«طالبان» تعلن إسقاط مروحية عسكرية... وتفجير استهدف الاستخبارات الأفغانية

صواريخ أميركية لتطوير قدرات الجيش وتنسيق أمني بين كابل وإسلام آباد

جنود أميركيون خلال دورية ضد عناصر تنظيم «داعش» في منطقة داه بالا في مقاطعة نانغرهار شرق أفغانستان (أ.ف.ب)
جنود أميركيون خلال دورية ضد عناصر تنظيم «داعش» في منطقة داه بالا في مقاطعة نانغرهار شرق أفغانستان (أ.ف.ب)
TT

«طالبان» تعلن إسقاط مروحية عسكرية... وتفجير استهدف الاستخبارات الأفغانية

جنود أميركيون خلال دورية ضد عناصر تنظيم «داعش» في منطقة داه بالا في مقاطعة نانغرهار شرق أفغانستان (أ.ف.ب)
جنود أميركيون خلال دورية ضد عناصر تنظيم «داعش» في منطقة داه بالا في مقاطعة نانغرهار شرق أفغانستان (أ.ف.ب)

أعلن الجيش الأفغاني سقوط مروحية تابعة له ومقتل خمسة أشخاص كانوا على متنها، بمن فيهم الطيار، في حادثة سارعت حركة «طالبان» إلى إعلان المسؤولية عنها.
وقال بيان للجيش الأفغاني إن الطائرة سقطت في ولاية فراه غرب أفغانستان بينما كانت تقل عناصر أمنية من المنطقة. وقال ناصر مهري الناطق باسم حاكم ولاية فراه إن الطائرة سقطت بسبب خلل فني، مضيفا أن كل من كانوا على متن المروحية بمن فيها قائدها لقوا مصرعهم في الحادث. كذكلك أكدت وزارة الدفاع الأفغانية في كابل سقوط الطائرة، وقالت إن تحقيقا بدأ حول أسباب سقوطها. وقالت وكالة أنباء «خاما بريس» الأفغانية المقربة من وزارة الدفاع إن نبأ سقوط المروحية جاء متزامنا مع إعلان «طالبان» عن إسقاط المروحية في ظل عمليات واسعة النطاق تخوضها قوات الحركة في ولاية فراه.
وكانت «طالبان» أعلنت في بيان إسقاط المروحية مساء أول من أمس وهي من طراز «إم آي 17» تابعة للقوات الأفغانية بعد استهدافها بصاروخ، مشيرة إلى انها كانت تحلق على ارتفاع منخفض في منطقة رينج التابعة لمديرية خاك سفيد في ولاية فراه. ونشرت «طالبان» صور فيديو للمروحية بعد سقوطها وظهرت فيها جثث القتلى وحطام الطائرة، وقال بيان «طالبان» إن الطائرة كان على متنها طياران ومساعدهم وجنديان من القوات الخاصة الأفغانية.
في غضون ذلك، أعلنت الحكومة الأفغانية أن عددا من رجال الاستخبارات لقوا مصرعهم فيما أصيب آخرون بعد تفجير تعرضت له وحدة من الاستخبارات في ولاية بروان شمال شرق كابل. وقالت المتحدثة باسم مجلس الولاية وحيدة شاه كار إن الحادث أودى بحياة ما لا يقل عن أربعة أفراد من الاستخبارات، فيما أصيب آخرون بعد انفجار وقع في منطقة خالازي. وحسب ما أوردته الناطقة باسم مجلس الولاية فإن الانفجار نجم عن ألغام مزروعة على حافة الطريق. وقال مسؤول أمني في المنطقة إن أربعة من رجال الاستخبارات ومدنيا لقوا مصرعهم جراء التفجير. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن التفجير، لكن اعتاد مقاتلو طالبان على نصب كمائن وزرع ألغام للقوات الحكومية في مناطق كثيرة من أفغانستان، فيما تتجه أنظار الحكومة إلى مقاتلي طالبان في المسؤولية عن الحادث.
وكانت حركة طالبان أصدرت عددا من البيانات حول عمليات قام بها مقاتلوها الجمعة، حيث ذكرت هذه البيانات سيطرة قوات طالبان على نقطتين أمنيتين بعد فرار قوات الحكومة منهما في مديرية فراهرود في ولاية فراه، وكذلك سيطرة قوات الحركة على مقر عسكري وصف بالضخم للجيش الأفغاني في مديرية بركي برك في ولاية لوجر جنوب العاصمة كابل، ويقع المقر فوق هضبة تمت محاصرتها من قوات طالبان ثلاثة أيام مما أجبر القوات الحكومية فيها على تخلية المقر العسكري والانسحاب ليلا.
وكان مقاتلو طالبان هاجموا بالأسلحة الثقيلة مركزا أمنيا للجيش الحكومي في مديرية جيرو في ولاية غزني، كما هاجموا مقرا عسكريا آخر في منطقة نيازو في الولاية نفسها وأسفر الهجوم عن إصابة وقتل خمسة من الجنود الحكوميين وتدمير مدرعة كانت تحاول تقديم الدعم للجنود المحاصرين.
