اعترافات «كلير شازال»... أكثر مذيعات فرنسا شعبية

مذكرات عن طردها من النشرة والحبيب الفوضوي والزوج الهاجر

مع زوجها السابق
مع زوجها السابق
TT

اعترافات «كلير شازال»... أكثر مذيعات فرنسا شعبية

مع زوجها السابق
مع زوجها السابق

الكل يسجل مذكراته بعد أن يتقاعد من المهنة. لكن كلير شازال، أكثر المذيعات شعبية في فرنسا، لم تتقاعد بل تحملت استبعادها الفظ عن نشرة الأخبار المسائية في القناة الأولى. لم يعد عمرها في صالحها، وقد احتلت مكانها شقراء أخرى أصغر سناً هي آن كلير كودري. ففي فرنسا، بورصة للوجوه التلفزيونية، وبناء على تعاملات تلك البورصة فإن الجمهور يفضل المذيعة الشقراء. لكن شازال، 61 عاماً، لم تكن مجرد مذيعة تقرأ النص الذي كُتب لها بل صحافية تشارك في صياغة النشرة وإعدادها. وهي قد تلقت عروضاً جديدة للعمل واختارت الانتقال إلى القناة الخامسة لتقديم برنامج ثقافي يومي يشبع هوايتها للأدب.
أخذت شازال وقتها لتلتقط أنفاسها وتسجيل مذكراتها التي صدرت عن منشورات «غراسيه»، مؤخراً، بعنوان «بما أن كل شيء يمضي». وفيها تتطرق إلى فصلها من القناة الأولى بين عشية وضحاها بعد 23 عاماً من تقديمها للنشرة التي يتابعها نحو من 10 ملايين مشاهد في عطلة نهاية الأسبوع. ورغم المرارة التي تشعر بها فإنها لم تستخدم الكتاب لتصفية الحساب مع أي من رؤسائها السابقين، وكتبت أنها تكتفي بالحب الذي يحيطها به الناس حيثما تنقلت في الأماكن العامة وبالرسائل التي تصلها من المعجبين. فقد تلقت رسالة من رجل يقيم في مدينة نانت، يبلغ من العمر 33 عاماً، كتب لها أنه يعرفها ويتابعها منذ أن كان في السادسة من العمر، وما زال يتمنى لو يسمعها تقدم النشرة بصوتها الهادئ وملامحها الوديعة. وتعلق كلير بالقول إن المشاهدين يرونها هادئة ولا يعرفون القلق الذي يعيشه النجم التلفزيوني، خصوصاً في الدقائق التي تسبق البث المباشر على الهواء. وتكتب عن نوع آخر من القلق هو «الشعور بالوحدة وخشية الفشل والخوف من الشيخوخة واحتمال أن يكشف الجمهور نقطة الضعف عندك». وكانت السينما قد تطرقت إلى هذا الموضوع من خلال فيلم قامت ببطولته النجمة كاترين دينوف، ودارت حبكته حول مقدمة شهيرة لنشرات الأخبار يجري الاستغناء عنها في غفلة منها بسبب تقدمها في السن.
نعرف من الكتاب أن سنة 2015 كانت ثقيلة عليها. وعدا عن فقدانها لوظيفتها، فقد فارقت والدتها الحياة كما قرر ابنها الشاب أن يستقل بحياته ويغادر المنزل العائلي. كانت الستّون تفتح ذراعيها لاستقبالها ولتذكيرها بأنها لم تعد تلك الشابة التي تطلبها الشاشات. إن عمر المذيعة أطول من عمر عارضة الأزياء، بالتأكيد، لكن عليها أن تعتني بمظهرها وتحافظ على قوامها مثل العارضة تماماً. كما أنها في طفولتها وصباها عشقت الرقص وكانت تخصص ساعة ونصف الساعة كل يوم لتدريبات «الباليه». وتقول إنها لن تخترع لنفسها سيرة غير سيرتها، ولم تلجأ للكتابة لتجميل صورتها بل لأنها شعرت بالحاجة لأن تكتب الأمور كما حصلت رغم إدراكها بأنها ستنشر هذه الاعترافات. ومن اعترافاتها أن عائلتها لم تأخذ بيدها نحو السعادة وعاشت في جو من القلق وكانت والدتها تخشى القدر وقد أورثتها تلك الخشية. وظلت نوبات الشك تراودها بحيث إنها أوشكت، أثناء مقابلة مع الرئيس السابق فرنسوا هولاند، أن تنسحب من موقع التصوير. ثم هناك الخوف من المنافسة. وكانت مضطرة لأن تخفي قلقها وتبدو قوية وقديرة أمام زملائها وفريق العاملين معها، لأنها ترى في أعين بعضهم أمنيات في إزاحتها واحتلال موقعها. ومع كل صباح، كان عليها قراءة أرقام المشاهدين الذين تابعوا النشرة لتتأكد من أن القنوات الأخرى لا تهددها شعبيتها ولا تصل لعدد المشاهدين نفسه. وحتى عندما وجدت نفسها مطرودة من النشرة، لم تفكر بالتخلي عن كل شيء وصفق الباب وراءها والذهاب بعيداً والاكتفاء بما جمعته من ثروة. تقول: «ماذا سأفعل إذا تقاعدت؟ أنا صحافية تلفزيونية ولا أعرف القيام بعمل غير هذا».
