العالم مفخخ بأزمات متنقلة ذات خطر على النظام الدولي

بمناسبة مرور 10 سنوات على إفلاس «ليمان براذرز»

العالم مفخخ بأزمات متنقلة ذات خطر على النظام الدولي
TT

العالم مفخخ بأزمات متنقلة ذات خطر على النظام الدولي

العالم مفخخ بأزمات متنقلة ذات خطر على النظام الدولي

يصادف اليوم ذكرى مرور 10 سنوات على انهيار بنك «ليمان براذرز» الأميركي الذي شكل بداية اندلاع أزمة مالية عالمية تستمر بعض تداعياتها إلى يومنا هذا. وقبل أيام حذر رئيس الوزراء الأسبق في بريطانيا، جوردن براون، والذي كان في الحكم وقت وقوع أزمة 2008 من أن العالم في الوقت الراهن أشبه بالسائر وهو نائم صوب أزمة جديدة، لأن الحكومات لم تعالج أسباب الأزمة الماضية.
وقال إن الاقتصاد العالمي فشل في إنشاء نظام إنذار مبكر لمواجهة مثل هذه الأزمات، ونظام مراقبة للتدفقات المالية يجعل من الممكن معرفة أين تم إقراض الأموال وبأي شروط.
وعلق في حديث لـ«الغارديان» بقوله إن الجزاءات الخاصة بالتصرفات التي تؤدي للأزمة لم تتم زيادتها بشكل كاف، ولم تكن هناك رسالة قوية بالشكل الكافي بأن الحكومة لن تنقذ المؤسسات التي لم تصلح من نفسها.

