عبد الصبور يحدس من خلال الحلاج بمصيره المأساوي

الشاعر الذي قلّص المسافة بين الشعر والنثر

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور
TT

عبد الصبور يحدس من خلال الحلاج بمصيره المأساوي

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور

«هذا زمن الحق الضائع \ لا يعرف فيه مقتولٌ مَن قاتلُهُ ومتى قتَلَهْ \ ورؤوس الناس على جثث الحيواناتْ \ ورؤؤس الحيوانات على جثث الناسْ \ فتحسّسْ رأسكْ \ فتحسّسْ رأسكْ».
لا أعتقد أن ثمة استهلالاً يعبر عن رؤية صلاح عبد الصبور المأساوية للعالم، وعن مدى السخط والألم المر اللذين اكتنفا شعره وحياته، مثل هذه الأبيات التي أردت أن أستهل بها هذه المقاربة لتجربة صاحب «الناس في بلادي»، الذي أعتبره من وجهتي الشخصية أحد أكبر شعراء الحداثة، وأكثرهم إخلاصاً لجوهر الشعر وطبيعته ومعناه. ففي هذه الأبيات، اختزال بعيد الغور لروح العصر الحديث التي أفرغت الإنسان من إنسانيته، وللرأسمالية المتوحشة التي حولت الأرض إلى حلبة واسعة للجشع والغرائز المفلتة من عقالها، كما للتقاتل على الغنائم، وللجرائم التي ترتكب بحق أناس تتم محاكمتهم وإدانتهم على الطريقة الكافكاوية، دون أن يعرف أي منهم طبيعة الذنب الذي اقترفه. وفي هذه الأبيات ما يذكّر بهجاء الكاتب الإنجليزي الساخر جوناثان سويفت للجنس البشري، عبر كتابه الشهير «رحلات غوليفر». كما أن خاتمتها المفاجئة تنم عن معرفة وثيقة بعلم النفس الاجتماعي، حيث يعمد كلٌ منا لدى قراءة الأبيات، ولو دون قصد، إلى تحسس رأسه بيده بغية التثبت من هويته أو مكانه.
لم يكترث صلاح عبد الصبور، خلافاً لكثير من مجايليه، لكل ما يتصل ببريق الشهرة الخادع والنجومية الزائفة، بل كان يؤثر التواضع والتواري والإقامة في الظل، وكان شعره بالتالي هو الوجه الآخر لتجربته الحياتية، حيث الالتصاق الوثيق بالمعنى، والإصغاء المرهف إلى ما يغشى سمعه من أصوات الداخل والخارج، وإماطة اللثام عن النواة العميقة للأحزان. ولأنه كذلك، لم يكن صاحب «شجر الليل» ليأبه كثيراً لمتطلبات الشكل، أو للتوشيات الزخرفية المفرطة، بل كان همه الأساسي متمثلاً في تظهير ما يكابده من اختبارات إنسانية مأزقية، وما تجيش به نفسه من مشاعر الحزن والقلق والاغتراب الوجودي. صحيح أن باكورة عبد الصبور الشعرية «الناس في بلادي» لم تكن مكتملة النضج والتبلور، حتى لنجد أثراً واضحاً من صوت السياب وشجنه الغنائي، في مثل قوله: «هجم التتارْ \ ورموا مدينتنا العريقة بالدمارْ \ رجعت كتائبنا ممزقة وقد حمي النهارْ \ أماه قولي للصغار: أيا صغارْ \ سنجوس بين بيوتنا الدكناء إن طلع النهارْ». لكننا مع ذلك لا نلمح فيها ما يعتري البواكير في العادة من تعثر في اللغة، أو صخب في التعبير، أو انسياق وراء المواقف العاطفية والحماسية. وحدها قصيدته «سأقتلك» تبدو خارجة عن سياق تجربته الناضحة دائماً بالهشاشة والرقة والحنو الإنساني، حتى لا يكاد أحد يصدق أن شاعراً برقّة عبد الصبور يستطيع أن يكتب سطوراً من مثل: «سأقتلكْ \ من قبل أن تقتلني سأقتلكْ \ من قبل أن تغوص في دمي أغوص في دمكْ \ أقسمتُ بالإسلام والأهرام والسلامْ \ سأقتلكْ». ومع ذلك، فإنه من الإجحاف بمكان أن نعزل هذه الأبيات عن ظروفها الصعبة والاستثنائية، وهي التي كُتبت إثر العدوان الثلاثي على مصر، وما صاحبه من أهوال وفظاعات، لطالما أخرجت الشعراء عن طورهم. تماماً كما حدث لأراغون وإيلوار بعد الغزو النازي، وللوركا إثر انقلاب فرانكو على الجمهورية، ولنيرودا إثر التآمر الأميركي على نظام أليندي.
