رائد المسرح اللبناني منير أبو دبس يعود ليعرّف بنفسه

يروي في فيلم ريتا باسيل أنه تلميذ عاصي الرحباني

{منير أبو دبس في ظل المسرح» لريتا باسيل
{منير أبو دبس في ظل المسرح» لريتا باسيل
TT

رائد المسرح اللبناني منير أبو دبس يعود ليعرّف بنفسه

{منير أبو دبس في ظل المسرح» لريتا باسيل
{منير أبو دبس في ظل المسرح» لريتا باسيل

في فيلمها الوثائقي «منير أبو دبس في ظلّ المسرح»، الذي يعرض بعد أيام ضمن تظاهرة «مهرجان الفيلم اللبناني» في بيروت، تلقي الشاعرة الصحافية ريتا باسيل الضوء على شخصية أحد المؤسسين للمسرح اللبناني الحديث، إن لم يكن هو المؤسس والأب الذي وضع اللبنات الأولى، حيث أعجب البعض به، وتمرد عليه البعض الآخر. إنما يبقى الرجل رائداً سباقاً، والأرشيف - كما العادة في ما يتعلق بالفنون العربية - فقير، والتأريخ للمسرح شحيح، والمعلومات ضئيلة. وبالقليل المتوفر، ومن خلال تتبع الرجل لسنتين، واستجواب ذاكرته، صنعت باسيل فيلمها، والتقطت لحظات من الذاكرة كادت تضيع، وإلى الأبد.
سيرة أبو دبس أكبر من حياة فنان عادي، لأنها تتمفصل مع نهضة الستينات، والصعود الحداثي اللبناني، وتلك العلاقة مع الغرب التي لا تعطى تفاصيلها ما يكفي من أهمية، إن لجهة الدراسة أو التأثر، ومن ثم العمل المشترك بين الفنانين يوم كان لبنان جسراً فعلياً بين المنطقة العربية وأوروبا. أما المحور الثاني، وربما الأهم في مسار أبو دبس، فهو عشقه المبكر جداً للفن، قبل أن يعرف ما هو المسرح، وما هي الموسيقى، من خلال علاقته بالكنيسة، وهو أمر لا يقل أهمية عن الأول، فالطقوس الدينية على اختلافها كانت مبعث وحي لكثير من مسرحي المنطقة، وكان أبو دبس أبرزهم.
تابعت ريتا باسيل الرجل بمهارة وحب، قبل أن يرحل عن دنيانا عام 2016، رصدته في قريته الجميلة «الفريكة»، وهي أيضاً قرية الأديب أمين الريحاني، حيث أقام سنواته الأخيرة في خان للحرير، وجعله محترفاً ومزاراً لمحبي المسرح، وأقام فيها مهرجاناً مسرحياً حمل اسمها. ومن لم تكتب له زيارة هذا المكان الحجري القديم، وما يحيط به من طبيعة خلابة يوم كان أبو دبس حياً، يمكنه أن يراه في الفيلم، ويتأمل كيف كانت تصطف الكراسي في الداخل لاستقبال المتفرجين، وتعمل الجرافة في الخارج لإبقاء المحيط الأخضر عفياً. ذهبت باسيل لاحقة بأبو دبس إلى باريس، لتستعيد معه زمن الدراسة والأعمال المسرحية الأولى التي ساهم فيها، ومن ثم عودته إلى لبنان في الستينات للعمل مع لجنة «مهرجانات بعلبك» لعشر سنوات، مسؤولاً عن سينوغرافيا الأعمال اللبنانية، ليرجع هارباً إلى فرنسا من الحرب الأهلية اللبنانية، بعد أن اندلعت عام 1975. لكن، وبعد أن حطت الحرب أوزارها، وجد أبو دبس نفسه مدفوعاً مرة أخرى للإقامة في الفريكة، قريته الوادعة، التي لم يمت فيها وإنما في باريس. هذه الرحلات المكوكية بين البلدين، جعلت هذا الفرنكوفوني يتحرك بين ثقافتين، كما تجول بين الفنون. وليس غريباً بعد ذلك أن نراه في الفيلم الوثائقي يتكلم الفرنسية، لا العربية، ويضطر الجمهور اللبناني لأن يقرأ الترجمة كي يتابعه.