ما الذي تغير إذن منذ وقوع الأزمة؟ وهل تعافى الاقتصاد الدولي من آثارها؟ وإلى أي مدى استفاد من دروس الأزمة بما يُجنب الأسواق والمصارف والحكومات حصول أزمة مماثلة؟؟
«الشرق الأوسط» استطلعت آراء خبراء واقتصاديين ومصرفيين، واطلعت على جملة تقارير ومقالات وتحقيقات، ودققت في إنذارات مبكرة لتقف عن كثب على إجابات أو توقعات تلقي بعض الضوء على ما حصل وما قد يحصل.
بداية تتعين الإشارة إلى أن الأزمة كانت الأعتى منذ الكساد الكبير الذي عم العالم في 1929، وسببها الأساسي هو الديون وتراكمها على نحو جعل الاقتصاد العالمي هشاً أمام الصدمة. لكن وبعد 10 سنوات نجد أن تلك الديون تراكمت أكثر، لا بل زادت بنسبة 40 في المائة. إذ يبلغ الدين العالمي حالياً نحو 170 تريليون دولار وهي ديون دول وشركات وأسر وأفراد، ولا يشمل هذا الرقم ديون المؤسسات المالية. ومع شموله يرتفع الرقم إلى 137 تريليون دولار، حيث زاد الدين العالمي منذ سبتمبر (أيلول) 2008 نحو 72 تريليون دولار، حتى بلغت نسبته إلى إجمالي الناتج الاقتصادي العالمي 337 في المائة، أي أعلى من النسبة التي كانت قبل 10 سنوات، ومن دون حساب ديون المؤسسات المالية تبلغ نسبة الدين العالمي إلى الناتج أكثر من 225 في المائة.
سرعة نمو القروض أكبر من وتيرة النمو الاقتصادي. إنها ظاهرة عالمية شاملة مع تفاوت في الخصائص مقارنة بالوضع السابق. فالديون الحالية في قطاعات التمويل المعقد (المشتقات والتوريق...) أقل من السابق، علماً بأن ذلك الدين كان مركز زلزال الأزمة. في المقابل، ارتفع دين الحكومات في الدول الصناعية والمتقدمة على نحو كبير بسبب برامج التيسير الكمي التي أطلقت لشراء الأصول المتعثرة وتحفيز النمو الاقتصادي. ووصلت نسبة ذلك الدين إلى 105 في المائة من الناتج، وهو أعلى مستوى تاريخي.
وفي الاقتصادات الناشئة انفجرت ديون الشركات على نحو هائل، ففي الصين وحدها تضاعفت القروض 5 مرات خلال 10 سنوات لتبلغ 250 في المائة من الناتج.
وأبرز أسباب ارتفاع جبل الديون عالمياً الحصول على مال رخيص بفعل هبوط معدلات الفوائد إلى المستويات الأدنى تاريخياً، فضلاً عن ضخ البنوك المركزية تريليونات من الدولارات لزوم معالجة الأزمة. فهل العالم اليوم على مشارف أزمة جديدة كما يحذر البعض ويدق جرس الإنذار منذ أشهر؟ فهناك مراقبون ينبهون إلى أن حجم الديون وصل إلى حد يصبح عنده الاقتصاد العالمي هشاً أمام أي صدمة جديدة، ويذهب خبراء إلى القول إن الأزمة الجديدة ستطل برأسها لا محالة، ولا يبقى إلا أن نعرف من أين ستنطلق الشرارة الأولى.
البعض يرى في ديون الصين خاصرة رخوة خطرة تُذكر بالوضع الياباني الذي ساد أوائل الثمانينات من القرن الماضي، لكن معظم الديون الصينية بالعملة المحلية (اليوان) والجزء الأكبر ممسوك داخلياً، والغالب الأعم من تلك الديون عبارة عن قروض من بنوك عامة منحت وتمنح إلى شركات عامة أيضاً، ما يعني أنها تحت السيطرة الحكومية، كما أن سوق المال الصينية صغيرة نسبياً مقارنة بالأسواق الأميركية والأوروبية، وبالتالي فإن أي خلل فيها لن يكون ذا أبعاد دولية كبيرة.
أما الدول المتقدمة، فالكم الأكبر من الديون ممسوك لديها من الحكومات والبنوك المركزية، بيد أن خبراء الأسواق يحذرون من اتجاهات رفع الفوائد بسرعة صادمة ما يعيد إلى الأذهان أزمة الديون السيادية الأوروبية التي لم تنته فصولها بعد، وما يحصل في إيطاليا حالياً أفضل دليل.
وإذا تسارع التضخم في الولايات المتحدة الأميركية حيث تعمل الماكينة الاقتصادية هناك بوتيرة مزدهرة بفضل منشطات خفض الضرائب وزيادة الإنفاق العام، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيرفع الفوائد بوتيرة أسرع لكبح التضخم في حال تفاقمه. ذلك الرفع سيؤثر حتماً في الاقتصادات الناشئة التي راكمت شركاتها ديوناً هائلة بالدولار في مرحلة الفوائد المتدنية.
