قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس

تحرّك عسكري في العاصمة الليبية يربك خططاً للإصلاح

قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس
TT

قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس

قراءة في خلفيات الصراع الجديد على طرابلس

أربك تحرك عسكري جديد في العاصمة الليبية طرابلس، خطط إصلاح سياسية واقتصادية. ودخلت المدينة في صراع جديد، منذ مطلع الأسبوع، عقب هجوم مباغت قامت به قوات عسكرية تضم ألوف المقاتلين، من بينهم رجال كانوا من «النخبة» في عهد معمر القذافي.
وانطلقت قوات تعرف باسم «اللواء السابع»، المدججة بالأسلحة الثقيلة، من تمركزاتها في معسكرات بلدة ترهونة التي تبعد نحو سبعين كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة، ودخلت طرابلس تحت قذائف المدفعية. وانضم إليها عسكريون آخرون، من بلدات وقبائل معروف عنها أنها مناوئة لحكم رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، المدعوم دولياً. ويبدو أن «اللواء السابع» استغل حالة الغضب في طرابلس من سوء الخدمات، ونقص الخبز، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتأخر صرف الرواتب. بالإضافة إلى استمرار سجن قيادات من النظام السابق طوال السنوات السبع الماضية، وأخيراً صدور حكم بالإعدام على نحو خمسين من جنود الجيش، بتهمة قتلهم مسلحين أجانب واثنين من الليبيين في انتفاضة 2011.

أدى اقتحام طرابلس، خلال الأيام القليلة الفائتة، إلى إزاحة خطط بطيئة للإصلاح في ليبيا، إلى خلفية المشهد. فحتى أيام قليلة مضت كان مجلس النواب الذي يعقد جلساته في الشرق الليبي، برئاسة المستشار عقيلة صالح، يسعى لتعديل تشريعات يمكن أن تسهم في الوصول لحل سياسي يفضي لانتخابات عامة، بينما كان المجلس الرئاسي في طرابلس، برئاسة فايز السراج، يبحث تحرير سعر صرف العملة، ورفع الدعم، والحصول على قروض دولية لإنعاش الاقتصاد.
تبدو الأمور معقدة أمام المراقب للتطورات في ليبيا. إذ يفترض أن «اللواء السابع»، تابع للحرس الرئاسي الموالي للسراج. وكان الحرس الرئاسي نفسه في طرابلس، بقيادة العميد نجمي الناكوع، قد تعرّض في السابق للهجوم، على يد ميليشيات موالية للسراج أيضاً. وما زال الناكوع موالياً للمجلس الرئاسي نفسه، لكن غالبية قواته تشتتت، ولم تعد كما كانت عليه في الماضي.
ولا يوجد راهناً وزير للدفاع في حكومة السراج، بعدما دخل العقيد المهدي البرغثي، وزيره السابق، في نزاع معه قبل شهور حول قانونية استمراره في موقعه الوزاري. وعلى كل حال، تسبب هجوم «اللواء السابع»، على العاصمة خلال الأيام الأخيرة في خلط الأوراق من جديد. وقال مصدر في المجلس الرئاسي، إن «قادة هؤلاء العسكريين أصبحوا في حكم المتمردين، وينبغي مواجهتهم بكل السبل».

