شخصيات مأساوية ومرحة تتحدى واقعها بالتهكم

الصيني يو هوا في ترجمة عربية لروايته «نهر الزمن»

شخصيات مأساوية ومرحة تتحدى واقعها بالتهكم
TT

شخصيات مأساوية ومرحة تتحدى واقعها بالتهكم

شخصيات مأساوية ومرحة تتحدى واقعها بالتهكم

صدر حديثاً للكاتب الصيني الشهير يو هوا الترجمة العربية لروايته «نهر الزمن»، نقلها عن الصينية المترجم يحيى مختار، الذي قدم للعربية رواية «بكين بكين» للكاتب شيو تسي تشين، و«صرخات تحت رذاذ المطر» ليو هوا نفسه، الذي تُرجمت له من قبل روايات «على قيد الحياة»، و«اليوم السابع»، و«مذكرات بائع الدماء»، ومجموعة قصصية بعنوان «صيف حار جداً».
يعتبر يو هوا، الذي ولد في الثالث من أبريل (نيسان) عام 1960 بمدينة هانغتشو بمقاطعة تشهجيانغ جنوب الصين، أحد أبرز أبناء جيل الرواد الذي يضم أيضاً مو يان، وسو تونغ، وسون قان لو، وليو جين يون وغيرهم من الأدباء المعاصرين. كما أنه أكثر الأدباء الصينيين المعاصرين شهرة على الساحة العالمية، وتأتي أعماله وزميله مو يان في مقدمة الإبداعات التي ترجمت إلى لغات أجنبية، وحظيت بانتشار عالمي واسع النطاق.
بدا جلياً تأثر يو هوا في روايته «نهر الزمن»، التي صدرت بمقدمة ضافية لمختار، بأسلوب الروائي الأميركي الأشهر صاحب نوبل ويليام فوكنر، خصوصاً رائعته الشهيرة «الصخب والعنف» من عدة نواحٍ، منها أسلوب السرد الذي يندرج تحت تيار الوعي، والابتكارات اللغوية والرسم الحي الصامت للشخصيات، وكذا الانزياح الزمني داخل السرد.
ويشير مختار في مقدمة الترجمة إلى أن أعمال يو هوا تتسم بنوع من الدراما النفسية والعمق الانفعالي، كما أنها تجمع بين التجريب التقني والطابع المحلي الذي يبرز ارتباطه بالبيئة التي عاش فيها والأشخاص الذين عرفهم. وهو ما جعل من أعماله بمثابة رسم حي وصورة مصغرة لواقع المجتمع الصيني في الوقت ذلك، كما أنه دائماً ما يولي اهتماماً بالغاً بالوقت داخل كتاباته، فهو يرى أن الوقت بمقدوره أن يغير من ملامح الحياة في أي لحظة.
يذكر أن يو هوا لم يقيد نفسه بالأسلوب السردي الروائي التقليدي، سواء كان السرد المتسلسل أو المقلوب أو المكمل أو حتى المتداخل، بل بدا واضحاً أنه تحرر من قيود السرد التقليدي، وأقحم نفسه وسط تركيب مزاجي وتراكيب أسلوبية تبدو للقارئ وكأنها قصاصات ممزقة من لوحة مكتملة.
وهناك طرف ثالث يقبع في ثنايا السرد في إبداعات يو هوا، الذي قسم روايته لأربعة فصول، كل منها يحتوي عدداً من العناوين الداخلية، وهذا الطرف الثالث يستطيع التغلب بفاعلية على محدودية الواقع السطحي للأحداث، بمعنى أنه يمكننا بواسطته الانتقال من الواقع الآني البسيط المحدود إلى الجانب المستقبلي المعقد. ما يعكس طبيعة أسلوب السرد التي انتهجها يو هوا في روايته، بحيث يبدو وكأنه يحكي للآخرين عن أحوال الآخرين وليس عن أحواله هو.
الشخصية المحورية في «نهر الزمن» التي صدرت في القاهرة ضمن مطبوعات «بيت الحكمة الصيني» و«دار المتوسط» العراقية، هي الطفل سون قوانغ لين الذي صار يافعاً، وهو الراوي الذي تجري على لسانه الأحداث، وقد جاء السرد بضمير المتكلم «أنا» الذي يعتمده الكاتب في الكثير من أعماله، حيث يحكي لنا بطل الرواية من موقف المتفرج تفاصيل المسار الزمني لأحداث حياته منذ كان في السادسة إلى أن بلغ الثامنة عشرة.
