حلقة مهملة في تاريخ النَّقد الأدبي الحداثيّ

السيد إبراهيم محمد كان له فضل الريادة في كتابه «الضرورة الشعرية»

حلقة مهملة في تاريخ النَّقد الأدبي الحداثيّ
TT

حلقة مهملة في تاريخ النَّقد الأدبي الحداثيّ

حلقة مهملة في تاريخ النَّقد الأدبي الحداثيّ

لَمَّا تخرَّجْتُ في الجامعة، وكان ذلك 1989 كنتُ لا أزال مهموماً بالدراسات النَّقديَّة الحديثة، بعد أنْ عَرَفْتُ طَرَفاً مِنْها لا بأسَ به، في أثناء اختلافي إليها، وأهَمُّ ما ظَهَرْتُ عليه مؤلَّفات شكري عيَّاد، وعبد السَّلام المسدِّيّ، وسعد مصلوح، وكمال أبو ديب، وعبد الله الغذَّاميّ، وزكريَّا إبراهيم، وصلاح فضل، ومقالات مجلَّة «فُصُول». وعرفْتُ في ذلك العهد مؤلَّفات لطفي عبد البديع، ذلك أنَّ نادي جدة الأدبي قدْ أعاد نشْر كِتابَيْه «فلسفة المجاز»، و«عبقريَّة العربيَّة»، فلمَّا رأيْتُ كِتابه «التركيب اللُّغوي للأدب» ابتعتُه، مِنْ فَوْري، وجعلْتُ أقرأه، وإنْ تَعاصَى علي فهمه، لِلَّذي فيه مِن التقاء قديم العرب بجديد الغرب، ولِمَا انطوَى عليه مِنْ نَظَرٍ فلسفي هو أدنى إلى الغموض مِنْه إلى الوضوح، لِمَنْ لمْ يخبرْ هذا الضَّرب مِنَ الكتابة والتأليف، لكنَّني، على طُول العهد بكُتُب لطفي عبد البديع، كنتُ أراه أقرب إلى تَفَهُّم الُّلغة، على نحوٍ لم استبنْه في كتابة جمهرة واسعة مِن النُّقَّاد والدَّارسين، مِنْ أولئك الَّذين كلُّ همِّهم حَشْد طائفة مِنَ المصطلحات الحداثيَّة، مما تَلَقَّفوه مِنَ الغرب، فجاءتْ تلك الكُتُب، وكأنَّ بعضها «تلخيصٌ» مَدْرَسِيٌّ، وإنْ قَدَّمَ أصحابها بين أيدي كُتُبهم الدَّعاوَى.
والحقُّ أنَّ مؤلَّفات لطفي عبد البديع، تلك التي تَعَاصَتْ عليَّ، كانتْ قدْ ألقتْ في رُوعي أنَّ هناك نمطاً مختلفاً مِنَ القول النَّقدي يباين ما اتَّصلْتُ به، مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ، مِنْ مؤلَّفات أريدَ لها أنْ تكون «حداثيَّة» بالحقِّ وبالباطلِ! وكأنَّما كان لطفي عبد البديع قدْ زَهَّدَ في عينَي كلَّ عمل لا يوافق مذهبه في النَّظر وأسلوبه في التطبيق، استثني مِنْ ذلك كِتاب تلميذه سعيد السُّريحي «شِعْر أبي تمَّام بين النَّقد القديم ورؤية النَّقد الجديد»، فَثَمَّ تلميذٌ تَلَقَّفَ مَذهب شيخه، وجعل يقرأ به شِعْراً مُشْكِلاً إشكال شِعْر حبيب بن أوس، وأَظْهَرَ «التلميذ» أنَّه كان أميناً في نَقْل مذهب شيخه، حتَّى لكأنَّك، حِين تقرأ ما سَطَّره سعيدٌ، لا تَجْفُو ما كَتَبَه، ولا تكاد تُحِسُّ عُجْمَة، فلا يزال لعُرُوبة البيان أثرٌ فيما يكتب الشيخ والتلميذ، وإن اتصَّلا بجديد النَّقْد والفلسفة وأبعدا في الاتِّصال.
