلات التي تنتج عن ذلك. يمكنني أن أذكر ترجمات انغيبورك باشمان لشعر مونتالي، وترجمات بول سيلان لشعر أوسيب ماندلستام، الذي ظهر بأنه يتكون من 50 في المائة من روحية وشعر ماندلستام و50 من روحية وشعر بول سيلان. ومن ناحية أخرى، يقول الشاعر تيد هيوز، الذي نشر ترجمات من سبع لغات: إن تقديم أي شيء من حقيبة دواء المترجم مسألة غير ممكنة. إنني أتعجب كيف استطاع أن يتجنب ذلك، أي أن لا يضفي من شعره على الشعر المترجم! ومن ثم يمكن أن نورد مثال الشاعر الأميركي والاس ستيفنسن، الذي يعتبر أصعب شاعر عملت على ترجمته، لأن هناك أربع مستويات في شعره، أولا: مستوى الفكرة، التفكير والفلسفة، وثانيا: الموسيقى، وثالثا: التنظيم والشكل واللغة، ورابعا: المحتوى الثقافي.. ويمكنني أن أورد مثال ترجمتي لشعر جون آشبي بالتعاون مع كريستا كوبر، وآشبي نفسه أصبح مترجما من اللغة الفرنسية. وهكذا.
* كنت مهتما بالعلاقات التركية الألمانية منذ كنت مديرا لمعهد غوته في برلين، هل يمكن أن تتحدث عن أهمية هذه العلاقات بالنسبة لألمانيا؟
- قبل كل شيء، كنت مديرا لمعهد غوته الذي يعنى أصلا بنشر اللغة والثقافة الألمانية في أنحاء العالم، من ناحية، ومن ناحية أخرى، عملت في المجال الدبلوماسي، الذي يهتم في جزء منه بالعلاقات بين البلدان وثقافاتها، فكنت في المكان الذي يمكنني أن أقوم بهذه المهمة. كما أن تركيا استطاعت أن تنهض بنفسها على الصعيد السياسي، وبالخصوص الصعيد الاقتصادي دون الحاجة إلى ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي الذي سعت ولا تزال تسعى إلى الدخول فيه. وهكذا بدأت العلاقات الثقافية المتبادلة بين البلدين تأخذ أبعادا أوسع. وبطبيعة الحال، لا يمكن تصور ألمانيا، هذا البلد الواسع بثقافاته وعمقه، دون الجالية التركية المهاجرة، وهي قادرة على إنجاز ما نطلق عليه الاندماج في الثقافة الألمانية. لذلك كان من واجبنا أن ندعم المؤسسات التي تعمل على تشجيع التنوع الثقافي. ولعل سياسة تركيا الثقافية في التخلي عن تقاليد أتاتورك، وسقوط مفهوم الأمة الموحدة والانخراط في العلمانية، أديا إلى نهضتها المعاصرة، وعلى الخصوص عندما بدأ البلد يكتشف جذوره الإثنية المتعددة وفنانيه وثراء إسطنبول المتعددة الثقافات. وتتعدى العلاقات الألمانية التركية السياسة لكي تغطي قطاعا واسعا من الفنانين والموسيقيين والمعماريين والأكاديميين والمخرجين السينمائيين، وغيرهم. وعلى الرغم من العلاقات المتبادلة بين هذين البلدين، تبقى ألمانيا بحاجة ماسة إلى تأسيس سياستها الثقافية تجاه تركيا، وهي تمتلك الأدوات والوسائل الكافية لذلك.
* إذن أنتم تركزون على العلاقات الثقافية بين البلدين رغم التنوع الشديد بينهما؟
- ما يهمنا بالدرجة الأولى هو هذا التنوع الذي تتحدث عنه، هو إغناء بشكل أو بآخر، لا يوجد لدينا أهم من الثقافة في ترسيخ العلاقات العاطفية والمعرفية بين الشعوب. وكما لدينا قناة تلفزيونية مشتركة مع فرنسا تعمل وتبث برامجها باسم «آرتي»، نطمح إلى تأسيس مثل هذه القناة مع تركيا في المستقبل، وذلك نابع من أن وسائل التواصل الاجتماعي أخذت بالتنامي بدرجة كبيرة في العالم. هناك جيل جديد يتخاطب فيما بينه من خلال هذه الوسائل، بل ويتبادل من خلالها المعرفة. نحن لا نستطيع أن نقف في وجه الأساليب التقنية الجديدة التي تسلح بها الجيل الجديد، والتي تختلف عن أساليب التواصل التي اتبعها الجيل القديم.
