عز الدين ميهوبي: لا يوجد صراع ثقافي في بلادنا وهجوم المثقفين يدخل في حيوية المشهد

وزير الثقافة الجزائري يقول إنه لا سبيل لتحقيق التطور إلا بالكتاب والقراءة

وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي
وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي
TT

عز الدين ميهوبي: لا يوجد صراع ثقافي في بلادنا وهجوم المثقفين يدخل في حيوية المشهد

وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي
وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي

في هذا الحوار، يكشف وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي عن مصاعب وتحديات العمل الثقافي الجزائري، ويعلن عن استراتيجيته في ظل بداية الموسم الثقافي والأدبي الذي بدأ بفعاليات «زاخمة»، وسيشهد بعد أيام انطلاق معرض الجزائر الدولي للكتاب.
وتحدث ميهوبي أيضاً عن المشهد الأدبي الجزائري وخصوصيته و«الصراع بينه وبين معارضيه واتحاد الكتاب الجزائري»، وكيف يوازن بين رجل الدولة والمبدع.
وقد جرى الحوار في مكتبه المطل على رابية تشرف على ضفة المتوسط.
هنا نص الحوار:

> هناك كثير من القضايا المثيرة للجدل في الوسط الثقافي الجزائري، ما تصوراتك ورؤيتك لمستقبل الثقافة في الجزائر؟
- الثقافة الجزائرية تعيش مرحلة انتقالية... هناك حيوية في المشهد الثقافي الجزائري في السينما والتراث والمسرح والفنون... وهذا تم بـ«دسترة الثقافة»؛ فلم تعد الثقافة العجلة الخامسة في المركبة بل عجلة أساسية، الثقافة لم تعد مسألة كمالية بل حق من حقوق المواطن الجزائري في الدستور الجزائري عام 2016، فنحن نسعى للانتقال بالثقافة من كونها شأن الدولة إلى أن تكون شأناً مجتمعياً. الدولة ترافق كل مبادرة ثقافية وتؤمِّن شروط العمل الثقافي وإنشاء بيئة ثقافية وتأمين البنية التحتية من متاحف ومراكز وتمويل... وغيرها.
> ما الملف الملحّ لديك الآن؟
- تنظيم «جلسات الثقافة»، وهو لقاء وطني كبير سيشارك فيه الفاعلون في الحقل الثقافي يقدمون فيه أفكارهم ومقترحاتهم لتبادل الآراء لنخرج بوثيقة تصوُّر مستقبلي، وبمنتج ثقافي يمكن تحويله لمنتج اقتصادي وسيكون اللقاء قبل نهاية العام. وحالياً نحافظ على تنظيم الفعاليات الكبرى أهمها «المعرض الدولي للكتاب» وستكون الصين ضيف شرف، وبمشاركة نحو 950 دار نشر عربية وأجنبية، ويصادف هذا العام مرور 60 عاماً على العلاقات الصينية الجزائرية. وسوف تُقام كثير من الفعاليات الثقافية عالية المستوى في الجزائر والصين.
> هناك حالة من الحراك الثقافي على مستوى الشعر والكتابة الأدبية والسينمائية في الجزائر، وأخيراً انطلقت مجموعة شبابية «فاي» للنهوض بالشعر، فما السر وراء هذه الانتعاشة؟
- المجتمع الجزائري يعي جيداً أنه لا سبيل لنا في التطور والمعرفة إلا بالكتاب والقراءة، ولدينا سلوك مدني ممتاز خلق حراكاً ثقافياً جماهيرياً، مثل: مبادرات للقراءة بإنشاء مكتبات في الشارع، كل مدينة أصبحت تقوم بهذا؛ «وهران تقرأ»، و«قسنطينة تقرأ»، نرافق هذه الجهود بالكتب أو الدعم. أيضاً في جميع المجالات يوجد هذا الوعي بأهمية المعرفة وقيمة التراث، هناك أيضاً تظاهرة «متحف الشارع» حيث تنظم المتاحف فعاليات للجمهور ويتعرفون على ما تحويه المتاحف ولكن في الشارع.
> نعم، الذي يزور الجزائر سيجد اهتماماً كبيراً بالمواقع والمعالم التراثية لكن كل ذلك لا يتم الترويج له، لماذا؟