الراوي «أنا» يظهر في الرواية على صورتين، الأولى هي «أنا» الطفل والثانية هي «أنا» البالغ. حيث يسترجع «أنا» البالغ في الوقت الحاضر ذكريات «أنا» الطفل في الماضي، وهو ما يتجلى واضحاً عبر اختلاط الأزمنة والأحداث داخل الرواية. وعندما يتذكر «أنا» البالغ معاناة «أنا» الطفل في الماضي يتحول الغضب والبؤس الذي كان يسيطر عليه في الماضي إلى عفو وتسامح. وهذا في الحقيقة ليس سوى استغلال لقيم التسامح والترفع لدى الكبار للتحرر من الغضب والكره عند الأطفال.
وُلد سون قوانغ لين، وعاش في بيت عائلته بصحبة والده سون قوانغ تساي، ووالدته التي لم يرد اسمها داخل الرواية، وجده سون يو يوان في قرية اسمها «الباب الجنوبي» إلى أن بلغ السادسة، وهو الأخ الأوسط لثلاثة أخوة، الأكبر سون قوانغ بينع، الأصغر سون قوانغ مينغ الذي مات صغيراً، وقد تبناه بعد خروجه من القرية زوجان هما وانغ لي تشيانغ، وزوجته المريضة لي شيو ينغ، ثم انتقل للعيش معهما في مدينة سون تانغ القريبة من مسقط رأسه، وظل هناك إلى أن توفى والده بالتبني وانغ لي تشيانغ، حيث عاد مرة ثانية إلى قرية «الباب الجنوبي»، وظل هناك إلى أن التحق بالجامعة في بكين.
وكان يو هوا شارك في لقاء عقدته مكتبة القاهرة مؤخراً، وتحفظ خلاله على الإجابة عن سؤال حول محاذير الكتابة في بلاده، والموضوعات التي يجب على الكاتب عدم الاقتراب منها، وقال إن أعماله تدعم للترجمة للغات الأجنبية، ولفت إلى أن هناك موضوعات يهتم بها الناشر الصيني، ويبحث عنها في الأعمال الأدبية التي يسعى لنشرها، وهناك ظاهرة للكتب الرائجة التي تظهر لفترة قصيرة، ثم تختفي تماماً، وهناك أعمال يقبل عليها القراء دائماً. أما هو، كما أضاف، فيصوغ شخصياته بحرفية تجعلها حية، وتكشف أفضل وأقبح ما في النفس البشرية.
في «نهر الزمن» نجد الأب قد تخلى عن حياة الاستقامة ليتحول إلى شخص مبدد وماجن يجلب العار لنفسه ولعائلته، فنراه مرة يقيم علاقة مشبوهة مع امرأة مطلقة، وتارة يتحرش بزوجة ابنه، ويبدد ممتلكات بيته، وفي النهاية يقع في إدمان الخمر ويموت ميتة مهينة إثر سقوطه ثملاً وسط حفرة الصرف. وأخ أصغر يحاول تقليد أخيه الأكبر في سطوته وشجاعته فينبري لإنقاذ صديقه الذي سقط في النهر فيموت بدلاً منه. وأخ أكبر كثير الصمت كان يتطلع للانتقال للعيش في المدينة، ولكن محاولاته باءت بالفشل. وأم مكلومة كثيرة البكاء، خصوصاً بعد أفعال زوجها المشينة. وجد عاش حياة مليئة بالأحداث بداية من عمله في صباه مع والده الحجار وهروبه من نيران قوات الاحتلال الياباني وصولاً إلى زواجه من عائلة ثرية، ثم وفاة زوجته وانتقاله للعيش بين منزلي ولديه. هناك أيضاً والدان بالتبني، الزوج رجل عسكري يدخل في علاقة مع امرأة أخرى ثم ينتحر عندما ينكشف أمره، والزوجة امرأة مريضة غريبة الأطوار تغادر بيتها بعد موت زوجها تاركة طفلهما بالتبني وحيداً عاجزاً.
وتدور أحداث الرواية في ستينات وسبعينات القرن الماضي بالصين حول حياة طفل منعزل عمن حوله يحاول أن يفهم حياته غير الطبيعية. كما أنها مليئة بالكوميديا السوداء والأحداث المتناقضة.
ويشير مختار ضمن مقدمته إلى أن الرواية تسيطر عليها نظرة مأساوية للحياة، مثل باقي أعمال يو هوا، إلا أنها رغم ذلك حافلة بالفكاهة في الوقت نفسه، وهذا جزء لا يتجزأ من شخصيته، فهو دائم المزاح، ولكن بشكل تهكمي مليء بالتمرد على الواقع.



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».