لا يبذل قارئ صلاح عبد الصبور الكثير من العناء لكي يكتشف أن فكرتي الحزن والموت تكادان أن تكونا اللازمتين المصاحبتين بشكل دائم لمعظم ما كتبه من قصائد. وحيث تغيب كل منهما كمفردة واضحة، تحضر بالمقابل كمعنى وفكرة ومناخ. على أن الحزن المشار إليه لا يحضر في سياقه الحسي الملموس، أو في إطار التجربة الحياتية المباشرة للشاعر فحسب، بل يلبس تارة لبوس الرؤية الرومانسية إلى العالم، وطوراً لبوساً فلسفياً وميتافيزيقياً، وطوراً ثالثاً لبوس الإحباط والتبرم من واقع الأمة المزري، وما لحق بها من هزائم. وقبل هذا وذاك، ثمة ما يقودنا إلى استنتاج أن في تكوين الشاعر الفطري ما سهل لبذرة الحزن والتشاؤم سبل النمو، وما حوّلها إلى سمة دائمة من سمات شعره وحياته. وهو ما يؤكده إعجاب عبد الصبور الشديد بأبي العلاء المعري، وقد عده أهم الشعراء العرب وأخطرهم عبر العصور، فضلاً عن إعجابه بشوبنهاور، الذي لم يرَ في الحياة إلا وجوداً زائلاً بين عدمين. أما افتتانه المقابل بنيتشه، فقد عكس رغبةً مضمرةً في تماهي الهشاشة مع ما يعوزها من المنعة والبأس. ليس غريباً إذن أن يعطي الشاعر، الذي كان لا يزال حينها في ريعان شبابه، لإحدى قصائد مجموعته الأولى عنوان «الحزن»، وأن يبدأها بالقول: «يا صاحبي إني حزين»، وصولاً إلى اعتباره أن طريق الحزن طويلة جداً، بحيث تمتد من الجحيم إلى الجحيم، ومن طاغية إلى طاغية. وهذه الفكرة ستتنامى وتتعمق بعد ذلك، لتأخذ أشكالاً وجودية وفلسفية، كما بدا جلياً في قصيدة «الشيء الحزين»، حيث يبدو الحزن ماثلاً في قرارة الإنسان، أو في النطفة الأم للمخلوقات. وهو في كتابه «حياتي في الشعر» يرد على الذين عابوا عليه استغراقه في الحزن بالقول إن الحزن عنده ليس رديفاً للقنوط، بقدر ما هو طاقة محفزة على التغيير. كما أن الفنانين والفئران هم حسب قوله «أكثر الكائنات استشعاراً للخطر، ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقي بنفسها في البحر هرباً من السفينة الغارقة، أما الفنانون فهم يظلون يقرعون الأجراس ويصرخون بملء الفم، حتى ينقذوا السفينة أو يغرقوا معها».
ولا ينظر صلاح عبد الصبور إلى الشعر باعتباره أداة لتجميل العالم، أو التستر على ما فيه من تشوهات وأضاليل، وهو لا يكتفي بتوصيف ظواهر الأشياء والأحداث، بل يعمد إلى استكناه حقيقتها، وقراءة وجهتها ومآلاتها. والحقيقة أن عبد الصبور لم يكن الشاعر الوحيد الذي عانى من وطأة الاغتراب عن الواقع، والشعور بالفراغ والسأم، بل شاطره في ذلك مجايلوه الآخرون الذين خبروا الألم نفسه والاغتراب إياه. وفي حين كتب عبد الصبور: «هذا زمان السأمْ \ نفْخ النراجيل سأمْ \ لا عمق للألمْ \ لأنه كالزيت فوق صفحة السأم \ لا طعم للندمْ \ لأنهم لا يحملون الوزر إلا لحظةً \ ويهبط السأمْ \ يغسلهم من رأسهم إلى القدمْ»، كان أدونيس يهتف متبرماً بواقع بلاده: «فراغٌ زمان بلادي فراغُ \ وتلك المقاهي وتلك الملاهي فراغُ \ وهذا الذي ذلّ في أرضهِ \ وأنكرها واستكانا \ ولوّث أنهارنا وربانا \ فراغُ». لكن رهافة عبد الصبور وحساسيته الفائقة لم توفرا له سبيل الخروج من النفق، بل ضيقتا عليه الخناق، بحيث بات الموت، بشقيه الحسي والوجودي، هاجسه الأكثر إلحاحاً وخطورة. فإضافة إلى مفردة الحزن، كانت مفردة الموت هي الأكثر حضوراً وتكرراً في قاموس صاحب «أحلام الفارس القديم». ولم تقتصر الفكرة تلك على موت الآخرين وحدهم، كما نقرأ في القصيدة المعروفة: «زيارة الموتى»، بل هو يذهب في «أغنية للشتاء»، إحدى أكثر قصائده تشاؤماً وسوداوية، إلى الإرهاص بموته القريب المأساوي: «ينبئني شتاء هذا العام أنني أموت وحدي \ ذات شتاء مثله، ذات شتاءْ \ وأن أعوامي التي مضت كانت هباءْ \ وأنني أقيم في العراءْ \ ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي \ مرتجفٌ برداً \ وأن قلبي ميّت منذ الخريفْ».
