عبد الصبور يحدس من خلال الحلاج بمصيره المأساوي

الشاعر الذي قلّص المسافة بين الشعر والنثر

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور
TT

عبد الصبور يحدس من خلال الحلاج بمصيره المأساوي

صلاح عبد الصبور
صلاح عبد الصبور

«هذا زمن الحق الضائع \ لا يعرف فيه مقتولٌ مَن قاتلُهُ ومتى قتَلَهْ \ ورؤوس الناس على جثث الحيواناتْ \ ورؤؤس الحيوانات على جثث الناسْ \ فتحسّسْ رأسكْ \ فتحسّسْ رأسكْ».
لا أعتقد أن ثمة استهلالاً يعبر عن رؤية صلاح عبد الصبور المأساوية للعالم، وعن مدى السخط والألم المر اللذين اكتنفا شعره وحياته، مثل هذه الأبيات التي أردت أن أستهل بها هذه المقاربة لتجربة صاحب «الناس في بلادي»، الذي أعتبره من وجهتي الشخصية أحد أكبر شعراء الحداثة، وأكثرهم إخلاصاً لجوهر الشعر وطبيعته ومعناه. ففي هذه الأبيات، اختزال بعيد الغور لروح العصر الحديث التي أفرغت الإنسان من إنسانيته، وللرأسمالية المتوحشة التي حولت الأرض إلى حلبة واسعة للجشع والغرائز المفلتة من عقالها، كما للتقاتل على الغنائم، وللجرائم التي ترتكب بحق أناس تتم محاكمتهم وإدانتهم على الطريقة الكافكاوية، دون أن يعرف أي منهم طبيعة الذنب الذي اقترفه. وفي هذه الأبيات ما يذكّر بهجاء الكاتب الإنجليزي الساخر جوناثان سويفت للجنس البشري، عبر كتابه الشهير «رحلات غوليفر». كما أن خاتمتها المفاجئة تنم عن معرفة وثيقة بعلم النفس الاجتماعي، حيث يعمد كلٌ منا لدى قراءة الأبيات، ولو دون قصد، إلى تحسس رأسه بيده بغية التثبت من هويته أو مكانه.
لم يكترث صلاح عبد الصبور، خلافاً لكثير من مجايليه، لكل ما يتصل ببريق الشهرة الخادع والنجومية الزائفة، بل كان يؤثر التواضع والتواري والإقامة في الظل، وكان شعره بالتالي هو الوجه الآخر لتجربته الحياتية، حيث الالتصاق الوثيق بالمعنى، والإصغاء المرهف إلى ما يغشى سمعه من أصوات الداخل والخارج، وإماطة اللثام عن النواة العميقة للأحزان. ولأنه كذلك، لم يكن صاحب «شجر الليل» ليأبه كثيراً لمتطلبات الشكل، أو للتوشيات الزخرفية المفرطة، بل كان همه الأساسي متمثلاً في تظهير ما يكابده من اختبارات إنسانية مأزقية، وما تجيش به نفسه من مشاعر الحزن والقلق والاغتراب الوجودي. صحيح أن باكورة عبد الصبور الشعرية «الناس في بلادي» لم تكن مكتملة النضج والتبلور، حتى لنجد أثراً واضحاً من صوت السياب وشجنه الغنائي، في مثل قوله: «هجم التتارْ \ ورموا مدينتنا العريقة بالدمارْ \ رجعت كتائبنا ممزقة وقد حمي النهارْ \ أماه قولي للصغار: أيا صغارْ \ سنجوس بين بيوتنا الدكناء إن طلع النهارْ». لكننا مع ذلك لا نلمح فيها ما يعتري البواكير في العادة من تعثر في اللغة، أو صخب في التعبير، أو انسياق وراء المواقف العاطفية والحماسية. وحدها قصيدته «سأقتلك» تبدو خارجة عن سياق تجربته الناضحة دائماً بالهشاشة والرقة والحنو الإنساني، حتى لا يكاد أحد يصدق أن شاعراً برقّة عبد الصبور يستطيع أن يكتب سطوراً من مثل: «سأقتلكْ \ من قبل أن تقتلني سأقتلكْ \ من قبل أن تغوص في دمي أغوص في دمكْ \ أقسمتُ بالإسلام والأهرام والسلامْ \ سأقتلكْ». ومع ذلك، فإنه من الإجحاف بمكان أن نعزل هذه الأبيات عن ظروفها الصعبة والاستثنائية، وهي التي كُتبت إثر العدوان الثلاثي على مصر، وما صاحبه من أهوال وفظاعات، لطالما أخرجت الشعراء عن طورهم. تماماً كما حدث لأراغون وإيلوار بعد الغزو النازي، وللوركا إثر انقلاب فرانكو على الجمهورية، ولنيرودا إثر التآمر الأميركي على نظام أليندي.