* يعني يمكن أن نقول إنك شاعر منفتح على حضارات العالم وثقافاته المتنوعة؟
- بطبيعة الحال، الشعر كونيّ بطبيعته، وإذا بقينا منطوين على أنفسنا فلا يمكن تحقيق كونية الشعر وإنسانيته.
* ما المدن التي أدهشتك وأثارت فيك الكتابة؟
- لقد أدهشتني دمشق، فهي من المدن القلائل في العالم التي تحمل الكثير والكثير من الذكريات التي تعود إلى حضارات مختلفة ومتنوعة جدا. في دمشق تستطيع أن تمشي في طبقات مختلفة من الحضارات والثقافات، وكذلك الإسكندرية، فهي من المدن النادرة التي وجدتها مطابقة للصورة التي رسمتها في خيالي عنها من خلال قراءاتي. ولا ننسَ أن الإسكندرية كانت مركز العالم الغربي طيلة ثلاثة قرون، وهي أيضا بلد الأدباء الذين شيدوها في ذاكرتهم أمثال: لورنس داريل واونغاريتي وكفافي وفوستر وإدورد الخراط وأندريه أسيمان وغيرهم من العمالقة، ويكفي أن هذه المدينة عاشت مع رواد الحداثة في الشعر العالمي. إضافة إلى أن أسطورة هذه المدينة أدبية بالدرجة الأولى، ومكتبتها عبارة عن فردوس مفقود. ويمكن الحديث عنها إلى ما لا نهاية، ويكفي أنني ألفت كتابا عنها «الإسكندرية.. سراب». إن الإسكندرية مدينة الانفتاح والكوزموبوليتية، فالمجتمع الإسكندراني يتميز بتعدد الجنسيات والثقافات، وهو ما جعل منها مركز إشعاع حضاري متألقا، منذ تأسيس المدينة وحتى منتصف القرن العشرين. إنها من طراز المدن التي يخلدها الأدباء والكتاب والشعراء، وهي تولد على الدوام من رمادها.
* ماذا يمكن أن تقول عن الشعر العربي؟
- يمكنني القول إننا نتعلم المشاعر العظيمة من الشعر العربي، والحوار مع الحضارات والثقافات الأخرى. وهنا تكمن أهمية المهرجانات، تأتي من أنها لا تقتصر على الحضور وإلقاء القصيدة، ومن ثم الرحيل. فقد تولدت لدي أحاسيس جميلة من زياراتي لمهرجانات في كل من دمشق ودبي وغيرهما لأن التفاعل الحيوي بيننا جعلنا نعيش الآخر في صورته الحقيقية، وليس صورته النمطية التي ورثناها من الآخرين.
* ما مشاريعك الحديثة؟ حيث إنك تجمع بين كتابة الدراسات والشعر؟
- أهيأ لإصدار كتاب يتحدث عن السياسة والشعر في القرن العشرين، وهو عبارة عن دراسة كبيرة انتهيت منها قبل أشهر، وستصدر في الخريف المقبل في مدينة كولونيا.
* جئت إلى دبي في عام 2008 وشاركت في مهرجانها الذي انعقد لدورة واحدة، وأنت الآن في زيارة لمعرض أبوظبي للكتاب، كما ترجمت لك أعمال كثيرة إلى اللغة العربية، في كل من المغرب والإمارات. ما مدى اطلاعك على الأدب العربي؟
- إنني أطلع على الأدب العربي من خلال الترجمة، لأنني لا أجيد اللغة العربية، وهو أمر مؤسف لأن الشعر المترجم يفقد الكثير من جاذبيته وسحره أثناء الترجمة. قرأت لأدونيس وكتبت عنه، وقرأت بعض الروايات العربية لكل من نجيب محفوظ وعلاء الأسواني وإدوارد الخراط وجمال الغيطاني ونجم والي وفاضل العزاوي. وقد أمضيت أسبوعا في الإسكندرية مع الصديق الكاتب خالد الخميسي، وهو يعرف لغات كثيرة مما سهل عملية التخاطب والتفاهم بيننا. نحن الألمان كنا متابعين لأدب أميركا اللاتينية لسنوات طويلة، وقد أهملنا الأدب العربي كما يبدو.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».