الأسد يثني على دعم إيران وروسيا والصين و«أوفياء المقاومة اللبنانية»

أدى اليمين الدستورية في قصر الشعب لسبع سنوات جديدة في الرئاسة

يد بشار الأسد على المصحف أثناء ادائه اليمين الدستورية في القصر الرئاسي بدمشق أمس (رويترز)
يد بشار الأسد على المصحف أثناء ادائه اليمين الدستورية في القصر الرئاسي بدمشق أمس (رويترز)
TT

الأسد يثني على دعم إيران وروسيا والصين و«أوفياء المقاومة اللبنانية»

يد بشار الأسد على المصحف أثناء ادائه اليمين الدستورية في القصر الرئاسي بدمشق أمس (رويترز)
يد بشار الأسد على المصحف أثناء ادائه اليمين الدستورية في القصر الرئاسي بدمشق أمس (رويترز)

وصف الرئيس السوري بشار الأسد الحرب التي تخاض ضد بلاده بأنها «حرب قذرة»، محذرا الدول التي «تدعم الإرهاب» بأنها «ستدفع ثمنا غاليا». وعد أن نتائج الانتخابات الرئاسية كانت «استفتاء ضد الإرهاب»، متعهدا السير بـ«ضرب الإرهاب من دون هوادة والقيام بمصالحات محلية لمن يريد العودة عن الطريق الخاطئ».
وأعلن الأسد، الذي أدى أمس اليمين الدستورية في قصر الشعب محددا في خطاب القسم الخطوط العريضة لولايته الرئاسية الثالثة، إن مكافحة الفساد وإعادة الأعمار ستكونان أولوية عمله في المرحلة المقبلة، مثنيا على دعم إيران وروسيا والصين وكذلك من وصفهم بـ«أوفياء المقاومة اللبنانية»، في إشارة إلى حزب الله. كما شن هجوما عنيفا على تنظيم «الإخوان المسلمين»، واصفا إياهم بـ«الشياطين»، لافتا إلى أن «استغلال الدين والإرهاب وجهان لعملة واحدة».
وكان الأسد وصل قرابة الساعة الثانية عشرة والنصف من ظهر أمس إلى الباحة الخارجية لقصر الشعب الواقع على تلة مشرفة على العاصمة في شمال غربي دمشق، على متن سيارة «بي إم دبليو» سوداء اللون، قبل أن يستعرض حرس الشرف على سجادة حمراء، ويدخل القصر ليؤدي اليمين أمام نحو ألف مدعو بينهم نواب ووزراء وضباط.
ولم يأت خطاب الأسد مغايرا لما توقعه محللون في وقت سابق، لناحية تقديم نفسه «خشبة الخلاص» من الإرهابيين واعتزازه بنتائج الانتخابات الرئاسية، في وقت سارع فيه الائتلاف السوري المعارض على لسان أمينه العام نصر الحريري إلى التأكيد على أن «محاربة الإرهاب وضربه وإعادة الاستقرار إلى سوريا يعني في المقام الأول العودة إلى ثوابت الثورة ومبادئها وإلى ما أراده السوريون عندما انطلقوا في ثورة الحرية والكرامة».
وقال الحريري، ردا على ما أورده الأسد في خطابه، إنه «لا مكان لإعادة الأمان إلا انطلاقا من إسقاط النظام ورموزه ومحاكمة المجرمين»، لافتا إلى أن «جميع السوريين يعرفون أن الأسد الذي يتشدق بالحوار في خطابه كان أول من صنع مشاهدا تمثيلية للحوار في دمشق كمحاولة للتغطية على جرائمه، ثم شارك في مؤتمر جنيف ولم يكن جديا فماطل وسوّف ولعب على عنصر الوقت فيما يحمل خلف ظهره خنجر الإرهاب ويروج له ويدعمه ليطعن به السوريين والمنطقة برمتها». وشدد على أن «العامل الداخلي الذي يتحدث عنه الأسد لا يمكن التركيز عليه إلا في دولة المواطنة التي ننشدها جميعا، أما الحديث عن المصالحات في الداخل تحت أزيز الطائرات وهدير الدبابات فما هو إلا حديث مكشوف وفاشل للتصدير الإعلامي ولكن لم يعد يقع في مصيدته أحد».