يطل أبو دبس بعينيه الزرقاوين اللامعتين، ووجهه الهادئ، ونظرته الهائمة، ولحيته البيضاء، يروي كيف قضى طفولته في أنطلياس (شمال بيروت)، التي كانت لا تزال بساتين من شجر الليمون، تتوزع البيوت القليلة بين أشجارها، وأولادها يهربون من أهلهم ليلعبوا على الشاطئ، ويغطسوا في ماء البحر، وينالون عقابهم في كل مرة. هو ابن لوالدين لم يعرفا الاستقرار، سافرا إلى بلدان كثيرة، قبل أن يقرر الوالد ترك زوجته والأولاد في لبنان ليتابع سفره وحيداً، ويغيب طويلاً. يروي كيف وجد نفسه ذاهباً إلى المطار ذات مرة وحيداً، ليستقبل والده الذي يعرفه من صور قديمة، لكنه لم يتمكن من التعرف عليه حين وصل إلى بيروت بين المسافرين، لولا أن الوالد وضع يده على كتفه، وناداه باسمه.
تلك الطفولة التي يحكي منها شذرات كالكلمات المتقاطعة تشي بعلاقات عائلية صعبة، وكثير من البحث عن روحانيات ربما كان يفتقدها. من هنا، بدأ يتلمس طقوسيات الكنائس، حين يرتادها للصلاة أو في الأعياد، وهو ما سيطبع مسرحه طوال حياته. في عيد الفصح، كانت دهشته الأولى وهو يكتشف ستارة سوداء كبيرة جداً ومهابة تغطي جدار الكنيسة، يقف أمامها ويتأمل. ذاك كان أول عهده بالستائر الكبيرة. مرة أخرى، خلال صلاة مسائية باللغة السريانية، وجد نفسه يبكي بكاءً شديداً، ويستغرب لماذا كل هذا التأثر، ليكتشف بعد ذلك عبر أبحاث جاك لاكاريير أنه كان في العصور الوسطى في أوروبا ثمة رهبان بكاؤون، يجتمعون فقط بهدف البكاء معاً لتطهير الروح. القصة المثيرة حقاً في تلك المرحلة المبكرة هي أنه كان لمنير أبو دبس أستاذ في المدرسة، يحرص في عيد البربارة على أن يجعلهم يلعبون ويمثلون وهم يتقمصون شخصيات، ويتنقلون في الغرف لتأدية الأدوار المطلوبة منهم، ولم يكن هذا الأستاذ سوى عاصي الرحباني، الذي سيعود ويعمل أبو دبس معه في بعلبك، ويكتشف وجهاً آخر له، وهو حرصه الشديد على الدقة.
تأثيرات الطفولة والسنوات الأولى ستتطعم بمرور الوقت بمزيد من المذاقات الفنية الأوروبية في أثناء دراسته وعمله في باريس. فإضافة إلى محترف روجيه غايار الذي التحق به، تعرف على ألان كوني في الستينات، وعمل كمساعد لجاك فيلار، الذي سيأتي إلى الفريكة بعد ذلك، ومثله الرسام والنحات ألفونس فيليب الذي انخرط معه في محترفه اللبناني لعشر سنوات، ورسم له الأقنعة التي كانت من عناصر