الشاعر الألماني سارتوريوس لـ {الشرق الأوسط}: نتعلم المشاعر العظيمة من الشعر العربي

يقول إن الشعر كونيّ بطبيعته.. وإذا بقينا منطوين على أنفسنا فلا يمكن تحقيق كونيته وإنسانيته

يواخيم سارتوريوس
يواخيم سارتوريوس
TT

الشاعر الألماني سارتوريوس لـ {الشرق الأوسط}: نتعلم المشاعر العظيمة من الشعر العربي

يواخيم سارتوريوس
يواخيم سارتوريوس

يواخيم سارتوريوس (1946) من أبرز شعراء ألمانيا ومدير مهرجانات برلين، يحمل شهادة الدكتوراه في القانون، لكنه بدأ حياته المهنية كدبلوماسي على غرار أبيه. أقام في تونس ونيويورك وإسطنبول ونيقوسيا، وعمل لفترة مديرا لمعهد غوتة. نشر أربع مجموعات شعرية، كما ترجم الشعر الأميركي والفرنسي، وله دراسات في الشعر، منها «أطلس الشعر الجديد»، كما لعب دورا في مد الجسور بين الثقافتين الألمانية والعربية، سواء من موقعه كمدير لمهرجانات برلين، أو عبر مساهمة مجلة «ديوان». ومن أبرز كتب سارتوريوس «الإسكندرية سراب» الذي صدرت ترجمته العربية بتوقيع فارس يواكيم، ومختارات شعرية عن «دار توبقال» المغربية بعنوان «ما الذي يرى المرء حين يرى؟» ترجمة مصطفى السليمان، ومجموعة «فندق الغرباء» عن مشروع «كلمة» للترجمة في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، من ترجمة مصطفى السليمان أيضا.
التقينا بالشاعر والكاتب يواخيم ساتوريوس أثناء معرض أبوظبي الدولي للكتاب، وطرحنا عليه مجموعة من الأسئلة:
* من المعروف أنك من المهتمين بآداب العالم الثالث، وقد استضفت عددا من الشعراء الأفارقة في مهرجان برلين الذي ترأسته أعواما طويلة، كيف تنظر إلى هذا الأدب؟
- طرحت محورا حيويا في مهرجان برلين في عام 1988، وهو أوروبا كما يراها الكتاب من الخارج. واستضفنا لذلك عددا من الشعراء الأفارقة أمثال: شينوا آشيبي من نيجيريا، وجان ماري أديافي من ساحل العاج، ونيغوغي وا ثينغو من غينيا، وغيرهم من الشعراء والأدباء. وطرحوا عددا من الموضوعات الساخنة في قصائدهم وتناولوا أمورا تخص: الفساد والعنف ومرض الإيدز وتدمير الطبيعة وتاريخ أفريقيا ومواجهة السردية ولغة الثقافات في أفريقيا. وقد أنار هؤلاء الشعراء تلك الموضوعات بشتى أنواع الرؤى، مما زاد من معرفتنا بهذا العالم الذي نبقى، نحن الأوروبيين، نجهله، كما ألقوا بدورهم نظراتهم الخاصة بعالمنا الأوروبي، وهكذا حصل نوع من التبادل الثقافي والمعرفي، وهو أحد أهداف مهرجان برلين الذي سعى لأعوام طويلة لتقريب الرؤى بعضها من بعض.
* أنت شاعر ولكنك مترجم أيضا، كيف تنظر إلى الترجمة باعتبارك ترجمت من اللغتين الإيطالية والإنجليزية؟
- تتمتع كل لغة بكم هائل من الرموز والمعاني، لذلك من الصعوبة القيام بالترجمة.. وهناك من يدعي معرفة لغات كثيرة: كالفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، إنما تلك خدعة كبيرة، لأن اللغة ليست عارية وحدها، بل تحمل من الأساطير والحكايات والألغاز ما لا يتمكن شخص واحد من فك أسرارها وأنفاقها التي لا تنتهي. هناك نظريات كثيرة حول الترجمة، ولعل أفضل من يترجم الشعر هم الشعراء، ولكن من الصعوبة بمكان ترجمة شعراء موتى لأنك لا تستطيع أن تسألهم عن المعاني العصية والغامضة في شعرهم، بينما يمكنك ذلك مع الشعراء الأحياء، كما أن الموسيقى ضرورية للغاية في عملية الترجمة، يجب أن ننتبه لموسيقى اللغة الأخرى، ومن دونها لا يمكن القيام بالترجمة. ولا بد من توفر الأسباب الكافية لدى المترجم لكي يترجم عملا ما، أي الدافع الذاتي الحسي والمعرفي في آن واحد. على سبيل المثال، قمت بترجمة الشاعر الإيطالي جياكومو ليوباردي كانتي، الذي لم يكن معروفا في اللغة الألمانية، لأنني أعجبت بما قاله عن سعادة الإنسان، التي يؤمن بأنها تكمن في الأوهام، وهي فكرة سحرتني ودفعتني لترجمته، وهناك سبب آخر لأنه عاصر شاعرنا هولدرلن.