- هناك مخطط عام في الدولة لوضع مسار سياحي يتنقل فيه السائح عبر كثير من المواقع الثقافية والأثرية التي تضمها الجزائر، وستكون تجربة أولى في هذا المجال. ونطمح في الاستفادة من التجربة المصرية في مجال الآثار المرتبطة بالأهرامات، خصوصاً أن لدينا أهراماتٍ في الغرب الجزائري نسعى لتصنيفها ضمن قائمة «اليونيسكو» للتراث.
> من ملاحظاتي الأخرى، هناك شبه غياب للفن التشكيلي.
- خلال الأربعة أشهر الماضية قدمنا أول سوق للفن التشكيلي الجزائري بمشاركة أكثر من 200 فنان تشكيلي عرضوا ما يزيد على 800 عمل، وبدأنا نؤسس لهذه السوق، وننظم أياماً دراسية خاصة للفن التشكيلي ليصبح جزءاً أساسياً من منظومة الاقتصاد، وسجَّلنا فتح أروقة خاصة للعرض والبيع.
> برأيك، هل ثمة خصوصية أدبية جزائرية وسط خريطة الإبداع العربي.. ما ركائزها وملامحها سواء على المستويين الفكري أو الجمالي؟
- هناك تقاليد ثقافية في الجزائر وموقعها يؤهِّلها أن يكون لها أكثر من سقف لغوي هذا سهل للأديب الجزائري الوصول عبر ضفة المتوسط لدور نشر مختلفة، أيضاً الثقافة الجزائرية في بعدها العربي والأفريقي والأورومتوسطي والإنساني مما مكَّن المبدع الجزائري من أن يكون لديه لمسة خاصة به، على الرغم من وجود بعد محلي لكنه يصل للقارئ حيثما كان، وهذا ربما ما مكَّن الجزائريين من نيل كبرى الجوائز الأدبية في الخارج على الصعيد العربي والأوروبي.
> ماذا عن أزمة اتحاد كتاب الجزائر... هل سيتم حلها قريباً؟
- هناك خلافات بيني وبين القيادة الحالية لاتحاد الكتاب الجزائري، وأرى أنه يمكنها أن تنتهي بمجرد أن تفرض نفسها بمشروع ثقافي حقيقي، وأن يكون للاتحاد حضوره الواسع في مختلف الفعاليات وألا يضيع كثيراً من الفرص... هناك خلاف منهجي في النهاية.
> الفرنسية والعربية.. هل ما زال الصراع بين الفرانكفونيين والمعربين قائماً؟
- لا يوجد صراع ثقافي في الجزائر... هذه التصنيفات تم تجاوزها... وكل ما يُنتج ثقافياً يصبُّ في مصلحة الثقافة الجزائرية بدليل أن جائزة «آسيا جبار»، وجائزة «محمد ديب»، وجائزة «يمينة مشاكرة» التي تم إطلاقها أخيراً، تقدم باللغات الثلاث العربية والفرنسية والأمازيغية. كان ذلك الصراع في فترة معينة ربما لكن الآن هناك الإنتاج الثقافي المتمازج.
> رغم وجود كثير من دور النشر الجزائرية التي يزيد عددها على الألف، نجد أدباء جزائريين ينشرون أعمالهم بالخارج، فكيف ترى ذلك؟
- نحن نشجع ذلك، لأن النشر خارج الجزائر يصل بالأدب الجزائري لمزيد من القراء ويفتح أسواقاً جديدة له، بل إن النشر في الخارج يشجع الناشر الجزائري على تشجيع هذه الأقلام في الداخل. وكله يصب في انتشار الأدب والثقافة الجزائرية.
> كيف ترى واقع الشعرية العربية الآن؟
- الشعر مظلوم إعلامياً بالنظر لاكتساح الرواية للمشهد الإعلامي وكونها الأكثر حضوراً في حياة الناس... أؤكد دائماً أن الشعر يسعى لأن يكون له حضوره الخاص رغم محدوديته، الشعر باقٍ ما بقي الشعور الإنساني... والذائقة العربية تنطلق دائماً من الشعر والقصيدة.
> عالمك الشعري يمزج الموروث الشعبي والرموز مع مفردات ورؤية حداثية... هل تحرص على ذلك؟
- يجب على المبدع الانفتاح على محيطه الثقافي، وربما الكتابة للمسرح والسينما والشعر والرواية والمقال الثقافي والسياسي وكثرة هذه الاهتمامات وضعتني على تماسّ مع تجارب أخرى وتماس مع الحداثة وثقافات أخرى إلى جانب الجزء الثقافي الموروث والمكتسب من المحيط الاجتماعي، وأيضاً من خلال المشاركة في مهرجانات عالمية كل هذا شكَّل تجربتي الشعرية.
> خضتَ تجربة الكتابة الروائية، بدأتها برواية «اعترافات أسكرام»، فهل سوف تعاود التجربة قريباً؟