التمثيل المحببة لديه. ومن الذين عمل معهم أيضاً، لكن هذه المرة في بعلبك، مصمم الرقص الأميركي ألوين نيكولاس، حيث يشرح أي تأثير كبير تركه عليه. نيكولاس كانت له فلسفته في حركة الراقص، كان يمكن للانتقال من نقطة إلى أخرى أن تشكل رقصاً، فليس الهدف شدة الحركة بقدر ما تشي به من إيحاءات وتأثيرات في المتفرج، وهو ما سيستفيد منه أبو دبس بعد ذلك للاستغناء عن حركة الأطراف عند الممثل.
الإقامات المكوكية بين لبنان وفرنسا سمحت لأبو دبس بتعميق العمل على مسرحه الطقوسي الميثولوجي، وتطعيمه بأدوات عدة، لكنه بقي سوداوياً معتماً تراجيدياً، وهو ما جعل جيل الستينات المتطلع إلى مسرح من نوع آخر لا يجد معه ما يصبو إليه. روجيه عساف، من ذاك الجيل المؤسس هو الآخر في الستينات، في شهادته في الفيلم يقول دون مواربة: «كثر رفضوا تجربة أبو دبس، وكنت منهم؛ لقد وجدوه غريباً عنهم. المسرح بالنسبة لنا كان مكاناً للتحرير والتحريض، وقول ما نراه في المجتمع، وكان كل هذا غائباً عن مسرحه».
كان أبو دبس يشق دربه على طريقته، من الشعر إلى الرسم فالمسرح فالتلفزيون الفرنسي عام 1959: «لقد كنت فضولياً حقاً. كان التلفزيون شيئاً جديداً جداً. ومع هذا، وجدتني أذهب مع أصدقاء من جامعة السوربون لأعمل هناك»، حيث كان مسؤولاً عن قسم الدراما، ويعمل مساعد مخرج وممثلاً في وقت واحد. ويوم ذهب مؤسس تلفزيون لبنان، رينيه أوري، طالباً العون والمشورة من مكتب الإذاعة والتلفزيون في باريس، أعلموه بوجود موظف لبناني يعمل في قسم الدراما. بعدها بمدة، طلبت سلوى السعيد من أبو دبس، لو بمقدوره، العودة إلى لبنان، والعمل مع مهرجانات بعلبك، وعرضت عليه إعطاءه مقراً في رأس بيروت، وميزانية صغيرة. هكذا، ولد «معهد التمثيل الحديث»، ومنه تخرج كثر صاروا كباراً ومؤسسين هم أنفسهم، من أنطوان كرباج إلى ريمون جبارة، ورضا خوري، وميشال نبعة، وميراي معلوف، هذه الممثلة التي تتحدث في مطلع الفيلم عن علاقتها بأبو دبس، لتقول إنه علمها الصمت الذي سيبقى عالقاً في ذهنها كلما صعدت إلى الخشبة. أما أنطوان كرباج، فيصفه بأنه أستاذه، معه اكتشف كيف عليه أن يحرك عضلاته، ويتحكم بها واحدة واحدة، وكيف يكتشف دواخله وعواطفه. ومعلوم أن أبو دبس عمل أيضاً على إخراج أعمال لشكسبير، والكثير من الأعمال اليونانية القديمة، وكان هذا ولعه. وحين نسأل المخرجة باسيل ما الذي دفعها إلى إخراج هذا الفيلم بهذه الحساسية والفنية، وهو الأول لها، تقول: «ما ربطني بأبو دبس هو الشعر، وتحديداً سوفوكل. والشاعرية جزء مهم من الفيلم الذي صور وأنتج بإتقان، من بدايته إلى منتهاه، حيث يختتم بشعر وموسيقى، ويبقي المتفرج مشدوداً إلى الشاشة حتى اللحظة الأخيرة».