ثم يأتي الفصل الأكثر إثارة في كتابها، حين تتحدث، لأول مرة، عن علاقتها الطويلة مع مذيع الأخبار الشهير باتريك بوافر دارفور، والد ابنها الوحيد. الذي سبقها في مواجهة تجربة الطرد المفاجئ من التلفزيون. وتكتب: «كانت حكايتي مع باتريك مشبوبة، وأحياناً فوضوية. إنه ليس من نوع البشر الذين يمكن بناء حياة مباشرة معهم لأنه كان رجلا خارج الأنماط المعتادة. وقد كنت أراه بعين الحب في البداية ثم عرفت مقدار القوة التي حاول نقلها إلى طفلنا. وأنا لا أبحث اليوم سوى عن التهدئة، وهو أيضاً، ونحن نتفاهم بشكل جيد، ومهما حدث يبقى هذا الرجل والد ابني». هذا الابن الذي تقول والدته إنه عانى من شهرة والديه وكان يرفض أن يتحدث عنه الناس باعتباره ابن فلان أو فلانة، بل يريد أن يؤسس حياته معتمداً على نفسه. لذلك شد الرحال إلى قارة بعيدة هي نيوزيلندا، وعاش في اليابان، قبل أن يعود مؤخراً إلى باريس.
رغم معرفة الجميع بالعلاقة التي جمعت بينها وبين باتريك بوافر دارفور. رفضت شازال، طوال سنوات، الإفصاح عن هوية والد ابنها. وكان الأب هو من أقرّ بذلك في كتاب أصدره بعد 10 سنوات على ولادة الطفل. وبعد انفصالهما تزوجت شازال المنتج التلفزيوني إكزافييه كوتور. لكن بخلاف العبارات الهادئة التي تخصصها لحبيبها السابق، فإنها تبدو أكثر مرارة في وصف الزوج الذي عاشت معه 3 سنوات، فتكتب أنهما تزوجا في سن متقدمة، وكانت هي قد تجاوزت الأربعين وتحتاج لكتف تسند رأسها عليه وتصورت أن نضجهما سيسمح لهما بالعيش معاً حتى نهاية العمر، ولهذا اشتريا منزلاً في الريف. «لكنه تركني وذهب. لماذا؟ لا أعرف».
حال صدور الكتاب، نشرت مجلة «باري ماتش» الباريسية مقابلة مع شازال عهدت بإجرائها إلى مارلين شيابا، الوزيرة الفرنسية لشؤون المساواة بين الجنسين. ولدى سؤالها عن الحملة الجارية في أوساط الممثلات والنساء الشهيرات لكشف المتحرشين بهن، أجابت بأنها لم تحب شعار الحملة «افضحي خنزيرك». لكنها تعتبر الحملة مفيدة ولا رجعة فيها. أما فيما يخص حضور المرأة الصحافية في التلفزيون فإنها تبدي سعادتها لأن قنوات مهمة كثيرة تدار حالياً من زميلات لها، وهي قد أخذت حقها ولقيت التقدير طوال سنوات عملها وتحملت مسؤوليات كبيرة من دون أن يعيقها كونها امرأة. لذلك فإنها تتمنى أن تجد الفتيات الفرص المناسبة للتقدم، وقد أطلقت، سنة 2007، حملة بالتعاون مع 5 صحافيات فرنسيات شهيرات لتحسين شروط التعليم للبنات في البلاد الفقيرة. ودعمت «اليونيسيف» تلك المبادرة.
حصلت شازال على وسام الشرف 2004 وعلى جائزة أفضل مذيعة أخبار 1991 وعلى درع المرأة الذهبية 2009. وبفضل شهرتها الطاغية كمذيعة للأخبار، شاركت شازال في أكثر من 13 فيلماً سينمائياً كضيفة شرف، حيث أدت دورها الحقيقي في الحياة. وفي الربيع الماضي وافقت على الظهور في حلقة من مسلسل «جريمة في شاطئ أوماها» الذي تبثه القناة الفرنسية الثالثة، وأدت دور نائبة في البرلمان ووالدة لأحد شهود الجريمة. وقد سبقها الكثير من نجوم الشاشة الصغيرة في الحلول كضيوف شرف على المسلسل.



فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.


محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
TT

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)

قال الفنان محمد عبد الرحمن إن مشاركته في مسلسل «المتر سمير» تُمثل بالنسبة له محطة مختلفة في مشواره، لكونها تعتمد على بناء علاقة إنسانية واضحة تكون هي العمود الفقري للأحداث، مشيراً إلى أن اللحظة التي عُرضت عليه فيها الفكرة حملت عنصر جذب أساسياً تَمثّل في طبيعة الشخصية وصلتها المباشرة ببطل العمل، الذي يجسده كريم محمود عبد العزيز، إذ يؤدي دور خاله، وهي علاقة درامية تمنح مساحة واسعة للتفاصيل والمواقف المركبة.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفكرة أعجبته قبل أن يقرأ السيناريو؛ لأن وجود الخال شريكاً أساسياً في مسار الحكاية منحته إحساساً بأن الدور له حضوره وتأثيره في مسار الأحداث، فالعلاقة بين الخال وابن أخته بطبيعتها تحمل مزيجاً من الحنان والندية، والقرب والاختلاف، وهو ما يفتح الباب أمام لحظات إنسانية صادقة يمكن أن تتحول في لحظة إلى مواقف كوميدية خفيفة، وفي لحظة أخرى إلى لحظات مواجهة أو مراجعة.

ويجسد محمد عبد الرحمن في «المتر سمير» شخصية «أنور عدلان»، وهو خريج كلية حقوق، جاء من مدينة بنها إلى العاصمة حاملاً معه تصورات بسيطة ومباشرة عن الحياة، فيما يُشارك ببطولة العمل كل من ناهد السباعي وسلوى خطاب.

عبد الرحمن في مشهد من مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

دور «أنور»، كما يصفه، ليس شخصية تقليدية للقادم من الإقليم، بل إنسان طبيعي يعيش في زمنه، يتحدث بطلاقة، ويدرك تفاصيل الواقع، لكنه يحتفظ بقدر كبير من الصفاء الداخلي الذي يجعله يصطدم أحياناً ببعض قسوة المدينة وتعقيداتها، مؤكداً أن التحدي الحقيقي في تقديم هذه الشخصية كان الابتعاد تماماً عن أي مبالغة في الأداء، سواء على مستوى اللهجة أو الحركة أو حتى ردود الفعل.

وأشار إلى أن الفكرة لم تكن تقديم نموذج نمطي، بل رسم شخصية قريبة من الناس، يمكن أن تراها في حياتك اليومية دون الشعور بأنها مصطنعة من أجل الكوميديا، لذلك اعتمد في تحضيراته على قراءة متأنية للنص، ومحاولة فهم الخلفية النفسية للشخصية قبل الاهتمام بالشكل الخارجي.

وعن التحضير للشخصية، قال محمد عبد الرحمن إنه يبدأ دائماً بمحاولة تصور شكل الشخصية في الحياة اليومية، كيف تمشي وتجلس، وتنفعل، وتصمت، فهذه التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الفارق، لكونها تمنح الشخصية صدقاً بعيداً عن المبالغة، مشيراً إلى أن أقرب ما يجمعه بـ«أنور» هو حالة الدهشة التي قد تُصيب الإنسان أحياناً حين يواجه مواقف غير متوقعة، وهو شعور يعتبره إنسانياً بالدرجة الأولى.

وأكد أن «أنور» يتمتع بطيبة فطرية تجعله يميل إلى تصديق الآخرين وإعطائهم فرصة، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من لحظات ضعف أو غضب حين يشعر بأنه يتعرض للاستغلال، وهذه المساحة بين الطيبة والرغبة في الدفاع عن النفس هي ما يعدّه جوهر الشخصية، لكونها تخلق حالة من التوازن تجعل المشاهد يتعاطف معه، حتى في لحظات خطئه أو اندفاعه.

وعن علاقته داخل الأحداث بشخصية «المتر سمير» التي يقدمها كريم محمود عبد العزيز، أشار إلى أن الرابط العائلي يضع الطرفين في حالة دائمة من التداخل، فلا يمكن لأي منهما أن يكون محايداً تجاه الآخر، فهناك مشاعر حماية متبادلة، واختلاف في الرؤى، وطريقة التعامل مع الحياة، وهو ما ينتج عنه احتكاك دائم يغذي الدراما، مؤكداً أن «هذه الثنائية هي أحد أهم أعمدة العمل، لأنها قائمة على صراع لطيف بين جيلين، أو بين تجربتين مختلفتين في مواجهة الواقع».

الفنان المصري محمد عبد الرحمن - حسابه على فيسبوك.

وتحدّث عبد الرحمن عن كواليس التعاون مع كريم محمود عبد العزيز، مشيراً إلى أن بينهما حالة انسجام واضحة ساعدت كثيراً في خروج المشاهد بصورة طبيعية، لافتاً إلى أن العمل المشترك يتطلب قدراً من التفاهم والثقة، خصوصاً حين تكون هناك مساحة كبيرة من المشاهد الثنائية، وهو ما تحقق بالفعل من خلال جلسات التحضير والمناقشات المستمرة حول تفاصيل الأداء.

كما عبّر عن سعادته بالعمل تحت إدارة المخرج خالد مرعي، مؤكداً أن «مرعي يتميز بدقة شديدة في ضبط الإيقاع العام للمشاهد، ولا يترك مساحة كبيرة للارتجال غير المحسوب، وهذه المدرسة تناسبني إلى حد كبير، لأنني أفضل الالتزام بالنص المكتوب والعمل على تطويره من الداخل بدلاً من الاعتماد على المفاجأة اللحظية».

وأكد عبد الرحمن أن «المسلسل يراهن على تقديم كوميديا نابعة من الموقف، بحيث يشعر المشاهد بأن الضحك يأتي طبيعياً من تطور الأحداث وتفاعل الشخصيات»، معرباً عن أمله في «أن يصل العمل إلى الجمهور بروحه الحقيقية، وأن يشعر المشاهد بأن الشخصيات تشبهه أو تشبه مَن يعرفهم».