- تفاصيل ميدانية
مع الساعات الأولى من فجر يوم الاثنين كانت قوات «اللواء السابع» قد دخلت من معظم محاور طرابلس، وسيطرت على مناطق صلاح الدين والسدرة، واجتاحت طريق النصب التذكاري في عين زارة، وسيطرت على مناطق خلة الفرجان والمطار الدولي والهضبة التي يوجد فيها مقر كلية الشرطة، وكذلك منطقة باب العزيزية، التي كانت في السابق مقراً لحكم العقيد معمّر القذافي.
وشوهدت القوات التي يعتمد عليها السراج وهي تتقهقر في اتجاه الشوارع المطلة على بحر العاصمة، ومنها قوات «كتيبة ثوار طرابلس» و«الردع»، وغيرها. وتحت وطأة المفاجأة، أخذ موالون للمجلس الرئاسي يسرّبون أنباء عن أن القوات التي دخلت طرابلس هي قوات تابعة للسراج، بصفته القائد الأعلى للجيش، بهدف القضاء على الميليشيات المسلحة. ومن الجانب الآخر، شرع موالون للمشير خليفة حفتر، الذي يقود الجيش التابع للبرلمان، يروّجون لمقولة أن تحرّك جحافل القوات من ترهونة في اتجاه طرابلس، يجري بتنسيق مع حفتر.
قيادي في اللجان الثورية، التي كان يعتمد عليها القذافي طوال عقود حكمه، يقول إن هذا غير صحيح... فـ«القوات التي دخلت طرابلس لا تتبع السراج، ولا تتبع حفتر». ويضيف «لقد عزّز من مثل هذا الارتباك إقدام وسائل إعلام محسوبة على السراج على الاحتفاء بعرض عسكري كبير قام به (اللواء السابع) والمعسكرات التابعة له العام الماضي، في ترهونة، وكذلك احتفاء وسائل إعلام تابعة لحفتر، بالعرض نفسه. ومنذ ذلك الوقت حاول كل طرف استقطاب قوات (اللواء السابع)...».
ويشير القيادي في اللجان الثورية إلى أن السراج كان ساعة الهجوم، موجوداً في مطار إمعيتيقة، وأن سيارات عسكرية تقدّمت لتأمينه، ونقله على عجل إلى القاعدة العسكرية التي يوجد فيها مقرّ المجلس الرئاسي في بو ستة على شاطئ طرابلس، مع العلم أنه توجد قوات إيطالية في القاعدة نفسها. واستقبل السراج في مقره هذا، مبعوثين دوليين، على الرغم من الاشتباكات والفوضى.
للعلم، ينتمي قادة الأجسام الأربعة الظاهرة على مسرح الحكم في ليبيا، إلى ما يعرف بـ«ثورة فبراير (شباط)» التي أسقطت حكم القذافي بمساعدة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وكان هؤلاء القادة الأربعة التقوا في العاصمة الفرنسية باريس برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل ثلاثة أشهر؛ ما أثار حفيظة الإيطاليين. وظهر أن من بين المعتقدات التي تحرك بها الضباط والجنود، من مراكزهم في معسكرات ترهونة، إلى طرابلس، أن «كل هذه أجسام حكم وهمية... وحان الوقت لكي تختفي من المشهد». ويمكن أن يؤدي مثل هذا الطرح إلى مشكلات بين هؤلاء العسكريين، والمجتمع الدولي.
حالياً، يجري بحث إمكانية وقف إطلاق النار، وتجنب إراقة الكثير من الدماء. إلا أن قيادياً كبيراً من منظّمي الهجوم على طرابلس يقول إن هذا ممكن في حالة ما إذا انصاعت ميليشيات العاصمة لمشروع يقضي بتسليم أسلحتها. وهذا يعني سلب السراج مصدر قوته. وبالتالي، يمكن لخصومه في شرق ليبيا وغربها استغلال الوضع لإقصائه عن الحكم.