الجوال في مصر… مجرد هاتف أم شارة اجتماعية؟

أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)
أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)
TT

الجوال في مصر… مجرد هاتف أم شارة اجتماعية؟

أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)
أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)

لا ترى مها موسى، وهي أم ثلاثينية وموظفة إدارية في إحدى السلاسل الغذائية، أن تخصيصها مبلغ ألف جنيه مصري قسطاً شهرياً لهاتف «آيفون 17 برو ماكس» أمر في غير محله. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أن لونه البرتقالي المميز كان لافتاً للنظر عند إصداره، ويميز من يحمله بشكل واضح، لكنني لم أشتر الهاتف لهذا السبب فقط؛ فهو يوفر لي مزايا كثيرة أستخدمها يومياً، من بينها جودة التصوير وتطبيقاته، والأهم بالنسبة إليّ هو الأمان وحماية البيانات، فضلاً عن احتفاظه بكفاءته وقيمته لسنوات».

وتضيف موسى، التي تسدد أقساط هاتفها منذ نحو عام، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «زوجها، وهو موظف في أحد البنوك، يستخدم (آيفون) أيضاً، وأن كليهما اعتاد نظام تشغيله وإمكاناته مقارنة بنظام (أندرويد)».

واستقبل سوق المحمول في مصر إعلان شركة «أبل» طرح هاتفي «آيفون 18 برو» و«آيفون 18 برو ماكس»، في 9 سبتمبر (أيلول) الحالي، بكثير من الفضول والجدل بشأن أسعارهما، قبل فتح باب الحجز المسبق عليهما، للمرة الأولى في مصر، بالتزامن مع بدء الحجز عالمياً، على أن يبدأ تسليم الأجهزة في 18 سبتمبر الحالي.

هاتف «آيفون 18 برو ماكس» (الشرق الأوسط)

وتبدأ أسعار «آيفون 18 برو ماكس» في مصر بالعملة المحلية من 107.5 ألف جنيه (الدولار يعادل 51.3 جنيه مصري) للنسخة ذات سعة 256 غيغابايت، وترتفع إلى 129.9 ألف جنيه لسعة 512 غيغابايت، ثم إلى 165.5 ألف جنيه لسعة تيرابايت واحد، فيما يصل سعر النسخة الأعلى، بسعة 2 تيرابايت إلى 215.5 ألف جنيه.

ومع إعلان الأسعار المحلية، التي تتجاوز في نسخ منها 200 ألف جنيه، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بمحتويات «ساخرة» من الأرقام المتداولة.

وترى الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع، أن «الهواتف مرتفعة السعر لم تعد مجرد وسيلة للاتصال أو جهازاً تُقاس قيمته بما يقدمه من وظائف لدى بعض الفئات؛ وإنما أصبح رمزاً اجتماعياً يحمل دلالات تتعلق بالمكانة والقدرة المادية والانتماء إلى نمط حياة معين. ولهذا يحظى طرح الإصدارات الجديدة بكل هذا الاهتمام، حتى عندما تكون الفروق في الاستخدام الفعلي محدودة بالنسبة إلى بعض المشترين».

ورغم ذلك، تشدد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «هذه الفرضية لا يمكن تعميمها على جميع مقتني الهواتف مرتفعة الثمن؛ فهناك من يحتاج إلى إمكاناتها في عمله، وهناك من يستطيع شراءها من دون أن تشكل عبئاً عليه. لكن قطاعاً آخر يتعامل معها بوصفها أداة لتقديم الذات أمام الآخرين، وقد يلجأ إلى الاستدانة أو التقسيط على مدد زمنية طويلة، وليس بالضرورة لأنه يحتاج إلى جميع خصائص الجهاز».

أسعار أحدث إصدارات هواتف الآيفون في مصر تثير ضجة (إ.ب.أ)

ويقدم عبد الفتاح عطية، صحافي مصري، نموذجاً للاستخدام المهني للهاتف، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أستخدم هاتف (آيفون 15 برو ماكس) في عملي، يساعدني في التصوير والمونتاج ومهام الصحافة والإعلام، إلى جانب تطبيقات التواصل المميزة المقتصرة على مستخدمي الآيفون، بجانب تشغيل البرامج والتطبيقات المختلفة».

ويؤكد عطية أنه رغم ثمن الهاتف المرتفع جداً في مصر، فإن إمكاناته تستحق ذلك المبلغ، لافتاً إلى أنه استغنى عن كاميرته الاحترافية، منذ عامين بسبب اعتماده الكامل على كاميرا الهاتف المتطورة، وميكروفونات الصوت الحديثة، وحامل الهاتف (الجامبل) الذي يسهل مهمات التصوير. لكن عطية في المقابل لا ينفي حرص كثير من المصريين على حمل هواتف باهظة الثمن من أجل التباهي والتفاخر بحمل أحدث إصدار من الهاتف من دون معرفة كل إمكاناته، ولا التطبيقات ولا البرامج التي يتيحها، ومن بينها برنامج المونتاج «آي موفي».

وتعدّ مصر منصة مهمة في مجال تصنيع الهواتف المحمولة عربياً وأفريقياً، لكنها لا تصنع الهواتف باهظة الثمن أو الفئات الرائدة، بل يقتصر التصنيع والتجميع المحلي حالياً على الهواتف الاقتصادية والمتوسطة، التي تلبي الاستخدام اليومي الأساسي بأسعار تنافسية.

وتضم السوق المصرية مصانع وخطوط إنتاج لشركات عالمية ومحلية، أبرزها «سامسونغ»، «شاومي»، «أوبو»، «فيفو»، «ريلمي»، «إنفينكس».