- بعد «اعترافات أسكرام» صدر لي رواية «إرهابيس» عام 2013، وستكون حاضرة بالفرنسية في المعرض الدولي للكتاب 2018، وأسعى من خلالها لمحاولة تفكيك أسئلة الإرهاب، ماذا لو كل إرهابيو العالم أسسوا دولة في جزيرة وانضم إليهم كل الدمويين والقتلة الذين عُرفوا في التاريخ، كيف سيكون هذا الكيان؟ وهل سيكون محكوماً ببعد إنساني؟ كتبتها قبل ظهور «داعش»، وفيها ستجدين بينوشيه وبوقاصة وبن لادن وهتلر وغيرهم... هذه الأسماء هي التي تؤسس لهذا العمل الروائي. وكُتِبت بأسلوب سينمائي «سيني - واية» كأنها فيلم افتراضي بتفاصيل وحوار يراها القارئ في مخيلته.
لي عمل روائي مقبل أنجزتُ نحو 70 في المائة منه... شرعتُ فيه حينما التحقت بالوزارة، وهو يعرج على الصراع في الشرق الأوسط ينطلق مما تعيشه المنطقة لكنه يوغل في التراث قليلاً.
> بشأن الهجوم الأخير ضدك وتوقيع 100 مثقف جزائري عريضة ضد وزارة الثقافة، لم نجد رد فعل من جانبكم، فما السبب.
- هذا يدخل في حيوية المشهد الثقافي الجزائري... وهي مسألة مهمة... أحياناً يكون الجرس يدفع للالتفات إلى مجموعة من المثقفين وعلينا التفاعل معه بإيجابية، ربما بعض الأشياء لها خلفيات أخرى لكنني أحترم هؤلاء المثقفين الذين يريدون أن يتسع المجال، وأن تتوفر البيئة الصحية لإنتاج ثقافي مستديم وهذا الذي نعمل لأجله. التوقيت صعب... في ظل نقص الإمكانات ولكننا نهدف لتحسين البيئة الثقافية.
> وماذا بشأن الجدل الدائر حول فيلم «أحمد باي»؟
- ليس هناك اعتراض على الفيلم لكن بعض الناس فهموا أن التعاقد مع فنان عالمي مثل جيرار دو بارديو أمر سيضر بالعمل، هو صاحب باع طويل أكثر من 50 عاماً في الحضور والتأثير في المخيلة السينما العالمية. نحن لا نخوض في حياة الفنان الشخصية. كل فنان له حياته الخاصة وهو مسؤول عنها. أنا أريد أن آخذ من هذا الفنان هذا الجانب الإبداعي في هذا المشروع السينمائي. هل خاض المصريون مسيرة ضد إليزابيث تيلور لأداء دور كليوباترا؟ هل خرج الليبيون ضد أنتوني كوين في دور عمر المختار؟ للأسف، حاول البعض إعطاء هذه الضجة غطاء حول حياة هذا الفنان، في حين أنه رجل له إلمام كبير بالثقافة العربية، وهو أحد المعجبين بأم كلثوم ويقرأ لابن رشد. ننتظر أن نشاهد فيلماً ناجحاً من أنجح الأفلام السينمائية التي تتناول شخصيات المقاومة الشعبية للاحتلال الفرنسي.
> في هذا الصراع بين العمل الرسمي والإبداع، أيهما ينتصر؛ ميهوبي الشاعر والروائي أم الوزير؟
- أنا مكلف بمهمة إدارة الشأن الثقافي وسعيد بهذه الثقة التي مكنني منها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأتمنى أن أكون في مستوى هذه الثقة... نشأتُ كل حياتي في مجال الحقل الثقافي سواء في اتحاد الكتاب أو في مجال المسرح والسينما، وهو ما سهَّل طبيعة عملي وخدمة الثقافة الجزائرية، لكن الإمكانات ليست بحجم التطلعات، ومع هذا نجتهد أن نقدم الأفضل.
> لمن تقرأ؟
- أقرأ الكتب الفكرية والاستراتيجية التي تتناول تحولات العالم في بعدها الآيديولوجي، وتشكلات الوعي الجديدة في ظل الثورة الرقمية. وأسعى لاقتناص بعض الحالات الأدبية التي تفرض حضورها... قراءاتي الأدبية قليلة جدا وأكرس الوقت لقراءة الأعمال الخاصة بالأدباء الجدد ودعم الموهوبين منهم.
> أخيراً، إلى أي شيء يفتقر الخطاب الثقافي العربي؟
- عليه أن يتجاوز الأدبيات الكلاسيكية. تبديل الخطاب يحتاج لإبدال ممارسة بأخرى وليس مفردة بأخرى. يجب اختراق عقل الآخر بكثير من الأعمال، بشرط خلوها من العنتريات وتوظيف الماضي فقط.



من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.