- أضلاع الميليشيات
ومن أبرز القوى التي ينظر إليها كأضلاع رئيسية للميليشيات في طرابلس «كتيبة ثوار طرابلس» بقيادة هيثم التاجوري و«قوة الردع الخاصة» بقيادة الاسلامي عبد الرؤوف كارا. ويعتمد السراج على هاتين المجموعتين في تأمين العاصمة، مع قوات نظامية تابعة لكل من الجيش ووزارة الداخلية. وما زال لدى غالبية ضباط هذه القوات النظامية، المشتتة والضعيفة، حنين للماضي، ولا سيما، أنهم كانوا في السابق رجال الأمن المخلصين في نظام القذافي. وخلال الساعات الـ24 الماضية، قصفت الفرقة القادمة من ترهونة معسكرات «التاجوري» و«كارا». وكان هذا الأخير محاصراً من محاور عدة. وبالإضافة إلى «كتيبة ثوار طرابلس»، هناك مجموعة ميليشياوية رابعة في العاصمة تعرف باسم «كتيبة الأمن المركزي» بقيادة عبد الغني الككلي وكانت حتى وقت قريب موالية للسراج، لكنها دخلت في خلافات معه في الشهرين الماضيين، وأصبحت شبه معزولة. لهذا؛ يبدو أنها لم تستطع مقاومة قوات «اللواء السابع مشاة» الآتي من ترهونة في العملية الأخيرة.
ما يذكر أنه منذ منتصف عام 2016، كانت ميليشيات طرابلس قد تمكنت من الانفراد بالهيمنة على أمن العاصمة. ويطغى على توجهات قادة هذه الميليشيات تيار ديني يعرف بـ«الوسطي»، وذلك بسبب دخوله في حروب مع قوات محسوبة على المتشددين، من جماعة «الإخوان»، و«الجماعة الليبية المقاتلة»، حيث وقعت مناوشات بين الطرفين قرب مطار إمعيتيقة انطلاقاً من منطقتي تاجوراء والخُمس مرات عدة في الشهور الأخيرة.
وأمام التحرّك المباغت لـ«اللواء السابع»، شعرت قوات حلف «الإخوان» و«المقاتلة» في تاجوراء والخُمس ومصراتة بأنها خارج المشهد، محلياً. وعلى الصعيد الدولي بدا، من خلال تحركات كثير الدبلوماسيين الأجانب والعرب، أن الصورة غير واضحة للجميع. وأن تحرك العسكريين من ترهونة، من الخطوات النادرة التي تتخذها قوات نظامية ليس لديها سند خارجي (دولي، أو إقليمي) يذكر، وذلك منذ هزيمة نظام القذافي في 2011.
وفي غرفة عمليات عسكرية، كانت هناك اتصالات من جانب ضباط أبدوا رغبتهم، لأول مرة منذ إطاحة نظام القذافي، في الانضمام إلى تحرّك ترهونة، والمشاركة في السيطرة على العاصمة. كما تلقّت الغرفة اتصالات من جانب دبلوماسيين غربيين. وكانت هناك رغبة في فهم ما يجري سريعاً. لكن كل دقيقة كانت تأتي بأنباء جديدة تزيد من غموض الصورة.

- القصف الجوي
إذ استخدم عسكريون موالون للسراج سلاح الطيران، انطلاقاً من قاعدة الوطية في محاولة لضرب الخطوط الخلفية للقوات التي تقدمت إلى طرابلس. وجرى بالفعل استهداف معسكرات في ترهونة. وحسب شاهد عيان «القصف طال ميدان المدينة أيضاً، والخسائر البشرية وصلت لعشرين قتيلاً. ووردت بلاغات أخرى بأن القصف لم يحدث الخسائر التي كانت متوقعة لعرقلة (اللواء السابع)».
وتخضع قاعدة معيتيقة، حالياً، لنفوذ قوات تابعة لما يعرف بـ«المنطقة العسكرية الغربية» المعينة من السراج. ويعد البعض خطوة استخدام الطيران الحربي مجازفة، ربما يكون لها تداعيات دولية أيضاً. ويقول مصدر دبلوماسي بهذا الصدد «حتى الآن تعارض كل من فرنسا وروسيا استخدام الطيران الحربي في الاشتباكات. ويبدو أن إيطاليا لديها موقف مغاير».
من ناحية ثانية، نددت قيادات محلية في ترهونة بالقصف الجوي، وحمّلت المجلس الرئاسي المسؤولية. لكن مسؤولاً في المجلس يقول، إنه «يرفض أي عمليات جوية مهما كانت الأسباب... لا وجود لأي نية من الحكومة لاستعمال السلاح الجوي ضد أبناء الشعب».
وهنا لا بأس من الإشارة إلى أنه، بالنظر إلى الماضي، وطوال تاريخ ليبيا، كان المحتلون الأجانب يخشون من البوابة الجنوبية الشرقية لطرابلس، باعتبارها أسهل مدخل لمن يسعى للسيطرة على المدينة. ويتذكر أهالي ترهونة اسم الطيار الإيطالي، كارلو ماريا، الذي قام بقصف بلدتهم أثناء دخول قوات موسوليني لليبيا، في النصف الأول من القرن الماضي.