ولطالما قلْتُ لسعيد السُّريحيّ: إنَّ النَّمط الَّذي أخذ به شيخك لطفي عبد البديع صَعْبٌ عَسِرٌ، وأنَّ الشيخ، على طُول عهده بالتدريس في القاهرة ومكة المكرمة، لمْ يُنْجب تلامذة ومُريدين كُثراً، وأَنَّى له مَنْ يُشِيع مذهبه في النَّظر والتناوُل، وهو كَزٌّ نافرٌ، وإنْ كان أدنَى إلى رُوح اللُّغة والأدب؟ وأنَّني لا أكاد أعرف مَنْ تَقَيَّلَ منهجه وأسلوبه غيرك - أعني السُّرَيْحِي - وإلَّا الدَّكتور السَّيِّد إبراهيم محمد، ذلك الَّذي يَدُور عليه هذا الفصل مِنَ الكلام.
وأنا لا أكاد أعرف، في تلك المُدَّة، شيئا ذا بالٍ عن صاحبنا السَّيِّد إبراهيم محمد! إلَّا أنَّه اتفقَ لي أنْ رأيْتُ كِتاباً صغيراً عنوانُه «الضَّرورة الشِّعْرِيَّة: دراسة أسلوبيَّة»، كانتْ دار الأندلس في بيروت قدْ نشرتْ طبعته الثَّالثة 1983. ولمْ أَكُنْ - في أعقاب تَخَرُّجي في الجامعة - ليعنيني أمر كِتابٍ يبنيه صاحبه على «الضَّرورة الشِّعْريَّة»، هذا المبحث الكَزّ النَّافر، لولا تلك العبارة التي كانتْ تستهويني، آنئذٍ، أعني بها «دراسة أسلوبيَّة»! وقُلْتُ: لن يَضُرَّني لوْ ظَهَرْتُ على كِتابٍ أراد صاحبه أن يَمُدَّ ما بينه وبين «الدَّرْس الأسلوبيّ» بِصِلة، ولوْ كان كِتاباً صغيراً لطيفاً.
قرأتُ الكِتاب في ذلك العهد البعيد، وشَدَّتْنِي إليه أُمُورٌ لا أزال أذكرُها: مِنْها أنَّ ذلك المؤلَّف اللَّطيف لمْ يرتضخْ فيه صاحبه لكنة أعجميَّة، ولمْ يُلْقِ بالمصطلح «الحداثيّ» باليمين وبالشِّمال، بلْ عساه لمْ يستجلبْه إلَّا في خواتيمه، لَمَّا اضُطَرَّه كلام له عن الدَّرس الأسلوبي الحديث أن يُعَرِّف قارئه، بمذهب القوم في «اللُّغة» و«الكلام» وما إليهما، ولا يكاد يُشْعِر قارئَه بمبارحته ما بَنَى عليه كِتاباً أدار معظمه على مذاهب علماء العربيَّة منذ أبي الأسود الدُّؤلي وحتَّى جلال الدِّين السُّيُوطي وعبد القادر البغداديّ، فلمَّا استجلب كَلِماً لطائفة مِنَ الإنجليز والفرنسيين والأميركيين، كان ما استجلبه سائغاً تتقبَّله العين والأذن، وكان، في كلّ أحواله، أدنَى إلى بيان العرب ومنطقهم، وسَلِمَ لسانه مِنْ أثر العُجْمة التي كانتْ، في ذلك العهد الَّذي قرأتُ فيه كِتابه، قدْ أطبقتْ وعَمَّتْ!