وقبل عامين، كشف رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن حكومته تعمل على إقناع شركة «أبل» الأميركية بتصنيع هواتفها في مصر، إلا أنه لم يتم الوصول إلى اتفاق رسمي بعد في هذا الشأن.

جانب من الإعلان عن أحدث هواتف شركة أبل الأميركية (إ.ب.أ)

ويشير عمرو الصاوي، مدير أحد متاجر بيع الهواتف المحمولة في منطقة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، إلى أن «تفاوت أسعار (آيفون) في السوق المصرية يعود إلى اختلاف سعة التخزين ومصدر الجهاز والضمان، إلى جانب الضرائب والرسوم المفروضة على الهواتف الواردة من الخارج، التي تقدر بنحو 30 في المائة من قيمة الجهاز». كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

ووفقاً لأحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، الصادرة عن نشاط التمويل الاستهلاكي حتى نهاية يونيو (حزيران) 2026، بلغت تمويلات شراء الهواتف المحمولة نحو 3.45 مليار جنيه خلال النصف الأول من العام، بما يمثل 4.8 في المائة من إجمالي التمويل الاستهلاكي خلال الفترة نفسها، من بينها نحو 1.2 مليار جنيه خلال يونيو وحده.

ويقول الصاوي: «تُشترى نسبة كبيرة من هواتف (آيفون برو ماكس) بالتقسيط، بفضل أنظمة السداد الإلكتروني المتاحة، لتجعل اقتناءها ميسوراً لمن لا يستطيع دفع ثمنها كاملاً. ورغم أن هناك عملاء يشترون الهاتف للاستفادة من خصائصه، فإن قطاعاً آخر يحرص على حمل جهاز غالٍ باعتباره علامة على الوجاهة، رغم أنه قد لا يعرف كثيراً من إمكاناته أو لا يستخدمها، سواء اشتراه نقداً أو بالتقسيط».

ويضيف الصاوي: «عادةً ما يظل مستخدم (آيفون) متمسكاً به لاعتياده نظام التشغيل وما يوفره من أمان وجودة تصوير وتحديثات، كما يحتفظ الهاتف بقيمة جيدة عند إعادة بيعه؛ لذلك يشتريه البعض وهم يعرفون أنهم سيتمكنون لاحقاً من بيعه وإضافة فارق السعر للحصول على إصدار أحدث، فيما تتيح سوق المستعمل اقتناءه لمن لا يستطيع شراء جهاز جديد».

ويتمتع أصحاب هواتف «آيفون» بإمكانية نقل كل المواد بسهولة من الأجهزة القديمة إلى الجديدة في دقائق معدودة.

تباين كبير بين أسعار الهواتف المحمولة في مصر والخارج (أ.ف.ب)

ولا تنفرد منتجات «أبل» بالأسعار المرتفعة؛ إذ تضم السوق هواتف فاخرة من علامات أخرى تقارب 100 ألف جنيه، لكن الحضور الواضح لـ«آيفون برو ماكس»، إلى جانب سهولة التعرف إلى تصميمه، ما جعله المثال الأكثر حضوراً في النقاش بشأن الهاتف، بوصفه علامة على المكانة الاجتماعية.

وتعتبر سارة الشاذلي، خبيرة علم الاجتماع، أن «وسائل التواصل الاجتماعي رفعت سقف المقارنة بين الأفراد، فلم يعد الشخص يقارن نفسه بمن يشبهونه في الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وإنما يقارن مقتنياته، بما تحمله من علامات تجارية، بمقتنيات مؤثرين يعرضون هواتف وسيارات وأغراضاً منزلية تكون عادةً مهداة إليهم بوصفها وسيلة للترويج».

وترتفع أسعار الهواتف المحمولة في مصر بشكل ملحوظ، مقارنة بالأسواق الخارجية بسبب فرض رسوم جمركية وضريبية تصل إلى 38 في المائة على الواردات، وإلغاء الإعفاء الجمركي الشخصي.