لا يبذل قارئ صلاح عبد الصبور الكثير من العناء لكي يكتشف أن فكرتي الحزن والموت تكادان أن تكونا اللازمتين المصاحبتين بشكل دائم لمعظم ما كتبه من قصائد. وحيث تغيب كل منهما كمفردة واضحة، تحضر بالمقابل كمعنى وفكرة ومناخ. على أن الحزن المشار إليه لا يحضر في سياقه الحسي الملموس، أو في إطار التجربة الحياتية المباشرة للشاعر فحسب، بل يلبس تارة لبوس الرؤية الرومانسية إلى العالم، وطوراً لبوساً فلسفياً وميتافيزيقياً، وطوراً ثالثاً لبوس الإحباط والتبرم من واقع الأمة المزري، وما لحق بها من هزائم. وقبل هذا وذاك، ثمة ما يقودنا إلى استنتاج أن في تكوين الشاعر الفطري ما سهل لبذرة الحزن والتشاؤم سبل النمو، وما حوّلها إلى سمة دائمة من سمات شعره وحياته. وهو ما يؤكده إعجاب عبد الصبور الشديد بأبي العلاء المعري، وقد عده أهم الشعراء العرب وأخطرهم عبر العصور، فضلاً عن إعجابه بشوبنهاور، الذي لم يرَ في الحياة إلا وجوداً زائلاً بين عدمين. أما افتتانه المقابل بنيتشه، فقد عكس رغبةً مضمرةً في تماهي الهشاشة مع ما يعوزها من المنعة والبأس. ليس غريباً إذن أن يعطي الشاعر، الذي كان لا يزال حينها في ريعان شبابه، لإحدى قصائد مجموعته الأولى عنوان «الحزن»، وأن يبدأها بالقول: «يا صاحبي إني حزين»، وصولاً إلى اعتباره أن طريق الحزن طويلة جداً، بحيث تمتد من الجحيم إلى الجحيم، ومن طاغية إلى طاغية. وهذه الفكرة ستتنامى وتتعمق بعد ذلك، لتأخذ أشكالاً وجودية وفلسفية، كما بدا جلياً في قصيدة «الشيء الحزين»، حيث يبدو الحزن ماثلاً في قرارة الإنسان، أو في النطفة الأم للمخلوقات. وهو في كتابه «حياتي في الشعر» يرد على الذين عابوا عليه استغراقه في الحزن بالقول إن الحزن عنده ليس رديفاً للقنوط، بقدر ما هو طاقة محفزة على التغيير. كما أن الفنانين والفئران هم حسب قوله «أكثر الكائنات استشعاراً للخطر، ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقي بنفسها في البحر هرباً من السفينة الغارقة، أما الفنانون فهم يظلون يقرعون الأجراس ويصرخون بملء الفم، حتى ينقذوا السفينة أو يغرقوا معها».
ولا ينظر صلاح عبد الصبور إلى الشعر باعتباره أداة لتجميل العالم، أو التستر على ما فيه من تشوهات وأضاليل، وهو لا يكتفي بتوصيف ظواهر الأشياء والأحداث، بل يعمد إلى استكناه حقيقتها، وقراءة وجهتها ومآلاتها. والحقيقة أن عبد الصبور لم يكن الشاعر الوحيد الذي عانى من وطأة الاغتراب عن الواقع، والشعور بالفراغ والسأم، بل شاطره في ذلك مجايلوه الآخرون الذين خبروا الألم نفسه والاغتراب إياه. وفي حين كتب عبد الصبور: «هذا زمان السأمْ \ نفْخ النراجيل سأمْ \ لا عمق للألمْ \ لأنه كالزيت فوق صفحة السأم \ لا طعم للندمْ \ لأنهم لا يحملون الوزر إلا لحظةً \ ويهبط السأمْ \ يغسلهم من رأسهم إلى القدمْ»، كان أدونيس يهتف متبرماً بواقع بلاده: «فراغٌ زمان بلادي فراغُ \ وتلك المقاهي وتلك الملاهي فراغُ \ وهذا الذي ذلّ في أرضهِ \ وأنكرها واستكانا \ ولوّث أنهارنا وربانا \ فراغُ». لكن رهافة عبد الصبور وحساسيته الفائقة لم توفرا له سبيل الخروج من النفق، بل ضيقتا عليه الخناق، بحيث بات الموت، بشقيه الحسي والوجودي، هاجسه الأكثر إلحاحاً وخطورة. فإضافة إلى مفردة الحزن، كانت مفردة الموت هي الأكثر حضوراً وتكرراً في قاموس صاحب «أحلام الفارس القديم». ولم تقتصر الفكرة تلك على موت الآخرين وحدهم، كما نقرأ في القصيدة المعروفة: «زيارة الموتى»، بل هو يذهب في «أغنية للشتاء»، إحدى أكثر قصائده تشاؤماً وسوداوية، إلى الإرهاص بموته القريب المأساوي: «ينبئني شتاء هذا العام أنني أموت وحدي \ ذات شتاء مثله، ذات شتاءْ \ وأن أعوامي التي مضت كانت هباءْ \ وأنني أقيم في العراءْ \ ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي \ مرتجفٌ برداً \ وأن قلبي ميّت منذ الخريفْ».