على أنَّ أظهر ما استوقَفَني في كِتاب السَّيِّد إبراهيم محمد انتصاره لرُوح اللُّغة لا النَّحو، وكان الرجل قدِ استبانتْ لي قوَّة اتِّصاله بعلوم العربيَّة، ولا سيَّما النَّحو واللُّغة، وأنَّه لمْ يَكُنْ ناقلاً ولا مُلَخِّصاً، لكنَّه كان متضلِّعاً مِنْ مذاهب اللُّغويين والنُّحاة، على اختلاف أزمنتهم ومذاهبهم، وأنَّه، مهما تَنَازَعَتْه مذاهب القوم، كان وَفِيّاً لرُوح اللُّغة، ذلك الرُّوح الَّذي أدركه الشُّعراء، ثُمَّ لَمَّا صار إلى العرب أمرُ النَّظر في لُغتهم، لمْ يترصَّدوا للشُّعراء بالتخطئة، وأنَّى لأبي الأسود الدُّؤليّ، وهو ابن اللُّغة، أن يأخذ على أولئك الشُّعراء، وهو إنَّما أراد بالنَّحو إرشاد تلك النَّابتة مِنَ الموالي إلى ضبط القرآن الكريم ولُغته، فلمَّا آلَ أمر الُّلغة والنَّحو، مِنْ بعد الدُّؤليّ، إلى غير العرب، جعلوا يَلْهجون بالتخطئة على شعراء العربيَّة، لَهَجَ عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي بتخطئة شِعْر الفرزدق.
ونحن نَعْرِف ذلك التحَوُّل الَّذي أصاب نظر النُّحاة إلى الشِّعْر والشُّعراء مِنْ مذهب مَنْ يَعُدُّ الشُّعراء «أمراء الكلام»، ومذهب مَنْ يتربَّص بهم ويقعد لهم كلَّ مَرْصَد، ويُحْصِي عليهم ما يَظُنُّه خطأ وانحرافاً، بين سيبويه - إمام النُّحاة - الَّذي أنشأَ في كِتابه باباً دعاه «باب ما يَحْتَمِل الشِّعْر»، وجِيلٍ مِنَ النُّحاة الَّذين خَلَفُوا مِنْ بَعْده، فغاب منطق الخليل وسيبويه، ذلك المنطق الَّذي يَعْتَدُّ باللُّغة، وأَسْلَمَنا الزَّمان إلى منطق مَنْ لا يودُّ أن يخرق «القاعدة» و«المعيار»، ويُضَّحِي، لأجلهما، بكلام أولئك العرب العرباء، فغاب لديهم - ولدينا - «باب ما يحتمل الشِّعْر»، وبِتْنا نقرأ الشِّعْر بمنطق ابن فارس في «ذَمّ الخطأ في الشِّعْر»، وقِيسَتْ قدرة الشُّعراء على صوغ لُغتهم بمقياس «الضَّرورة الشِّعريَّة»، بلْ لمْ يَرَ فيها الأعمّ الأغلب مِنَ النُّحاة إلَّا «القبيح» و«الخطأ».
إذنْ رأى السَّيِّد إبراهيم محمد في «الدَّرس الأسلوبيّ» استئنافاً لذلك المنهج اللُّغوي الَّذي أخذ به الخليل بن أحمد وسيبويه، ومؤدَّاه أنَّ الشَّاعر «يصنع» اللُّغة، وأنَّ «الضَّرورة الشِّعْريَّة» إنَّما هي مَظْهَرُ قُدرة الشَّاعر على اللُّغة، وأنَّ لِلُّغة منطقاً لا ينبغي أن نتحيَّفه ونَجُور عليه، وما ذلك المنطق إلَّا تلك «الجاذبيَّة» التي تَعْنُو لها الكلمات، فتَمُدُّ الكلمة نَسَبها إلى شقيقات لها، مهما رأى النُّحاة في ذلك «التجاذب» خروجاً على قواعدهم وأقيستهم، وَلْنَكُنْ على ذُكْرٍ أنَّ للشِّعْر نَحْواً يباين ما استقرَّ عليه القوم في رُسُومهم وحُدُودهم، بلْ إنَّ للقرآن الكريم وقراءاته المختلفة نَحْواً يُعارض تلك الرُّسُوم والحُدُود، وكانتْ غاية السَّيِّد إبراهيم محمد أن يُذَكِّرنا بمذهب الخليل بن أحمد وتلميذه سيبويه، ويُلِحّ علينا، مَرَّة ومَرَّتَيْن وثلاثاً، بأنْ نَعْتَدَّ باللُّغة وبالشِّعْر، وأن يُذكرنا بكلمة