وكان الرئيس السوري استهل خطاب القسم بتهنئة سوريا على شعبها الذي عده «تحدي كل أشكال الهيمنة والعدوان بكل الوسائل التي يملكها»، مشيرا إلى أن «المشاركة الكبيرة في الانتخابات كانت استفتاء لصالح السيادة ضد الإرهاب بكل أشكاله». وقال: إن «الانتخابات الرئاسية كانت لكثير من السوريين كالرصاصة التي يوجهونها إلى صدور الإرهابيين ومن وراءهم».
ووصف الأسد ما تتعرض له بلاده منذ أكثر من 3 سنوات بأنه «عدوان من الخارج بأدوات داخلية»، حاملا على استخدام «مصطلح الحرب الأهلية لوصف ما يحصل في سوريا». ورأى أن ذلك «ليس إلا محاولة لإعطاء الإرهابيين غطاء شرعيا كطرف في خلاف بين السوريين أنفسهم وليس كأداة خسيسة بيد الخارج».
وقال الأسد، الذي قاطع الحاضرون خطابه بالتصفيق مرارا: «إننا منذ بداية الأحداث حذرنا بأن ما يحصل هو مخطط لن يقف عند حدود سوريا بل سيتجاوزها منتشرا عبر انتشار الإرهاب الذي لا يعرف حدودا». وتابع: «حينها قال البعض الرئيس السوري يهدد العالم. حينها تحدثت عن خط الزلازل الذي يمر في سوريا وقلت إن المساس بهذا الخط سيؤدي لزلازل لن تتوقف ارتداداتها في سوريا ولا عند الجوار بل ستذهب لمناطق بعيدة عدوا أن الرئيس السوري يهدد لمجرد التهديد».
وفي موازاة تحذيره من أن «الدول العربية والإقليمية والغربية التي دعمت الإرهاب ستدفع هي الأخرى ثمنا غاليا»، سأل الرئيس السوري: «أليس ما نراه في العراق اليوم وفي سوريا ولبنان وفي كل الدول التي أصابها داء الربيع المزيف من دون استثناء، هو الدليل الحسي الملموس على مصداقية ما حذرنا منه مرارا وتكرارا؟».
ووجه الأسد انتقادات لاذعة إلى تنظيم «الإخوان المسلمين»، الذي كان والده الرئيس الراحل حافظ الأسد قضى على حراكه السياسي في الثمانينات، وسأل: «هل كان علينا انتظار ثلاثين عاما حتى يأتي قاطعو الرؤوس وآكلو القلوب والأكباد لكي نكتشف أن استغلال الدين والإرهاب وجهان لعملة واحدة». وأضاف: «ألم تكن تجربة إخوان الشياطين الإجرامية في الثمانينات كافية لنتعلم الدروس». وذكر الأسد بما قاله في بداية الأزمة لدى حديثه عن «إخوان الشياطين» قائلا: «قام البعض بالتعليق بأنه لم يترك شعرة، ربما نحاورهم، لماذا يقول عنهم شياطين وهم حزب؟ يجب أن يقول عنهم الرئيس (إخوان مسلمين)». وأضاف: «نحن نعتذر من هؤلاء. لا يجوز أن نسميهم الإخوان الشياطين يجب أن نسميهم الشياطين لأن القتل والإرهاب والفساد والفتنة وكل الموبقات هي من وساوس الشيطان».