يصعب من جهة أخرى أن نقارب تجربة عبد الصبور من دون التوقف قليلاً عند قضية الشكل في شعره، وهي القضية التي أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد، بحيث ذهب البعض إلى وصف شعره بالركاكة اللغوية والتنميط والتهافت الأسلوبي تارة، وبالرخاوة والفقر الإيقاعي تارة أخرى. والحقيقة أن هاجس عبد الصبور الأهم، كما يبدو في معظم نتاجه، لم يكن الاعتناء بالشكل، ولا الاستغراق في الترصيع اللغوي والجمالي، بل كان يتمثل في إعلاء المعنى، والبحث عن أفق مغاير للرؤيا من جهة، كما في وصل الشعر بالحياة الحقيقية التي تلمّس وجوهها في الشوارع والأزقة والوجوه التعبى للبشر، من جهة أخرى. وقد أسهم تأثره بالتجربة الصوفية في دفعه إلى «التقشف» الشكلي، والتخفف من كل ما يعيق الإفصاح عن حقيقة المعنى أو طبيعة التجربة، على غرار ما فعله الحلاج وابن عربي وابن الفارض وغيرهم. هكذا، بدا شعره مترسلاً خفيفاً شديد الانسياب، كما لو أنه مكتوب بروح النثر وعفويته وسلاسته، فهو لم يتردد في استخدام المفردات اليومية والشائعة، وفي تعقب التفاصيل الصغيرة للعيش، وهو ليس شعراً للمنابر العاتية والتصفيق المدوي، بل شعر التأمل الخافت الذي يهمل القافية، ويكتفي بالقليل من الإيقاعات. وقد نجح عبد الصبور في تقديم أعقد الموضوعات والأسئلة عبر أكثر الأساليب تقشفاً وبساطة، ولو أنه لم يوفق على الدوام في المؤالفة بين موجبات التقصي المعرفي وموجبات التشكيل الأسلوبي، فبدت بعض قصائده ومقطوعاته مسرفة في الترسل النثري أو السرد التقريري أو التنميط الإيقاعي.
ليس في وسع هذه المقالة بالطبع أن تحيط بكل ما حققه صلاح عبد الصبور من إنجازات نوعية على مستويات الشعر والنقد والمسرح الشعري، وهو المبدع المتعدد والمثقف التنويري الموسوعي. ومع ذلك، فمن الصعب أن أختمها دون أن أشير إلى وجه شبهٍ ما بين مأساته الشخصية ومأساة الحلاج، فالثمن الباهظ الذي دفعه الحلاج لم يكن بسبب معتقداته الدينية، بل بسبب مواقفه السياسية المعادية للطغيان والنظام الجائر، وهو ما يؤكده سؤال القاضي ابن سليمان للحلاج: «هل كنتَ تحضّ على عصيان الحكام؟»، وجواب الأخير قائلاً: «بل كنتُ أحضّ على طاعة ربّ الحكّام \ برَأ الله الدنيا إحكاماً ونظاماً \ فلماذا اضطربتْ واختلّ الإحكام؟ \ خلق الله الإنسان على صورته في أحسن تقويم \ فلماذا رُدّ إلى درك الأَنعام؟». صحيح أن أحداً في السلطة لم يصدر قراراً بإعدام الشاعر مصلوباً، كما حدث للمتصوف الشهير، ولكن الصحيح أيضاً أن السلطة المصرية، التي اتخذت في حينه قرارها الخاطئ بالموافقة على المشاركة الإسرائيلية في معرض القاهرة الدولي للكتاب، هي التي وضعت رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب في وضع لا يُحسد عليه، بحيث بدت وكأنها قد اتخذت قراراً موازياً بالاغتيال المعنوي للشاعر، الذي لم يتمكن في لحظة تخلٍّ غير مفهومة من اتخاذ قرار جريء بالرفض أو الاستقالة، ولم يستطع قلب الشاعر الواهن أن يصمد طويلاً إزاء عراكه المؤرق مع نفسه، كما إزاء محاكمته القاسية من قبل أصدقاء ورفاق له راحوا يكيلون له التهم دون رحمة، فأنهى بتوقفه عن الخفقان حياة أحد أكثر شعراء مصر موهبة ونبلاً وتعبيراً عن الحقيقة الشعرية.



«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.