لأبي حيَّان النَّحوي ذهب فيها إلى أنَّ «الشِّعْر نفسه ضرورة»، فقال: «فقد يكون الشِّعْر ضرورة لأنَّه ضَرْبٌ مختلف مِنَ الكلام، لأنَّ الشَّاعر لا يركب فيه مركباً ذَلولاً مما عليه الكلام؛ فالشِّعْر غاية متعالية يناهض النَّشاط التعبيري فيها ما تَهَيَّأَ له مِنْ طرائق التعبير التي يتعاطاها أبناء اللُّغة في كلامهم، ومِنْ ثَمَّ كان الشِّعْر نفسه خروجاً عمَّا عليه النَّثر... وهنا تظهر الضَّرورة مرادفة للشِّعْر مِنْ كلّ الوجوه؛ فبها يتميَّز الشِّعْر عن الكلام، فهي تدخل مِنْ هذه الجهة في جوهر الشِّعْر، باعتبارها مِنْ أهمِّ خصائصه، فالضَّرورة ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوب التوليد في اللُّغة يُثْري بها الشَّاعر اللُّغة وينحو بها نحواً جديداً».
كنتُ لَمَّا قرأْتُ كِتاب السَّيِّد إبراهيم محمد، في قراءتي الأُولى عَقِب عام 1989 أُوْقِنُ أنَّ هذا الكِتاب يرتفع نَسَبُه إلى مذهب لطفي عبد البديع؛ دَلَّني عليه ذلك الرُّوح الَّذي يُقِيمُ لِلُّغة وزنها، وكنتُ كأنَّني أُمْسِكُ بأثر الشيخ كُلَّما مضيْتُ في الكِتاب، حتَّى إذا وَقَعْتُ في هوامشه على عناوين مؤلَّفات الشيخ قَوِيَتْ عندي تلك الصِّلة، فلَمَّا استأنس صاحبنا بمذكِّرة جامعيَّة للشيخ، تَأَكَّدَتْ تلك التلمذة واستبانتْ، وأنَّ السَّيِّد إبراهيم محمد كان قدْ سار في ذلك الدَّرْب العَسِر الصَّعب الَّذي لا يستطيعه أي أحد، وعَرَفْتُ، مِنْ بَعْدُ، أنَّ مذهب لطفي عبد البديع قليلٌ أتباعه وتلاميذه، وأَقَلُّ مِنْهم أولئك الَّذين قاموا به!
على أنَّ ما مَضَى ليس كلّ ما ينبغي أن يُقال في السَّيِّد إبراهيم محمد! فإنَّ للرجل لَنَبَأً عجيباً!
فصاحبُنا السَّيِّد إبراهيم محمد وكِتابه اللَّطيف «الضَّرورة الشِّعْريَّة: دراسة أسلوبيَّة» جديرٌ أنْ نُنْزلهما مقاماً يستحقَّانه، متى ما أردْنا التأريخ لحركة المناهج النَّقديَّة ذات الرُّسُوم الحداثيَّة، فالكاتبُ والكِتابُ عهدهُما بهذا الفكر النَّقدي الجديد بعيدٌ، فأصل هذا الكِتاب أطروحة جامعيَّة عالية حاز بها السَّيِّد إبراهيم محمد درجة «الماجستير»، عام 1976 ثُمَّ لَمَّا كان عام 1979 دفع بأطروحته إلى المطبعة فقرأها النَّاس في كِتاب. وسواءٌ استأنسْنا بالتاريخ الأوَّل أوْ لُذْنا بالتاريخ الآخِر، فإنَّ الكاتب والكِتاب حقيقان بذلك القِدَم وتلك الأسبقيَّة، ويكفي صاحبَنا السَّيِّد أن يُقال فيه ذات يومٍ: كان له فضْلُ الرِّيادة في النَّقد الأدبي ذي الرُّسُوم الحداثيَّة، فما ظنُّكَ به وقدْ جَمَعَ، إلى تلك الرِّيادة، الإحسان والإتقان والتجويد!
- ناقد وباحث سعودي