وتضيف الشاذلي: «الطبقات الاجتماعية متفاوتة بطبيعتها في الدخل، وبالتالي في أنماط الاستهلاك، لكن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت رموز كل طبقة معروضة باستمرار أمام الجميع، علاوة على تطبيقات التقسيط التي تسهل الوصول إلى السلع من دون امتلاك ثمنها كاملاً، رغم ما تفرضه من فوائد وأعباء، ويمثل (آيفون) منذ سنوات هذا النموذج، بما يجسده لدى كثيرين من طموح مادي واجتماعي، حتى إن لم يكونوا يستفيدون عملياً من تطبيقاته وإمكاناته التكنولوجية».


«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)
رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)
TT

«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)
رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)

الشرق الأوسط في مهرجان فينيسيا (8)

في فيلم مي الطوخي السابق «ملكة القلوب» (Queen of Hearts، 2019)، الذي فاز بـ9 جوائز «روبرت» (ما يوازي الأوسكار دنماركياً)، طرحت المخرجة موضوعاً عاطفياً شائكاً حول امرأة تقيم علاقة مع ابنها بالتبنّي. وفي فيلمها الجديد «امرأة مجهولة» (Woman Unknown)، الفائز بذهبية الدورة الـ83 من مهرجان «فينيسيا»، تواصل استكشافها العوالم العاطفية المعقّدة، من خلال مسيرة امرأة أخرى وقضية لا تقلّ جدّية.

ماتيلدا أرسل في «امرأة مجهولة» (نورديسك فيلم بروكشنز)

بطلتها هنا خادمة ووصيفة، وهي على مشارف حياة جديدة حال زواجها من كريستيان (كارستن بيورلند)، صاحب مصنع الملابس حيث تعمل خادمة. لا نرى أثراً لحب عميق، بل حاجة عاطفية لدى كل منهما إلى الآخر، يُراد لها أن تنتهي بزواج. إنها سنوات ما بعد رحيل النازيين من الدنمارك في الأربعينات، لكن ماري (ماتيلدا أرسل، التي فازت بجائزة أفضل ممثلة) لديها ماضٍ لا تريد نبشه، لولا أن الماضي يكشف عن نفسه ويضعها في مواجهة حادّة مع حاضرها ومستقبلها أيضاً.

كانت ماري متعاونة مع النازيين قبل الحرب العالمية الثانية. لا تمنح مي الطوخي بطلتها العذر وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى منح جميع الدنماركيات اللواتي أقمن علاقات مع جنود وضباط نازيين ذلك العذر. وتُصوّر نساء أخريات يعشن تجربة ما بعد تحرير الدنمارك، ومعاملة المجتمع لهن بإجحاف.

ماتيلدا أرسل بجائزة أفضل ممثلة ومي الطوخي الفائزة بـ«الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (رويترز)

يقفز الماضي مجدداً إلى حياة ماري عندما تلتقي، من دون موعد، بكارل (ثيوبورن هدجغارد)، الذي يعرف سرَّها ولا ينوي أن يصمت عنه إلا بشروط. وينقلب حلم ماري بالانتقال إلى مرتبة اجتماعية، حال تصبح زوجة كريستيان، رأساً على عقب. فبعد أن يرسم كارل «الصليب المعقوف» على بوابة المصنع، لن تستطيع ماري إبقاء حياتها السابقة سرّاً، وستتحول أحلامها بتجاوز الطبقية والارتقاء من عشيقة كريستيان إلى زوجته إلى وضع خطر.

هناك أكثر من فيلم دنماركي تناول هذا الموضوع سابقاً، من بينها «امرأة في برلين» (A Woman in Berlin) لماكس فاربربوك، الذي فاز بجائزة مهرجان «سانتا باربرا» سنة 2009. لكن هذا الفيلم من أكثرها مباشرة في تناول الوضع، ولو أنه يعتمد على أداء بطلته لسرد كامل حكايتها أكثر مما ينجح في موازاة تجربتها بالوضع التاريخي الذي يتحدَّث عنه، أو فتح نوافذ لتكبير الصورة من حولها.

وإذ توزَّعت الجوائز بقدر كبير من الشمولية، استحق الروسي إيليا خرزانوفسكي جائزة أفضل مخرج عن «داو»، وجون مالكوفيتش بوصفه أفضل ممثل عن «وايلد هورس ناين». وكان متوقعاً أن يفوز «نازا» بجائزة أساسية، فنال جائزة لجنة التحكيم الخاصة.