وتشير الإحصاءات إلى تضاعف الديون في الأسواق الناشئة قياساً بمستواها في 2008 لتبلغ 27 تريليون دولار. واندلعت منذ الربيع الماضي شرارات أزمات متنقلة في الدول الناشئة أودت بقيم عملات تلك الدول، وخرج مستثمرون أجانب بأموالهم، لا سيما باتجاه الولايات المتحدة حيث الفرص تبدو أفضل، وتلك الأزمات شملت تركيا، لا سيما في ديون الشركات والأرجنتين المثقلة بالدين العام، ووصلت الأزمة إلى جنوب أفريقيا ومرت في البرازيل وإندونيسيا. ويسأل المتابعون عن الدولة الناشئة المقبلة على أزمات مماثلة، بحيث لا يقتصر الأمر على هبوط قيم العملات بل يتعداه إلى الاقتصاد الحقيقي بما ينذر بأزمة تتجاوز حدود تلك الدول، لأن الاقتصادات الناشئة تساهم بثلثي معدل النمو الاقتصادي العالمي، وبالتالي فإن أزماتها ستؤثر حتماً في الاقتصاد الدولي عموماً.
ويذكر أن الديون في الدول المتقدمة (خارج الولايات المتحدة) ارتفعت من 95 تريليون دولار في 2007 إلى 109 تريليونات في 2017، وفي الولايات المتحدة من 51 إلى 65 تريليوناً، وارتفعت في الصين من 9 إلى 36 تريليونا خلال الفترة نفسها، وفي الدول الناشئة تضاعفت مرتفعة من 15 إلى 27 تريليون دولار في 10 سنوات، وفقا لإحصاءات بنك التسويات الدولية.
- خطورة الأوضاع
على صعيد آخر، لا يقلل مصرفيون غربيون من خطورة الأوضاع، ويقول أحدهم: «عندما تسير الأمور بازدهار ينسى معظمنا حساب المخاطر». ويشير هؤلاء إلى أن هناك رغبة في فك بعض القيود التي فرضت على البنوك غداة الأزمة العالمية الماضية. فإفلاس «ليمان براذرز» ألقى الضوء على هشاشة المصارف خصوصاً ضحالة رساميلها مقابل المخاطر الائتمانية والاستثمارية التي تقع على عاتقها، وتبين كيف أن رؤوس الأموال المصرفية كانت قليلة ولا تتحمل الخسائر، فتدخلت الحكومات للإنقاذ.
وأممت بنوك وزيدت رساميل أخرى حول العالم. ووضعت قواعد جديدة لتعزيز الرساميل والتحوط بالسيولة، وفقاً لمعايير «بازل 3» لتستطيع المصارف مواجهة الالتزامات في حالات الطوارئ. أجل، حصل تقدم كبير على هذا الصعيد وتجرى اختيارات ضغط سنوية للتأكد من المناعة، لكن حد الأمان الكامل غير واضح المعالم بعد، لأن رؤوس مصارف كثيرة حول العالم تحتاج إلى مزيد من التعزيز ولا تحتمل الخسائر الكبيرة في حال اندلاع أزمة جديدة بحجم التي اشتعلت في 2008.
ويضيف مصرفيون: «تبين في 2008 أن رؤساء المصارف وكبار المديرين فيها كانوا يجهلون كم تشكل الرهون العقارية في ميزانيات بنوكهم. ويذكر أن تلك الرهون كانت من أسباب الأزمة أيضاً لا بل في صلبها. وسبب ذلك الجهل أو عدم المعرفة الدقيقة أن القروض العقارية الأميركية الرديئة تجمعت في رزم وخلطت مع أخرى أكثر جودة ثم قسّموها في شرائح حتى اختلط حابلها بنايلها. كان ذلك عبارة عن ابتكارات مالية مبنية على رياضيات مخاطر من نوع معين. فهل هذه الممارسات انتهت أم هي مستمرة؟»، يجيب المصرفيون المحايدون بأن البنوك تواصل الابتكارات التي تجعل الخدمات والمنتجات المالية أكثر تعقيداً، وربما مظلمة أيضاً بحيث لا تراها السلطات الرقابية جيداً.
إلى ذلك كشفت أزمة 2008 عن مسألة التوريق القائمة على تقنية مالية تنقل حمل مخاطر الديون من جهات إلى أخرى. فتعثر المقترضين الأميركيين لشراء مساكنهم بدأ في 2006 وليس في 2008، لكن القروض كانت «مورقة» ومبيعة لمستثمرين، لذا توسعت دوائر التأثر بالتعثر لتشمل مصارف وصناديق وشركات تأمين ومستثمرين أفراداً. فهل انتهى التوريق؟ الجواب أن العمل به متواصل لكن السلطات الرقابية تسعى لجعل تلك الممارسة بسيطة وشفافة وموحدة المعايير من دون الوصول إلى كل تلك الأهداف بعد. علماً بأن تلك السلطات تشجع المصارف أحيانا على ممارسة توريق الديون لتستطيع البنوك إخراجها من ميزانياتها وتكتسب مساحة إقراضية جديدة ولتحافظ على جدارتها الائتمانية.
- بنوك الظل
على صعيد متصل، ساهم ما يسمى بنوك الظل في مُفاقمة تداعيات الأزمة، فتلك «البنوك» لا تعمل بالأساليب المصرفية التقليدية، وهي عبارة عن صناديق وشركات رأس مال مغامر قدمت وتقدم تمويلات موازية خارج الرقابة اللصيقة نسبياً. ومع ذلك انتعش هذا النشاط منذ 2008 وبلغ حجمه 99 تريليون دولار في آخر إحصائية ترقى إلى عام 2016، بعدما اشترت تلك الجهات من البنوك التقليدية محافظ تمويلية أرادت المصارف التخلص منها لتنظيف ميزانياتها.