«دار الكتب» المصرية تتراجع عن إجراءات أثارت جدلاً حول «الرقابة» وسوق النشر

وزارة الثقافة المصرية (فيسبوك)
وزارة الثقافة المصرية (فيسبوك)
TT

«دار الكتب» المصرية تتراجع عن إجراءات أثارت جدلاً حول «الرقابة» وسوق النشر

وزارة الثقافة المصرية (فيسبوك)
وزارة الثقافة المصرية (فيسبوك)

تراجعت دار الكتب والوثائق القومية عما وصفها البعض بأنها «إجراءات جديدة» أثارت ضجة في أوساط النشر وبين الكتاب في مصر بعد طلبها تسليم نسخة من ملف (Word) لكل كتاب جديد ليحصل على رقم إيداع. ما عدّه البعض «نوعاً من الرقابة على الكتب قبل صدورها». فضلاً عن اعتراض ناشرين على طول الإجراءات التي أصبح يتطلبها الحصول على رقم إيداع.

الضجة التي أثيرت منذ أيام وتردد صداها بين الناشرين والكتاب والمبدعين والمسؤولين في المؤسسات الثقافية، دفعت دار الكتب والوثائق القومية إلى إصدار بيان توضيحي، الخميس، ذكرت فيه أنها «حريصة كل الحرص على الملكية الفكرية وحماية حقوق المؤلفين». وأضاف البيان أن «الدار تابعت باهتمام شديد ما أُثير حول إجراءات الإيداع، وتؤكد أن إجراءات الحصول على أرقام الإيداع مستمرة كما هي، وأن الدار ملتزمة بمنح أرقام الإيداع عند الطلب، على أن يتم إيداع النسخ المطلوبة في موعد غايته ثلاثة أشهر من تاريخ الحصول على رقم الإيداع، وذلك بإيداع نسخة إلكترونية سواء كانت بصيغة pdf القابلة للبحث، أو نسخة word مؤمَّنة من مقدم الطلب وغير قابلة للتحرير، إلى جانب النسخ المطبوعة والمقررة قانوناً».

جانب من اجتماع في دار الكتب حول الأزمة (صفحة النائبة ضحى عاصي على «فيسبوك»)

وشهدت أوساط الكتاب والناشرين المصريين جدلاً وغضباً من طلب دار الكتب نسخة «word» من كل كتاب يحتاج إلى رقم إيداع حتى تتم طباعته، وتساءلوا حول الهدف منه، فضلاً عن مخاوفهم من تحول ذلك إلى شكل من أشكال الرقابة على المؤلفات قبل صدورها، مما يشكّل حسب وجهة نظر دور النشر معوقاً للصناعة التي تحتاج إلى التشجيع بدلاً من وضع العراقيل أمامها، بدا القرار كأنه «يمثل تهميشاً غير مفهوم أو مبرَّر لدور الاتحاد وكيانه المهني المستقر قانوناً»، حسب وصف اتحاد الناشرين المصريين، في بيان أصدره تعليقاً على الأزمة، وأضاف أن «انفراد دار الكتب بطلب نسخة (word) دون التنسيق مع الاتحاد يمس صلب هذه الصناعة».

كانت دار الكتب والوثائق المصرية قد أصدرت بياناً سابقاً قالت خلاله إن إيداع نسخة رقمية من المصنف أمرٌ ليس بجديد، وهو معمول به منذ عام 2017 وفقاً للقرار رقم 363، أما التعديل الذي تم إجراؤه على المادة الثالثة فجاء بهدف دعم إجراءات الحوكمة والميكنة والتحول الرقمي بالدار.

وقال الناشر إسلام عبد المعطي مدير دار «روافد» لـ«الشرق الأوسط» إن القرار يشكل طابعاً رقابياً من بدايته، وخطورته تكمن في أنه في حال حدوث أي تغييرات في الكتاب يمكن لدار الكتب أن تتهم الناشر بالتزوير وتقديم عمل غير الذي قام بطباعته».

وقال الكاتب أحمد عبد الرازق أبو العلا، مدير عام النشر بهيئة قصور الثقافة الأسبق، في تعليق على «فيسبوك»: «القرار يعد اعتداءً على حقوق الملكية الفكرية، ومخالفة صريحة لما نص عليه الدستور»، مشيراً إلى أن «وظيفة الإيداع تاريخياً كانت مرتبطة بحفظ ما صدر بالفعل، وليس الاطلاع على الأعمال في مراحلها الأولية أو قبل خروجها للنشر».

من جهتها قالت الناشرة والكاتبة الصحافية دينا قابيل، مدير «دار المرايا»، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنها تقدم لدار الكتب نسخة إلكترونية مغلقة، لكن استحداث قرار جديد يُلزم الناشرين بتقديم نسخة «word» من مطبوعاتهم يفتح الباب أمام كثير من المخاوف، ووصفت قابيل القرار بأنه غير منطقي، وذو طبيعة رقابية، ولا توجد دار وثائق على مستوى العالم تطلب ذلك من الناشرين.