جون مالكوفيتش: لا أستطيع تجسيد شخصية لا أجد نفسي فيها

جون مالكوفيتش في «وايلد هورس ناين» (بلوبرينت بيكتشرز)
جون مالكوفيتش في «وايلد هورس ناين» (بلوبرينت بيكتشرز)
TT

جون مالكوفيتش: لا أستطيع تجسيد شخصية لا أجد نفسي فيها

جون مالكوفيتش في «وايلد هورس ناين» (بلوبرينت بيكتشرز)
جون مالكوفيتش في «وايلد هورس ناين» (بلوبرينت بيكتشرز)

لم يكن فوز الممثل الأميركي جون مالكوفيتش مفاجئاً. ليس فقط لأن تاريخه يشهد له بجدارة موهبته وتفرّده بمزج أسلوب تمثيله بشخصيات أدواره، ما يجعل من مجمل أعماله حالة تصلح لدراسة تاريخه ومنواله في الأداء، بل هناك أيضاً هذا الدور الخاص (والمتخصص) الذي قام به في «وايلد هورس ناين». دور عميل للمخابرات الأميركية لا يخفي خلفيته، وقد أمضى عقوداً طويلة يعمل جاسوساً ومسؤولاً عن اغتيالات وقلب حكومات، ويحاول الآن أن ينجز نهاية مثالية: يريد وضع كتاب حول أسرار الـ«سي آي إيه» والانتحار.

جرت هذه المقابلة قبل فوزه بجائزة أفضل ممثل بنحو أسبوع، بعد مشاهدة فيلمه هذا؛ إذ كان واضحاً أن هذه الجائزة المهمّة لن تجد بين ممثلي أفلام المسابقة من هو أجدر بها منه.

جون مالكوفيتش في مهرجان «فينيسيا» (أ.ب)

• خلال فترة التحضير، كاد دورك يذهب إلى كريستوفر وولكن، الذي لم يُتح له قبول الدور لارتباطه بأعمال أخرى. وهناك، بكل تأكيد، اختلاف كبير بين طريقتك في أداء الشخصية وطريقة أداء أي ممثل آخر لها.

- أولاً، كريستوفر ممثل ممتاز بدوره، لكن لكل ممثل طريقته في أداء أي دور. هذه الطريقة تعود إلى اللغة التي يستخدمها لتمثيل الشخصية التي يؤديها. بالطبع، كان الأمر سيكون مختلفاً. لا أعتقد أن ممثلين يستطيعان أداء شخصية واحدة بالطريقة نفسها، وبالتالي ستختلف النتيجة.

• كيف حصل التفاهم بينك وبين المخرج مارتن ماكدونا على الدور؟

- عبر السيناريو أولاً. أُعجبت كثيراً بالشخصية كما كتبها ماكدونا. هي مليئة بالعناصر التي تدفع الممثل إلى التعبير عنها بطريقته الخاصّة.

• عمَّ تبحث في السيناريوهات التي تُطرح عليك؟

- أبحث عن الشخصية التي يعرضها المخرج عليَّ. لا أستطيع تمثيل شخصية مطروحة، أو، زيادةً في التأكيد، إذا لم أجد فيها مجالاً لكي أكون أنا فيها. هناك شخصيات كثيرة مهمّة في أفلام عديدة لا أجد فيها شيئاً يُثيرني. لكن هذا، دعني أكون واضحاً، ليس وضعاً خاصاً بي، بل وضع أي ممثل جيّد يريد إثراء تجربته كـ«دراميست»، ويبحث عن معنى يستطيع إضافته إلى الفيلم.

• هناك فيلم باسمك عنوانه «أن تكون جون مالكوفيتش» (Being John Malkovich)، أُنتج سنة 1999. كيف حُضِّر هذا الفيلم، ولماذا تعتقد أنك أنت النموذج الذي استخدمه العنوان؟

- ربما كلمة «نموذج» ليست صحيحة. ما حدث هو أن تشارلز كوفمان كتب السيناريو وأرسله إلى فرنسيس فورد كوبولا، الذي حوَّله إلى المخرج سبايك جونز، الذي أُعجب به وحقَّقه. هل شاهدت الفيلم؟

• نعم.