- تفاصيل عن الاقتحام
من بين مداخلات كثيرة، في مساء يوم الأربعاء وصباح يوم الخميس، مع ضباط يشاركون في قيادة عملية اقتحام طرابلس، يظهر أن هؤلاء كانوا يتبعون طريقاً خاصة، طوال السنوات الثلاث الماضية، ليضمن لهم النمو بعيداً عن أي عراقيل. فقد فتحوا، كقيادات، منذ البداية، خطوط اتصال مع الجميع. واستقبلوا عدداً كبيراً من العسكريين الموالين للنظام السابق، وقاموا بتسليحهم. ويقول أحد المقربين من القذافي، وهو يتابع توغل «اللواء السابع» في العاصمة: «أمراء المحاور معروفون لدينا جيداً... إنهم من النخبة».
وظهر اسم «اللواء السابع» في وسائل الإعلام، بعد اجتياحه طرابلس، بصفتها قوات غير معروفة الولاء. لكن قائداً عسكرياً يقول، إن هذا اللواء منضبط وهو جزء من فرقة عسكرية كبيرة تتمركز في ترهونة، وهذه الفرقة تضم معسكرات كثيرة، والقادة الذين فيها تمكنوا، في السنوات الأخيرة، من العمل في صمت، وجمعوا عتاداً ضخماً من الأسلحة، بما فيها الدبابات والمدرعات والصواريخ.
ويضيف «بداية تجمع هذه القوات بدأ قبل نحو ثلاثة أعوام عن طريق عائلة كبيرة معروفة في ترهونة. وتمكن أربعة أشقاء من العائلة المشار إليها، وأحدهم عسكري من نظام القذافي، من إعادة فتح أبواب المعسكرات التي تعرّضت للقصف من حلف الناتو أثناء الانتفاضة المسلحة في 2011».
هذا، ويحرص معظم قادة «اللواء السابع» على تحاشي الظهور امام الأضواء، وفي المقابل يجري تداول أسماء الأشقاء الأربعة في العائلة الترهونية، باعتبارهم الواجهة، وعلى أساس أنهم هم أول من بدأ في فتح الباب لكل هذه التشكيلات العسكرية... «في البداية جرى الاتفاق مع وجهاء المدينة على ميثاق بأن هذه القوات مكلفة بالدفاع عن ترهونة، فقط، رغم أن هذه القوات تنتمي إلى مدن وقبائل مختلفة».
وساهمت الأرضية في ترهونة لمثل هذا الأمر. فقد كانت المدينة تضم واحدة من أشد كتائب حرس القذافي شراسة. لقد كانت هذه الكتيبة، حتى سقوط النظام القذافي، تضم نحو ألفي عنصر، إلى جانب معسكرات الجيش. ومنذ وقت مبكر أيضاً، أي قبل نحو سنتين، جرى الاتفاق بين قبائل ترهونة وهؤلاء العسكريين، مرة أخرى، على رفض الانحياز لأي طرف من الأطراف المتصارعة في ليبيا، سواءً في الشرق أو في الغرب.
حتى مدينة بني وليد، التي تعد عاصمة لقبيلة ورفلة الكثيرة العدد - التي ما زالت تضم قيادات موالية للنظام السابق، وترفع أعلام الدولة في زمن القذافي - لم تكن تعلم بما يدور في معسكرات ترهونة. ويقول قيادي قبلي من ورفلة «كنا ننسق ونراقب، لكننا لم نعرف بساعة الصفر». وثمة اليوم مخاوف لدى مجموعة المجلس الرئاسي من التحاق قبيلة كبيرة أخرى، هي ورشفانة، بقوات «اللواء السابع». وتعتبر ورشافنة أقرب إلى العاصمة من مدينة بني وليد. ومن جانبه، يضيف القيادي الورفلي «إذا دخلت ورشفانة إلى طرابلس، سندخل لمساعدتهم». إلا أن قائداً عسكرياً في ترهونة يقول إن «اللواء السابع» بدأ منذ يوم الأربعاء في تلقي الدعم، بالفعل، من جهات معروف عنها رفضها «الثورة التي أطاحت القذافي»، ومنها بني وليد وقبائل ورشفانة والأصابعة والمقارحة، وغيرها.
وفي تعليق على الوضع يشرح قائد عسكري قائلاً «ظل (اللواء السابع)، في السابق، منزوياً بعيداً عن أي نزاع، لدرجة أن بعض القوى كانت تسخر من اعتكافه على نفسه داخل معسكراته... ولم يأبه بمن كانوا يتندرون عليه. وسمحت طول فترة الإعداد، بتكديس الألوف من قطع الأسلحة، وبالاستمرار في التدريبات العسكرية في معسكراته». ويتابع أن «أكبر الخسائر العسكرية التي تعرض لها الجيش الليبي والقوى الأمنية في 2011، كانت من بين عناصر هذه المعسكرات، وأن أكبر عدد من الأسرى (على يد زعماء ثورة فبراير) كان أيضاً من بين هؤلاء العسكريين... أعتقد أن خططهم، وتقدمهم، كان محسوباً جيداً؛ حتى لا تتكرر مأساة الماضي».