في حين ذكرت الكاتبة ضحى عاصي، عضو مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المصري) أن الأزمة انتهت، وستتم إجراءات رقم الإيداع كما كانت في السابق، وأشارت إلى اجتماعها مع رئيس دار الكتب الذي أكد أن الإجراءات المعتادة لرقم الإيداع ستتم دون تغيير. وفق ما نشرته على صفحتها بموقع «فيسبوك». وكانت النائبة قد قدمت قبل يومين طلب إحاطة لوزيرة الثقافة حول هذا الأمر.

Your Premium trial has ended


حجب حسابات «بلوغر» مصري بسبب فيديو «الدُّخلة البلدي»

قرار بحظر حسابات «بلوغر» في مصر (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)
قرار بحظر حسابات «بلوغر» في مصر (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)
TT

حجب حسابات «بلوغر» مصري بسبب فيديو «الدُّخلة البلدي»

قرار بحظر حسابات «بلوغر» في مصر (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)
قرار بحظر حسابات «بلوغر» في مصر (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر حجب الحسابات الإلكترونية باسم «كروان مشاكل» على مواقع التواصل الاجتماعي، ومخاطبة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بوصفه الجهة التنفيذية.

كما قرر المجلس مخاطبة النيابة العامة لإعمال شؤونها بشأن المقاطع المصورة التي تم ترويجها من خلال الحسابات الإلكترونية بالاسم السابق ذكره؛ لما تشكله من محتوى خادش للحياء العام، وانتهاك لحرمة الحياة الخاصة، وتعدٍّ على المبادئ والقيم الأسرية للمجتمع المصري، وفق بيان للمجلس، الخميس.

ويأتي هذا القرار بناءً على تقارير الإدارة العامة للرصد، وما أوصت به لجنة الشكاوى برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس.

وكانت مقاطع مصورة وصور تم نشرها لـ«البلوغر»، الذي ينشر باسم «كروان مشاكل»، وهو يتحدث عن «الدُّخلة البلدي»، أثارت غضب العديد من الأصوات الحقوقية والجمهور الذي اعتبر أن هذا التصرف يحمل «إهانة للمرأة» و«المتاجرة بعادة شعبية فيها امتهان لكرامة المرأة»، من أجل حصد المشاهدات وتصدر «الترند»، وفق آراء متنوعة حول الواقعة.

وترى الدكتورة عزة كامل، رئيسة مجلس أمناء «مؤسسة وسائل الاتصال من أجل التنمية»، أن «الفيديو الذي نشره (كروان مشاكل) سقوط أخلاقي كامل وانحدار في زمن المشاهدات الرخيصة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أنها «سعدت جداً برد فعل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحجب حسابات هذا الشخص»، وعدّت ما حدث «شكلاً مباشراً من العنف الرمزي ضد النساء حيث تُنتزع الخصوصية والاحترام، ويتم استبدال ثقافة الاستعراض الرخيص بها، وكل شيء يتحول لمحتوى تصبح فيه الكرامة نفسها قابلة للبيع».

وتابعت: «الأمر لم يعد مجرد محتوى تافه أو شخص يبحث عن الشهرة بأي طريقة، ولكنه وصل إلى انحدار أخلاقي واجتماعي كامل، والنساء تُدفع فيه إلى الواجهة تحت لافتات مضحكة مثل (الدُّخلة البلدي) و(الترند) والمزاح، لكن الحقيقة أكثر قبحاً من ذلك؛ لأننا أمام سوق مفتوحة لامتهان النساء وتحويل خصوصيتهن إلى سلعة تباع بالمشاهدات والإعلانات».

وتؤكد عزة كامل أن «العيب لا يقع فقط على من يفعل هذه الأفعال الرخيصة، ولكن على المنصات التي تروج له، وعلى الجمهور الذي يستهلك، والثقافة التي بدأت تعتبر إذلال النساء محتوى، وأن (الدُّخلة البلدي) أصبحت غطاء لتطبيع الإهانة، وكأن كرامة المرأة قابلة للمساومة مقابل حفنة من المتابعين!».