يصعب من جهة أخرى أن نقارب تجربة عبد الصبور من دون التوقف قليلاً عند قضية الشكل في شعره، وهي القضية التي أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد، بحيث ذهب البعض إلى وصف شعره بالركاكة اللغوية والتنميط والتهافت الأسلوبي تارة، وبالرخاوة والفقر الإيقاعي تارة أخرى. والحقيقة أن هاجس عبد الصبور الأهم، كما يبدو في معظم نتاجه، لم يكن الاعتناء بالشكل، ولا الاستغراق في الترصيع اللغوي والجمالي، بل كان يتمثل في إعلاء المعنى، والبحث عن أفق مغاير للرؤيا من جهة، كما في وصل الشعر بالحياة الحقيقية التي تلمّس وجوهها في الشوارع والأزقة والوجوه التعبى للبشر، من جهة أخرى. وقد أسهم تأثره بالتجربة الصوفية في دفعه إلى «التقشف» الشكلي، والتخفف من كل ما يعيق الإفصاح عن حقيقة المعنى أو طبيعة التجربة، على غرار ما فعله الحلاج وابن عربي وابن الفارض وغيرهم. هكذا، بدا شعره مترسلاً خفيفاً شديد الانسياب، كما لو أنه مكتوب بروح النثر وعفويته وسلاسته، فهو لم يتردد في استخدام المفردات اليومية والشائعة، وفي تعقب التفاصيل الصغيرة للعيش، وهو ليس شعراً للمنابر العاتية والتصفيق المدوي، بل شعر التأمل الخافت الذي يهمل القافية، ويكتفي بالقليل من الإيقاعات. وقد نجح عبد الصبور في تقديم أعقد الموضوعات والأسئلة عبر أكثر الأساليب تقشفاً وبساطة، ولو أنه لم يوفق على الدوام في المؤالفة بين موجبات التقصي المعرفي وموجبات التشكيل الأسلوبي، فبدت بعض قصائده ومقطوعاته مسرفة في الترسل النثري أو السرد التقريري أو التنميط الإيقاعي.
ليس في وسع هذه المقالة بالطبع أن تحيط بكل ما حققه صلاح عبد الصبور من إنجازات نوعية على مستويات الشعر والنقد والمسرح الشعري، وهو المبدع المتعدد والمثقف التنويري الموسوعي. ومع ذلك، فمن الصعب أن أختمها دون أن أشير إلى وجه شبهٍ ما بين مأساته الشخصية ومأساة الحلاج، فالثمن الباهظ الذي دفعه الحلاج لم يكن بسبب معتقداته الدينية، بل بسبب مواقفه السياسية المعادية للطغيان والنظام الجائر، وهو ما يؤكده سؤال القاضي ابن سليمان للحلاج: «هل كنتَ تحضّ على عصيان الحكام؟»، وجواب الأخير قائلاً: «بل كنتُ أحضّ على طاعة ربّ الحكّام \ برَأ الله الدنيا إحكاماً ونظاماً \ فلماذا اضطربتْ واختلّ الإحكام؟ \ خلق الله الإنسان على صورته في أحسن تقويم \ فلماذا رُدّ إلى درك الأَنعام؟». صحيح أن أحداً في السلطة لم يصدر قراراً بإعدام الشاعر مصلوباً، كما حدث للمتصوف الشهير، ولكن الصحيح أيضاً أن السلطة المصرية، التي اتخذت في حينه قرارها الخاطئ بالموافقة على المشاركة الإسرائيلية في معرض القاهرة الدولي للكتاب، هي التي وضعت رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب في وضع لا يُحسد عليه، بحيث بدت وكأنها قد اتخذت قراراً موازياً بالاغتيال المعنوي للشاعر، الذي لم يتمكن في لحظة تخلٍّ غير مفهومة من اتخاذ قرار جريء بالرفض أو الاستقالة، ولم يستطع قلب الشاعر الواهن أن يصمد طويلاً إزاء عراكه المؤرق مع نفسه، كما إزاء محاكمته القاسية من قبل أصدقاء ورفاق له راحوا يكيلون له التهم دون رحمة، فأنهى بتوقفه عن الخفقان حياة أحد أكثر شعراء مصر موهبة ونبلاً وتعبيراً عن الحقيقة الشعرية.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended