العرب اهتموا بالحداثة لكنهم أهملوا جذورها

موسوعة مغربية عن المفاهيم الأساسية في العلوم الإنسانية والفلسفية
الخميس - 19 ذو الحجة 1439 هـ - 30 أغسطس 2018 مـ Issue Number [14520]
الرباط: محسن المحمدي

يتميز الدكتور محمد سبيلا بأسلوبه، الذي يراعي القارئ العادي ويسعى للتواصل معه دون تعقيدات، كما أنه مشهور بموضوع جعله شاغل ذهنه وهو: «الحداثة»، حيث ناضل في التعريف بها والتأكيد على أنها أفق العصر، وهنا نستحضر كتابه الصغير «الحداثة وما بعد الحداثة» الذي كتبه ليعمم المفهوم لدى الإنسان العربي وتنبيهه إلى أن منظومتنا يغلب عليها التحديث (الجانب المادي) وليس الحداثة (الجانب الفكري والثقافي)، فالعرب والمسلمون اهتموا بمظاهر الحداثة وشكلها التقني وأهملوا الجذور والأسس المحركة لها، فنحن ننغمس بيسر في بحر المنتجات الحداثية ونستهلكها بإفراط. لكن في مقابل ذلك نجد صعوبة في قبول العقل المحرك للحداثة.
وأشرف وساهم سبيلا مؤخرا في إنجاز موسوعة تحت عنوان: «موسوعة المفاهيم الأساسية في العلوم الإنسانية والفلسفية» التي أصدرها «المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية» بالرباط بمنشورات «المتوسط»، إيطاليا، في طبعتها الأولى سنة 2017، 580 صفحة.
ولقد تمت هذه الموسوعة بتضافر جهود العديد من الباحثين في تخصصات مختلفة، حيث تكلف الباحثان: نوح الهرموزي ومحمد تمالدو بالعلوم الاقتصادية، أما العلوم السياسية فقد تكلف بها إدريس لكريني وأحمد مفيد، وعلم الاجتماع عبد الرحيم العطري، وعلى علم النفس عبد اللطيف بوجملة، أما الفلسفة فقد تفرغ لها كل من محمد سبيلا ومحمد الشركة ومحمد أمزيان وعادل حدجامي.
إن الموسوعة كما يتبين هي عمل قد أنجز من طرف 10 باحثين متخصصين وهو ما أعطانا منتوجا محترما جدا ومتميزا بالدقة والاقتضاب، غير المخل، زيادة على سلاسة الأسلوب، الأمر الذي يريح القارئ ويجعله يصل إلى لب المفاهيم المبحوث عنها بيسر.
نقرأ في مقدمة الموسوعة التي جاءت بقلم منظم الفريق سبيلا الآتي: «نقدم للقارئ العربي اليوم زبدة مجهود استمر عدة سنوات من أجل إنضاج نموذج جديد لموسوعة شاملة في مجال العلوم الإنسانية».
كما يضيف سبيلا أنه وإن كان العمل قد أنجز من طرف متخصصين جامعيين في مجالات عدة فإن العمل لم يخرج للوجود إلا بعد التنسيق والمناقشة بين كل أعضاء الفريق.
اعتمد فريق العمل على معايير محددة هي كما ذكرها سبيلا كالآتي: أولا احترام التخصص بشكل جيد، ثانيا اختيار المفاهيم الجوهرية في كل علم من العلوم الإنسانية (فلسفة، علم الاجتماع، علم النفس، علم السياسة والقانون، الاقتصاد)، ثم ثالثا الاعتناء بالصياغة الواضحة واللغة التواصلية التداولية.
أما عن الهدف الأساسي من إنجاز هذه الموسوعة فهي تقوية نظرة العربي إلى القضايا الإنسانية وعدم تركه غارقا في تصورات تقليدية متوارثة، التي أصبحت عبارة عن أدوات بالية لا تصلح لحل المآزق. فالموسوعة إذن جاءت لتراهن على إخراج القارئ من القصور في الرؤية للمشهد الإنساني وذلك عن طريق تزويده بالعدة اللازمة والتي ما هي إلا المفاهيم الملائمة لأفق العصر.
ويذكّر سبيلا بأن الإدراك العربي العام والعادي يميل إلى المنتجات الغربية التقنية، متناسيا أن للحضارة الحديثة وجهها الآخر والمتمثل في الإنتاج الفكري المتماشي مع هذه التقنية. أو لنقل بمعنى آخر أن العربي عموما يتعلق بقسم من الحداثة أي ظاهرها وسطحها المرئي البارز ويغفل عن قسمها الآخر والذي هو خفي يسري في ثناياها ويحتاج ليس فقط للاستهلاك بل للتأمل والبحث قصد الاستيعاب والهضم، والذي لن يتأتى إلا من خلال ضبط المفاهيم، وهذا هو مطمح هذه المبادرة الفكرية، كما يقول سبيلا.

إقرأ أيضاً ...