- حسناً. إذن، في الحكاية، يجد الموظف تشارلي شين ممراً في الشركة التي يعمل بها يؤدي إلى عقل جون مالكوفيتش.

• لكن لماذا أنت وليس سواك من الممثلين؟ أعتقد أن ذلك يعود إلى أنك، في تلك الفترة، برهنت على موهبة متفرّدة في الأداء.

- لا أدري كيف أجيب عن هذا السؤال. إذا كنت تقول ذلك فليكن (يضحك). سعيد بأن أسمع ذلك.

• دعني آخذك إلى دور يدل على فرادتك التي أتحدَّث عنها. ليس دوراً كبيراً في الفيلم، لكنه مهمّ. أنت من يدبّر خطّة لاغتيال رئيس الجمهورية في فيلم سابق لـ«أن تكون جون مالكوفيتش» بـ5 سنوات، وهو «في خط النار». أذكر جيّداً المشهد الذي تنتهي فيه من صنع مسدس خشبي، وعند أول مناسبة تطلق رصاصة منه وتقتل رجلاً. تفعل ذلك من دون أدنى انفعال... ببرودة وعفوية.

- هذا لأنني لا أجيد إلا ما أفعله. ربما كان المتوقَّع منِّي أن أنفعل قليلاً أو أن أعبِّر عن غضب لاكتشاف أمري، مثلاً، لكن هذا كان سيؤدي بي إلى تمثيل جاهز لا أستطيع أن أنفّذه. لقد حاولت دائماً أن أدخل الشخصيات مستطلعاً، لا حاكماً. هذا يمنعني من تمثيل ما كان يتوقّعه آخرون منّي في ذلك الحين أو قبله.

جون مالكوفيتش في مشهد من فيلم «وايلد هورس ناين» (أ.ب)

• هو أيضاً مؤشر إلى نوعية أدائك، وكما ذكرت، لا تحكم على شخصياتك، بل تؤديها كما لو كانت حرّة. تفعل ما تريد من دون موقف إيجابي أو سلبي منها.

- أظن أنك تقرأ أدواري جيداً.

• وهذا ما يتكرَّر في «وايلد هورس ناين». أنت عميل للمخابرات الأميركية، لست ضدها ولست معها، لكنك نفَّذت عملياتها بإتقان لنصف قرن. أعتقد أن ذلك صعب الأداء بحد ذاته. هل توافق؟

- لو تبنَّيت مفهوماً كهذا، لكان ما ذكرت هو الطريقة الوحيدة لأدائه. نعم، كريس لا يعير المواقف أي اعتبار. ليس مع وليس ضد. منفِّذ جيِّد في عمله. فقط حين يبدأ بمراجعة ما قام به، نراه ينفصل عن اعتباراته الحيادية تلك. في داخله يعرف الصواب من الخطأ. عنده إلمام كامل بما قام به، لكنه كان قد وافق على أن يكون منفّذاً جيّداً، وبمجرّد أن وافق على ذلك، لم يعد لنظرته الشخصية أي مكان.

• غريب أمره. هو شخص منطلق وطبيعي وحذر وذكي في آن واحد، لكنك لا تُبرز هذه الخصال، بل تتركها تعلن عن نفسها.

- أشكرك... لكن لا تنسَ الحوار. فهو يلعب دوراً في الإعلان عنها. أيضاً، طريقة الإلقاء جزء من التمثيل.

• المشهد الأخير من الفيلم مؤثر جداً... كيف تشعر حياله؟

- يخدم تماماً ما دار الفيلم حوله. إنها نهاية مثالية، ونعم... أعتقد أنها مؤثرة جداً.

• لديك خلفية مسرحية سبقت التمثيل للسينما والتلفزيون. هل كان لها تأثير في أسلوبك في التمثيل؟

-في الواقع، ما إن يبدأ الممثل عمله، سواء على المسرح أو أمام الكاميرا، حتى يؤسس لما سيمارسه في معظم أعماله. من الطبيعي أن يكون دوري في «موت بائع متجوِّل» (قدّمه على المسرح سنة 1982) مختلفاً عن أدوار آخرين كثيرين لعبوا هذه الشخصية. التمثيل مفهوم وقرار يؤديهما الممثل بالطريقة التي يختارها لبلورة عمله.