وبُذلت جهود حول العالم، لا سيما أميركيا وأوروبيا لضبط أنشطة صناديق التمويل الموازي، لا سيما صناديق التحوط وشركات رأس المال المغامر، إلا أن ذلك العمل لم ينجز بالكامل بعد، وهناك صعوبات في ضبطه على نحو شامل. ويرى متشائمون أن الأزمة المقبلة ستنطلق من بنوك الظل التي باتت تسيطر على حصة هائلة من التمويل خارج المصارف التقليدية وشركات التأمين والبنوك المركزية، لدرجة أن بحوزتها وحوزة الوسطاء خارج النظام التقليدي ثلث إجمالي الأصول المالية العالمية مقابل 40 في المائة لدى البنوك والباقي لدى صناديق التقاعد وشركات التأمين والبنوك المركزية والمؤسسات العامة.
- خلط الاستثمار بالتجزئة المصرفية
ومصرفياً أيضاً، تبين أن مخاطر كمنت في مصارف جمعت بين نشاطي التجزئة والاستثمار، ودعت السلطات إلى الفصل بين النشاطين كما فعلت بريطانيا التي تسعى لتفرض على البنوك رساميل خاصة بخدمات التجزئة المصرفية وأخرى خاصة بالأنشطة الاستثمارية المحملة بمخاطر أكبر تبعاً لتقلبات الأسواق المالية. والهدف ضمان عدم انتقال عدوى الأزمات من الأسواق إلى ودائع العملاء. هذا المسعى البريطاني يكاد يكون يتيماً عالمياً ولا تحتذي به دول أخرى بحجة أن التعثر حصل أيضا في بنوك استثمارية لا تمارس التجزئة كما حصل في مصارف تجزئة لا تمارس الاستثمار.
- تفكيك القيود
وأميركياً، نزولاً على رغبة الرئيس ترمب أطلقت ورشة لتفكيك قيود فرضت على البنوك أيام الرئيس السابق باراك أوباما فيما عرف بقانون «دود فرانك»، لأن ترمب يرى في ذلك القانون لجماً للبنوك ولطاقتها على التوسع في تمويل الاقتصاد والمستثمرين. لكن دون ذلك التفكيك أو التسهيل مقاومة من المشرعين الأميركيين حتى الآن.
- مشتقات التحوط
ومن بين أسباب الأزمة أيضاً مشتقات التحوط، خصوصا ضد تقلبات العملات والأسواق، التي كانت تعقد باتفاقات تراضٍ وبلا شفافية كاملة. ولجأت السلطات منذ 2009 إلى جعلها تمر في غرفة مقاصة ضامنة بين البائع والشاري، لكن يسأل المتشائمون: ماذا لو تعثرت المقاصة نفسها تحت ضغط مخاطر الإفلاس الكثيف في حال صدمة أزمة عالمية جديدة؟ يقول أصحاب الاختصاص إنه لا أحد يعلم اليوم كيف سيتم التعامل مع سيناريو كارثي كهذا، جل ما نعلمه أن لتعثر تلك المقاصة مخاطر نظامية لا نعلم مداها!
- أدوات الربح السريع
رهون، توريق، مشتقات، منتجات مالية مهيكلة... كلها أدوات استخدمها المصرفيون بغرض الربح على المدى القصير ليستطيعوا من خلال أرباحها السريعة الساخنة الحصول على مكافآت وبونصات خيالية أحياناً. كانوا يقللون من حسابات المخاطر لتعظيم ثرواتهم الخاصة. وكانت تلك البونصات بلغت في «وول ستريت» 33 مليار دولار في 2007 ثم هبطت إلى النصف في 2008 بعد انكشاف جملة ألاعيب. لكنها عادت لتصعد تدريجياً، وفي ربيع هذه السنة بلغت البونصات عن أعمال 2017 أكثر من 31 مليار دولار ويُتوقع لها مع نهاية 2018 أن تتجاوز تلك القمة التي كانت بلغتها عشية الأزمة! وفي هذا المجال اختلاف كبير بين الممارسات الأميركية ونظيرتها الأوروبية. ففي الاتحاد الأوروبي حالياً قواعد صارمة للمكافآت بحيث لا تتجاوز سقوفاً معينة. أما أميركياً فعاد الحبل إلى غاربه في موازاة ازدهار «وول ستريت» والنزعة الربحية التي يشجعها الرئيس دونالد ترمب.
- ملاحظات أخرى
ويضيف منتقدو النظام المالي العالمي أنه لا يمكن تعلم الدروس من الأزمة الماضية كما يجب، لأن جملة ممارسات أخرى قائمة على قدم وساق علماً بأنها من أسباب الأزمة أيضاً. فقد ساد نقاش حول الحؤول دون أن تكبر المصارف والمؤسسات المالية لتصبح عملاقة بحيث إذا تعثرت يتحول خطرها نظاميا بحيث يتعداها ويتعدى المساهمين فيها إلى قطاعات أخرى. وكان هناك اتجاه للتخلي عن مقولة «أكبر من أن تقع». لكن الحاصل باستمرار هو تشجيع الاندماجات والاستحواذات وتحفيز قيام كيانات كبيرة عابرة للقارات. فإذا تكرر سيناريو التعثر فسنجد أن الحكومات ستهب للإنقاذ مرة أخرى وذلك على حساب عموم الناس من دافعي الضرائب الذين لا ذنب لهم فيما يقترفه المصرفيون والمستثمرون من أخطاء مدمرة مالياً. وهذا ما حصل في إيطاليا هذه السنة عندما أنقذت الحكومة أحد البنوك الكبيرة الذي تعرض للتعثر.
ويضيف المنتقدون أنه لا دروس مستفادة كما يجب، لأننا لم نشهد تطبيق عقوبات صارمة تصل إلى حد السجن. فعلى الرغم من خسارة عشرات التريليونات من الدولارات لم نشهد على معاقبة المسؤولين عن ذلك على نحو دقيق يُحمل المسؤوليات لمرتكبي الأخطاء ويساهم في إدخالهم السجون بكثافة.



خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.