* كيف تختار الشعراء الذين تترجم لهم؟
- ترجمت لمجموعة كبيرة من الشعراء، وهم: جون آزبري، وإي. إي. كيمنغز، وولاس ستيفنز، وهو محرر وناشر أعمال مالكولم لاوري، ووليم كارلوس وليمز. ولكل شاعر مكانة في نفسي، وكما قلت قبل قليل، لا بد من خلق أسباب لترجمة هذا الشاعر أو ذاك، بمزيج من الظروف الموضوعية والذاتية.
* ما رأيك في ترجمة الشعراء لشعراء آخرين؟
- هذه مسألة في غاية التعقيد. قبل كل شيء، أعتقد أن الترجمة عمل مستحيل حقا، ولكنني حين أستعير كلمات الشاعر الفرنسي ميشال ديغي: كلما كانت القصيدة تعبر عن نفسها كانت ترجمتها ممكنة، واحتمالية عدم إمكانية ترجمة الشعر عارضها ألف مترجم ومترجم طوال سنوات، لذلك أقول إن الترجمة الناجحة يجب أن تعتمد على البعد الكوني الذي تحتويه كل قصيدة، من حيث المصطلح والإيقاع، وهي عبارة عن صورة لأشعة إكس للأصل كما يقول الشاعر ميشال ديغي. وبالنسبة لترجمة الشعراء للشعر، أقول هؤلاء يدمجون الأعمال المترجمة بحساسيتهم. وقد كتبت مطولا حول هذا الموضوع في كتابي «الكلمات الأجنبية» وتطرقت إلى المشكلات التي تنتج عن ذلك. يمكنني أن أذكر ترجمات انغيبورك باشمان لشعر مونتالي، وترجمات بول سيلان لشعر أوسيب ماندلستام، الذي ظهر بأنه يتكون من 50 في المائة من روحية وشعر ماندلستام و50 من روحية وشعر بول سيلان. ومن ناحية أخرى، يقول الشاعر تيد هيوز، الذي نشر ترجمات من سبع لغات: إن تقديم أي شيء من حقيبة دواء المترجم مسألة غير ممكنة. إنني أتعجب كيف استطاع أن يتجنب ذلك، أي أن لا يضفي من شعره على الشعر المترجم! ومن ثم يمكن أن نورد مثال الشاعر الأميركي والاس ستيفنسن، الذي يعتبر أصعب شاعر عملت على ترجمته، لأن هناك أربع مستويات في شعره، أولا: مستوى الفكرة، التفكير والفلسفة، وثانيا: الموسيقى، وثالثا: التنظيم والشكل واللغة، ورابعا: المحتوى الثقافي.. ويمكنني أن أورد مثال ترجمتي لشعر جون آشبي بالتعاون مع كريستا كوبر، وآشبي نفسه أصبح مترجما من اللغة الفرنسية. وهكذا.
* كنت مهتما بالعلاقات التركية الألمانية منذ كنت مديرا لمعهد غوته في برلين، هل يمكن أن تتحدث عن أهمية هذه العلاقات بالنسبة لألمانيا؟
- قبل كل شيء، كنت مديرا لمعهد غوته الذي يعنى أصلا بنشر اللغة والثقافة الألمانية في أنحاء العالم، من ناحية، ومن ناحية أخرى، عملت في المجال الدبلوماسي، الذي يهتم في جزء منه بالعلاقات بين البلدان وثقافاتها، فكنت في المكان الذي يمكنني أن أقوم بهذه المهمة. كما أن تركيا استطاعت أن تنهض بنفسها على الصعيد السياسي، وبالخصوص الصعيد الاقتصادي دون الحاجة إلى ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي الذي سعت ولا تزال تسعى إلى الدخول فيه. وهكذا بدأت العلاقات الثقافية المتبادلة بين البلدين تأخذ أبعادا أوسع. وبطبيعة الحال، لا يمكن تصور ألمانيا، هذا البلد الواسع بثقافاته وعمقه، دون الجالية التركية المهاجرة، وهي قادرة على إنجاز ما نطلق عليه الاندماج في الثقافة الألمانية. لذلك كان من واجبنا أن ندعم المؤسسات التي تعمل على تشجيع التنوع الثقافي. ولعل سياسة تركيا الثقافية في التخلي عن تقاليد أتاتورك، وسقوط مفهوم الأمة الموحدة والانخراط في العلمانية، أديا إلى نهضتها المعاصرة، وعلى الخصوص عندما بدأ البلد يكتشف جذوره الإثنية المتعددة وفنانيه وثراء إسطنبول المتعددة الثقافات. وتتعدى العلاقات الألمانية التركية السياسة لكي تغطي قطاعا واسعا من الفنانين والموسيقيين والمعماريين والأكاديميين والمخرجين السينمائيين، وغيرهم. وعلى الرغم من العلاقات المتبادلة بين هذين البلدين، تبقى ألمانيا بحاجة ماسة إلى تأسيس سياستها الثقافية تجاه تركيا، وهي تمتلك الأدوات والوسائل الكافية لذلك.
* إذن أنتم تركزون على العلاقات الثقافية بين البلدين رغم التنوع الشديد بينهما؟