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمصر (فيسبوك)

وسبق أن أثارت فيديوهات «كروان مشاكل» الجدل، خصوصاً بعد إقامة ما زعم أنه حفل زفاف ودعوة الكثير من «البلوغرز» إليه، وما حدث في هذا الحفل من أعمال شغب وقيامه هو نفسه بنشر فيديوهات يؤكد فيها أنه تم إفساد الفرح، وتدخلت السلطات وقتها وألقت القبض على عدد من الحضور الذين تورطوا في أعمال عنف.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن «هوس بعض صنّاع المحتوى بالبحث الدائم عن المشاهدات و(الترند) دون الالتفات للمعايير الاجتماعية أو طبيعة البيئة التي يُنشر فيها المحتوى، هو ما يدفع أحياناً إلى قرارات مثل الحجب أو الملاحقة القانونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة لا تتعلق فقط بالرغبة في تحقيق الانتشار، لكن أيضاً بغياب الوعي القانوني والمهني لدى البعض، ما يجعلهم يرتكبون أخطاء قد لا يدركون أنها تتجاوز الأكواد المهنية والأعراف المجتمعية المتعارف عليها، فما قد يكون مقبولاً أو متداولاً في مجتمع معين، ليس بالضرورة أن يكون مقبولاً في مجتمع آخر له خصوصيته الثقافية والاجتماعية؛ لذلك تبقى معادلة (حرية المحتوى) و(المسؤولية المجتمعية) واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في العصر الرقمي».

وينظم القانون 175 لسنة 2018 مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ويحدد المعلومات الإلكترونية بأنها كل ما يمكن إنشاؤه أو تخزينه أو معالجته أو تخليقه أو نقله أو مشاركته أو نسخه بواسطة تقنية المعلومات، ويحدد الجرائم التي تترتب على ذلك والعقوبات التي تُفرض عليها وفق حالات محددة واختصاصات لجهات رسمية.

وتوضح الخبيرة القانونية هبة عادل، رئيسة مبادرة «محاميات مصريات لحقوق المرأة»، أن «المادة 25 من قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية تُجرّم (الإخلال بالقيم الأسرية المصرية)، والمادة 26 تُجرّم (الإخلال بالآداب العامة)، وهذه العبارات مطاطة وغير محددة قانونياً، مما يُخالف مبدأ الشرعية المنصوص عليه في المادة 95 من الدستور المصري».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنه «تم حذف المحتوى الذي أثار المشكلة، ولكن حتى لو افترضنا أن المحتوى يستحق التقييد، فإن حجب الحسابات بأكملها عقوبة إدارية شديدة لا تتناسب مع طبيعة المحتوى. المعايير الدولية تُلزم بأن يكون أي قيد ضرورياً ومتوافقاً مع الهدف المُعلن، وأن يُلجأ إلى البدائل التي هي أقل قسوة أولاً».

ولفتت إلى أن «المادة 71 من الدستور المصري تحظر صراحة الرقابة المسبقة على الصحف والمواقع. وحجب الحسابات قبل صدور حكم قضائي نهائي يُعادل الرقابة المسبقة».

ورفضت هبة ما اعتبرته نوعاً من «التمييز في التطبيق»، موضحة أنه «إذا كان المحتوى يتعلق بعادة اجتماعية تم تناولها في أعمال سينمائية مصرية مرخصة مثل فيلم (دكان شحاتة)، فإن حجب حساب (بلوغر) دون محاسبة هذه الأعمال يُثير تساؤلات حول التمييز في تطبيق القانون واستهداف صنّاع المحتوى المستقلين».

وطالبت هبة بنشر التفاصيل الدقيقة لأسباب الحجب، وعدم الاكتفاء بعبارة «التعدي على قيم المجتمع»، كما طالبت بـ«التناسب في العقوبة»؛ بمعنى أنه «إذا كان هناك محتوى يستحق التقييد، يجب أن يكون التدخل محدداً (إزالة الفيديو المحدد)، لا حجب الحساب بأكمله».