- بيان «اللواء السابع»
أخيراً، أعلن «اللواء السابع» في بيان، أن العملية العسكرية التي يخوضها في طرابلس «ليست طلباً للسلطة، أو طمعاً في مغانم»، بل أتى «لإغاثة المواطنين المستضعفين والمظلومين من قبل الميليشيات»، وأنه حريص على سلامة العاصمة، وأهلها؛ التزاماً بالعقيدة الوطنية والعسكرية. وتابع أيضاً إنه يطمئن «كل السفارات والشركات والمواطنين الأجانب بأنهم سيكونون تحت حماية الجيش والشرطة».
لكن مع هذا، يسود اعتقاد بأن المجتمع الدولي لن يترك المجلس الرئاسي يواجه مصيره وحده أمام خطط «اللواء السابع» للسيطرة على العاصمة. فلقد استقبل السراج في طرابلس، أخيراً، كلاً من الوزير اللبناني السابق الدكتور غسان سلامة، رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ونائبته للشؤون السياسية الأميركية ستيفاني ويليامز، وجرى خلال اللقاء بحث «معالجات ضرورية» لإنهاء المواجهات المسلحة في العاصمة، بأسرع وقت ممكن، لكن لم تظهر طريقة محددة بعد للتوصل إلى مثل هذه «المعالجات».

- بُعد اجتماعي وقبلي وسياسي
من بين ما قامت به قيادات «اللواء السابع» خلال السنوات الماضية، التفاوض مع حكام طرابلس على إطلاق سراح المسجونين منهم في سجون الميليشيات. وتمكنت حقاً من استعادة مئات عدة من ضباط وجنود كانوا موقوفين بتهمة موالاة النظام السابق.
وبالتزامن مع هذا، عمل قادة «اللواء السابع»، كذلك، على استقطاب عسكريين من زملائهم، وبخاصة أن الجيش الليبي يتميز، تاريخياً، بأن عدداً كبيراً من ضباطه وجنوده، في معظم الوحدات العسكرية والأمنية، ينتمون أساساً إلى مدينتي ترهونة وبني وليد.
وحدث هذا التغلغل لأبناء ترهونة وبني وليد داخل الجيش والأجهزة الأمنية الليبية في أعقاب تولي القذافي الحكم في عام 1969، بل إن نحو ألفي عسكري، ممن كانوا يتمركزون في ترهونة، تحركوا بآلياتهم الثقيلة في «ثورة القذافي» للمشاركة في السيطرة على طرابلس. وكان على رأس كتيبة المشاة في ذلك الزمن، وزير الدفاع فيما بعد، أبو بكر يونس، الذي قتل مع القذافي في سرت. وكانت من أوائل الوحدات التي دخلت طرابلس لتعضيد حكم القذافي منذ بدايته.
وبعد ذلك انتقلت أعداد كبيرة من أبناء ترهونة وبني وليد للإقامة بشكل دائم في العاصمة، مدفوعين بقرب أبنائهم من السلطة آنذاك. واستوطنوا ضواحي الهضبة وتاجوراء، وغيرهما. وتعد هذه في حد ذاتها أرضية خصبة لمن دخلوا خلال الأيام الأخيرة إلى طرابلس.
وحسب كلام مصدر أمني، فإن عدد عناصر معسكرات ترهونة، ومنها «اللواء السابع»، يبلغ نحو سبعة آلاف مقاتل، من بينهم نحو خمسة آلاف من النظاميين، و2000 من المتطوعين المدنيين. ويضيف المصدر، أن معظم عناصر هذه المعسكرات، كانوا أثناء الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، من قوات النخبة في «اللواء 32 معزّز» الذي يتسم بالشراسة، وكان يقوده خميس نجل الرئيس الليبي الراحل، قبل مقتله.


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».