وشهدت ولاية ميدان وردك غرب العاصمة كابل هجوما نهار الجمعة على ثلاثة حواجز للشرطة في منطقة دا أفغانان وأسفرت العمليات، حسب بيانات طالبان، عن سيطرة الحركة على حاجزين ومقتل ثمانية من رجال الشرطة وجرح ثلاثة آخرين. وقد استولى مسلحو طالبان على عدد من قطع الأسلحة في المراكز التي هاجموها، وأفشلوا هجوما مضادا للقوات الحكومية حسبما جاء في البيان.
وأكدت وزارة الدفاع الأفغانية أن نظيرتها الأميركية وقعت عقدا مع شركات أميركية لتزويد الجيش الأفغاني بصورايخ هيدرا لتطوير قدرات الجيش الأفغاني. ونقلت وكالة «خاما بريس» عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأفغانية قولهم إن القوات الجوية الأفغانية ستتضاعف قدراتها وعددها ثلاث مرات في السنوات الخمس القادمة بعد العقود التي وقعتها وزارة الدفاع الأميركية مع شركات لتطوير سلاح الجو الأميركي. وكان البنتاغون أعلن قبل أيام عن عقد بقيمة 1.8 مليار دولار من أجل تطوير وتحديث سلاح الجو الأفغاني وتمكينه من الحصول على أسلحة حديثة عبر قاعدة جوية تابعة لشركة مودي الأميركية في ولاية جورجيا، على أن يتم عمل تطوير للقوات الجوية الأفغانية في قواعد كابل وقندهار ومزار شريف الجوية. وحسب الاتفاق، فإن العمل في تطوير هذه القواعد ينتهي مع نهاية عام 2024.
وتزامنت التطورات العسكرية هذه مع زيارة وزير خارجية باكستان شاه محمود قرشي إلى كابل بناء على دعوة من نظيره الأفغاني صلاح الدين رباني من أجل التنسيق الأمني بين البلدين.
والتقى قرشي مع الرئيس الأفغاني ورئيس السلطة التنفيذية عبد الله عبد الله ومسؤولين كبار في الحكومة الأفغانية. وتأتي زيارة وزير الخارجية الباكستاني إلى كابل بعد توتر العلاقات بين البلدين وإغلاق القنصلية الباكستانية في جلال آباد بعد اتهام باكستان لحاكم ننجرهار بمحاولة التأثير على عمل القنصلية ومنع حراساتها من العمل وقال الناطق باسم الخارجية الباكستانية محمد فيصل، إن زيارة وزير الخارجية الباكستاني إلى كابل تعبير عن الأهمية التي توليها الحكومة الباكستانية للعمل مع الحكومة الأفغانية من أجل السلام والاستقرار في المنطقة. فيما يقول المسؤولون في الحكومة الأفغانية إن كابل تحاول الحصول على تعاون إسلام آباد في خطوات من أجل السلام في أفغانستان.
إلى ذلك، قال خبراء إن برنامجا تموله الولايات المتحدة لتغيير دور المرأة في أفغانستان أخفق في تحقيق أهدافه. وكشف تقرير لمكتب المفتش العام المسؤول عن إعادة إعمار أفغانستان «سيجار» عن أن 55 امرأة فقط حصلن على وظائف حكومية من خلال البرنامج الذي تموله الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، رغم أن المستهدف كان 2100 امرأة، فيما كان الهدف الأصلي من الخطة مساعدة 12500 امرأة أفغانية في الحصول على وظائف جديدة أو الانتقال إلى أخرى أفضل من الوظائف التي يشغلنها. وخفضت وكالة التنمية الدولية الأميركية عدد الأفغانيات اللائي تلقين مساعدات إلى 1824 امرأة، وأطلق البرنامج عام 2014 بميزانية بلغت 216 مليون دولار، بما يمثل أكبر استثمار أميركي في العالم يتعلق بالارتقاء بدور المرأة. وحسب المصادر الأميركية، فإن البرنامج يتوقع له الاستمرار إلى عام 2021 أو 2020. وأوضح مكتب «سيجار» أنه رغم إنفاق قرابة 90 مليون دولار حتى الآن من ميزانية البرنامج لم يتم إحراز تقدم كبير في سبيل تحقيق الأهداف من المشروع، وحسب «سيجار» فإن العوائق التي تحول دون المزيد من المشاركة النسوية في المجتمع الأفغاني لطبيعة المجتمع المحافظة وتعرض النساء للتحرش في مقار العمل والافتقار إلى فرص للحصول على تعليم جيد، حيث ذكرت اليونيسيف في تقرير لها في يونيو الماضي أن البنات يمثلن 60 في المائة من إجمالي 3.7 مليون طفل أفغاني لا يذهبون إلى المدارس. انتهى.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...