- ما يهمنا بالدرجة الأولى هو هذا التنوع الذي تتحدث عنه، هو إغناء بشكل أو بآخر، لا يوجد لدينا أهم من الثقافة في ترسيخ العلاقات العاطفية والمعرفية بين الشعوب. وكما لدينا قناة تلفزيونية مشتركة مع فرنسا تعمل وتبث برامجها باسم «آرتي»، نطمح إلى تأسيس مثل هذه القناة مع تركيا في المستقبل، وذلك نابع من أن وسائل التواصل الاجتماعي أخذت بالتنامي بدرجة كبيرة في العالم. هناك جيل جديد يتخاطب فيما بينه من خلال هذه الوسائل، بل ويتبادل من خلالها المعرفة. نحن لا نستطيع أن نقف في وجه الأساليب التقنية الجديدة التي تسلح بها الجيل الجديد، والتي تختلف عن أساليب التواصل التي اتبعها الجيل القديم.
* يعني يمكن أن نقول إنك شاعر منفتح على حضارات العالم وثقافاته المتنوعة؟
- بطبيعة الحال، الشعر كونيّ بطبيعته، وإذا بقينا منطوين على أنفسنا فلا يمكن تحقيق كونية الشعر وإنسانيته.
* ما المدن التي أدهشتك وأثارت فيك الكتابة؟
- لقد أدهشتني دمشق، فهي من المدن القلائل في العالم التي تحمل الكثير والكثير من الذكريات التي تعود إلى حضارات مختلفة ومتنوعة جدا. في دمشق تستطيع أن تمشي في طبقات مختلفة من الحضارات والثقافات، وكذلك الإسكندرية، فهي من المدن النادرة التي وجدتها مطابقة للصورة التي رسمتها في خيالي عنها من خلال قراءاتي. ولا ننسَ أن الإسكندرية كانت مركز العالم الغربي طيلة ثلاثة قرون، وهي أيضا بلد الأدباء الذين شيدوها في ذاكرتهم أمثال: لورنس داريل واونغاريتي وكفافي وفوستر وإدورد الخراط وأندريه أسيمان وغيرهم من العمالقة، ويكفي أن هذه المدينة عاشت مع رواد الحداثة في الشعر العالمي. إضافة إلى أن أسطورة هذه المدينة أدبية بالدرجة الأولى، ومكتبتها عبارة عن فردوس مفقود. ويمكن الحديث عنها إلى ما لا نهاية، ويكفي أنني ألفت كتابا عنها «الإسكندرية.. سراب». إن الإسكندرية مدينة الانفتاح والكوزموبوليتية، فالمجتمع الإسكندراني يتميز بتعدد الجنسيات والثقافات، وهو ما جعل منها مركز إشعاع حضاري متألقا، منذ تأسيس المدينة وحتى منتصف القرن العشرين. إنها من طراز المدن التي يخلدها الأدباء والكتاب والشعراء، وهي تولد على الدوام من رمادها.
* ماذا يمكن أن تقول عن الشعر العربي؟
- يمكنني القول إننا نتعلم المشاعر العظيمة من الشعر العربي، والحوار مع الحضارات والثقافات الأخرى. وهنا تكمن أهمية المهرجانات، تأتي من أنها لا تقتصر على الحضور وإلقاء القصيدة، ومن ثم الرحيل. فقد تولدت لدي أحاسيس جميلة من زياراتي لمهرجانات في كل من دمشق ودبي وغيرهما لأن التفاعل الحيوي بيننا جعلنا نعيش الآخر في صورته الحقيقية، وليس صورته النمطية التي ورثناها من الآخرين.
* ما مشاريعك الحديثة؟ حيث إنك تجمع بين كتابة الدراسات والشعر؟
- أهيأ لإصدار كتاب يتحدث عن السياسة والشعر في القرن العشرين، وهو عبارة عن دراسة كبيرة انتهيت منها قبل أشهر، وستصدر في الخريف المقبل في مدينة كولونيا.
* جئت إلى دبي في عام 2008 وشاركت في مهرجانها الذي انعقد لدورة واحدة، وأنت الآن في زيارة لمعرض أبوظبي للكتاب، كما ترجمت لك أعمال كثيرة إلى اللغة العربية، في كل من المغرب والإمارات. ما مدى اطلاعك على الأدب العربي؟
- إنني أطلع على الأدب العربي من خلال الترجمة، لأنني لا أجيد اللغة العربية، وهو أمر مؤسف لأن الشعر المترجم يفقد الكثير من جاذبيته وسحره أثناء الترجمة. قرأت لأدونيس وكتبت عنه، وقرأت بعض الروايات العربية لكل من نجيب محفوظ وعلاء الأسواني وإدوارد الخراط وجمال الغيطاني ونجم والي وفاضل العزاوي. وقد أمضيت أسبوعا في الإسكندرية مع الصديق الكاتب خالد الخميسي، وهو يعرف لغات كثيرة مما سهل عملية التخاطب والتفاهم بيننا. نحن الألمان كنا متابعين لأدب أميركا اللاتينية لسنوات طويلة، وقد أهملنا الأدب العربي كما يبدو.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».