اكتشاف كوكب حرارته تشبه حرارة الأرض

رسم تخيلي لكوكب غازي عملاق شبيه بكوكب المشتري خارج مجموعتنا الشمسية (جامعة ولاية بنسلفانيا)
رسم تخيلي لكوكب غازي عملاق شبيه بكوكب المشتري خارج مجموعتنا الشمسية (جامعة ولاية بنسلفانيا)
TT

اكتشاف كوكب حرارته تشبه حرارة الأرض

رسم تخيلي لكوكب غازي عملاق شبيه بكوكب المشتري خارج مجموعتنا الشمسية (جامعة ولاية بنسلفانيا)
رسم تخيلي لكوكب غازي عملاق شبيه بكوكب المشتري خارج مجموعتنا الشمسية (جامعة ولاية بنسلفانيا)

أعلن فريق دولي عن اكتشاف كوكب غازي خارج النظام الشمسي بحجم يقارب كوكب زحل، يتمتع بدرجات حرارة معتدلة أقرب إلى حرارة الأرض مقارنةً بالكواكب الغازية الشديدة السخونة.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية، وبالتعاون مع مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة «ناسا»، أن هذا الكوكب يمتلك غلافاً جوياً غير معتاد لكوكب من هذا النوع خارج النظام الشمسي، ونُشرت النتائج، الأربعاء في دورية «The Astronomical Journal».

وأظهرت الدراسة أن الكوكب، المعروف باسم «TOI-199b»، يقع على بُعد نحو 330 سنة ضوئية من الأرض، ويحتوي على غلاف جوي غني بغاز الميثان، وهو اكتشاف يُعد الأول من نوعه لكوكب غازي معتدل الحرارة خارج المجموعة الشمسية.

ويُصنَّف الكوكب الجديد ضمن فئة نادرة من الكواكب الغازية المعتدلة، إذ تبلغ درجة حرارته نحو 175 درجة فهرنهايت (نحو 80 درجة مئوية)، وهي أقل من «كواكب المشتري الحارة» التي قد تصل حرارتها إلى آلاف الدرجات، وأكثر دفئاً من عمالقة الغاز في نظامنا الشمسي التي تصل إلى درجات تحت الصفر. ويدور الكوكب حول نجمه مرة كل 100 يوم تقريباً، ويُعد من القلائل المعروفين في هذه الفئة الحرارية المتوسطة.

وباستخدام تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي، تمكن العلماء من تحليل الغلاف الجوي للكوكب عبر تقنية تُعرف باسم «مطيافية العبور» (Transmission Spectroscopy)، حيث يمر الكوكب أمام نجمه، ما يسمح بدراسة الضوء الذي يمر عبر غلافه الجوي.

وأظهرت النتائج أن الغلاف الجوي للكوكب يحتوي على نسب واضحة من غاز الميثان، مع مؤشرات محتملة لوجود الأمونيا وثاني أكسيد الكربون، ما يوفر أول تحليل تفصيلي من نوعه لكوكب غازي معتدل الحرارة.

ويساعد هذا النوع من الكواكب «معتدلة الحرارة» في سد الفجوة بين عمالقة الغاز الباردة مثل المشترى وزحل، والكواكب الحارة جداً خارج النظام الشمسي، وبالتالي فهم أوسع لتنوع الكواكب.

وقال الباحث الرئيسي للدراسة، الدكتور رينيو هو، من جامعة ولاية بنسلفانيا، إن دراسة هذا النوع النادر من الكواكب تساعد العلماء على فهم كيفية تشكل وتطور الكواكب والأغلفة الجوية بشكل أفضل، ليس خارج المجموعة الشمسية فقط، بل لفهم كوكب الأرض نفسه أيضاً.

وأضاف، عبر موقع الجامعة، أن هذا الاكتشاف يفتح الباب لدراسة مزيد من الكواكب المشابهة لمعرفة ما إذا كانت هذه الخصائص شائعة أم حالة فريدة.

ووفق الباحثين، يمثل هذا الاكتشاف أحد أهم إنجازات تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي في دراسة الكواكب خارج المجموعة الشمسية، ويعزز قدرة العلماء على تحليل عوالم بعيدة لم يكن ممكناً دراستها بهذا التفصيل من قبل. ويأمل الباحثون أن يتيح مزيد من الملاحظات المستقبلية تحديد التركيب الدقيق للغلاف الجوي لهذا الكوكب، ومقارنته بكواكب مشابهة لمعرفة مدى شيوع هذا النوع من العوالم في المجرة.