وعلى خط المصالحات، كرر الأسد دعوته «لمن غرر بهم إلى أن يلقوا السلاح، لأننا لن نتوقف عن محاربة الإرهاب وضربه أينما كان حتى نعيد الأمان إلى كل بقعة في سوريا»، موضحا أنه «لا يهمنا من خرج خائنا أو عميلا أو فاسدا، فقد نظفت البلاد نفسها من هؤلاء، ولم يعد لهم مكان ولا مكانة لدى السوريين». ووصف «من ينتظر انتهاء الحرب من الخارج بأنه واهم»، لافتا إلى أن «الحل السياسي» كما يسمى اصطلاحا يبنى على المصالحات الداخلية التي أثبتت فاعليتها في أكثر من مكان. وأكد «الاستمرار بهذا المسار لما يعنيه ذلك من حقن لدماء السوريين وعودة الأمان والمهجرين وعودة الإعمار وقطع الطريق على أي مخططات خارجية تؤسس على ثغرات داخلية».
وشدد الأسد على أن «المصالحات الوطنية لا تتعارض ولا تحل محل الحوار الوطني الذي بدأته الدولة مع مختلف القوى السياسية والحزبية والفعاليات الاجتماعية وستستمر به بانفتاح تجاه كل الأفكار»، لكنه جزم بأنه «إن كانت الدولة قد مدت يدها للحوار مع الجميع منذ بداية الأزمة، فاليوم وبعد هذا الاختبار الوطني القاسي والغالي الثمن، فإن هذا الحوار لا يشمل القوى التي أثبتت لا وطنيتها، فتهربت من الحوار في البدايات، وراهنت على تغير الموازين، وعندما خسرت الرهان قررت تغيير دفة الاتجاه كي لا يفوتها القطار». وقال: إن «تلك القوى ادعت الوطنية والخوف على البلاد في الوقت الذي حاولت بمواقفها إعطاء الغطاء للإرهابيين مقابل وعود أو أموال أتتهم من الخارج»، موضحا في الوقت ذاته أن «القوى العميلة علنا فلا نحاورهم كسوريين بل كممثلين للدول التي يدينون بالولاء لها وينطقون بلسانها».
وفي موازاة إشارته إلى «إنجازات كبيرة جدا حققناها في الفترة الماضية في حربنا على الإرهاب»، في إشارة إلى التقدم الميداني في بعض المناطق، لم ينكر الأسد خروج محافظتي الرقة وحلب عن سيطرة قواته. وقال في هذا السياق: «لم ولن ننسى الرقة الحبيبة»، في إشارة إلى معقل تنظيم «الدولة الإسلامية» شمال سوريا، التي تعهد بـ«أننا سنخلصها من الإرهابيين». وأضاف: «وأما حلب الصامدة (كبرى مدن الشمال) وأهلها الأبطال، فلن يهدأ بالنا حتى تعود آمنة مطمئنة».
ووجه الأسد شكرا إلى الدول والقوى الداعمة له، وفي مقدمها حزب الله اللبناني، بقوله: «لا ننسى الأوفياء من أبناء المقاومة اللبنانية الأبطال الذين وقفوا جنبا إلى جنب مع أبطال جيشنا وخاضوا المعارك المشرفة سوية على طرفي الحدود، وقدموا الشهداء دفاعا عن محور المقاومة». وتابع: «تحية لهم ولكل عائلة شهيد منهم بادلتنا الوفاء بالوفاء واعتبرت واجب الوقوف مع سوريا كواجب الدفاع عن جنوب لبنان». كما وجه «الشكر لإيران وروسيا والصين»، بوصفها «دولا احترمت قرار الشعب السوري وإرادته طوال ثلاث سنين ودافعت بحق عن مواثيق الأمم المتحدة في احترام سيادة الدول وعدم التدخل بشؤونها الداخلية».
من جهة أخرى، أكد الأسد «أولوية مكافحة الفساد»، وأشار إلى أن «إعادة الإعمار عنوان اقتصاد المرحلة المقبلة»، لافتا إلى «أننا سنركز جميعا جهودنا على هذا الجانب مع العمل بشكل متواز على ترميم كل القطاعات الأخرى التي ستكون مكملة وداعمة لإعادة الإعمار».



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.