في خطابه في «جاكسون هول»، أظهر رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي جيروم باول حذراً نسبياً رغم أنه أبدى رأيه بمواصلة الرفع التدريجي لأسعار الفائدة.
ويذكر أن اجتماعات جاكسون هول السنوية افتتحت الخميس الماضي في كانساس واستمرت 3 أيام، وهي تقليد متبع منذ عام 1978 بحضور محافظي بنوك مركزية ووزراء مالية ومحللي أسواق من جميع أنحاء العالم، وتعقد للمناسبة ندوات وتلقى محاضرات تركز على القضايا الاقتصادية الهامة، فضلاً عن استشراف المستقبل.
وكان ذلك الخطاب منتظراً على نطاق واسع، لكن باول بقي على عهد متابعيه حذراً في كلماته، خصوصاً في هذه المرحلة التي يبدو فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب غير محبذ لرفع الفائدة.
وتوقف المتابعون أمام فقرة من ذلك الخطاب تناولت فترة السبعينات من القرن الماضي، وما من تفسير لذلك برأيهم إلا أن باول أراد ولو بشكل «غير مباشر» تذكير السياسيين بضرورة الحفاظ على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
وقال باول إن «رفع الفائدة يصح في حالة بقاء نمو الاقتصاد قوياً. وهناك أسباب وجيهة تدفع للاعتقاد بأن النمو سيكون قوياً. وما من سبب في المقابل يدعو للخوف من سخونة سلبية ما في ذلك النمو، خصوصاً لجهة التضخم الذي وإن ارتفع لكنه سيبقى مضبوطاً عند الحد الآمن والمطلوب وهو 2 في المائة. وسيفعل الاحتياطي الفيدرالي كل ما بوسعه فعله لمكافحة أي صعود ضار في ذلك التضخم».
وخرج متابعو الخطاب بانطباع تطميني إضافي، وباعتقاد شبه أكيد بأن الفوائد ستستمر بالصعود لتصل إلى 3 في المائة، علماً بأنها حالياً نحو 1.75 إلى 2 في المائة.
ويتوقع المحللون إقدام الفيدرالي على زيادة الشهر المقبل وأخرى قبل نهاية العام 2018.
ومع ذلك، ذكر باول بعض التحديات والمخاطر للمدى الطويل والتي قد تواجه الاقتصاد الأميركي، مثل عدم الصعود الكافي لرواتب ومداخيل الطبقتين الوسطى والشعبية. كما ذكر تباطؤ الإنتاجية وارتفاع عجز الموازنة الذي سيزيد على 800 مليار دولار هذه السنة، أي ما نسبته 4.2 في المائة من الناتج. وأضاف: «تجب مواجهة العجز الذي هو على مسار غير سوي منذ فترة طويلة، وهذا الهدف يكسب أهمية إضافية الآن، خصوصا أن قسماً كبيراً من القوى العاملة يتجه إلى التقاعد».
وكان لافتاً المديح الذي كاله باول على الإصلاحات التي أجريت غداة اندلاع الأزمة المالية، لا سيما تلك التي أعادت للقطاع البنكي صلابته، وذلك المديح لا يتوافق مع رغبة ترمب في تخفيف القيود التي فرضتها تلك الإصلاحات التاريخية.
إلى ذلك، ترك رئيس الاحتياطي الفيدرالي مستمعيه ومتابعيه متفائلين بمرونته وبراغمايته، لكن باول بقي صامتاً، في المقابل، إزاء عدد من الملفات التي انتظر المتابعون التعريج عليها، مثل هبوط ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، وسوق العقار المتباطئة في الولايات المتحدة. كما تجاهل الحديث عن قضايا الساعة السياسية منها والتجارية في ظل حمأة الخوف من الحروب التجارية.
ومع ذلك تفاعلت الأسواق إيجابياً مع خطاب باول، وأقفلت «وول ستريت» الأسبوع الماضي على ارتفاع.
وبعيداً من خطاب باول، سيطرت على اجتماعات جاكسون هول هذه السنة قضايا الضغوط التي يمارسها دونالد ترمب غير المحبذ لرفع الفائدة، كما ضغوط زيادة الرسوم التي يمارسها والحمائية التجارية التي بدأت تجتاح العالم وتضعه على صفيح ساخن. واتضح كيف أن البنوك المركزية تواجه ضغوطاً تؤثر في استقلاليتها ومصداقيتها.
وكانت الأزمة الإيطالية حاضرة في حوارات جاكسون هول، خصوصا الخروج القياسي للرساميل والذي بلغ أكثر من 38 مليار يورو في يونيو (حزيران) الماضي، وهي قيمة مبيعات أو تخلٍ عن سندات دين سيادي. وتوقف المجتمعون أمام توقف البنك المركزي الروسي لمدة شهر عن شراء اليورو والدولار للدفاع عن الروبل المتعرض لهجوم يدفعه للهبوط.
وكان لافتاً غياب عدد من محافظي البنوك المركزية الأساسية عن تلك الاجتماعات، ما فسره المتابعون جزئياً بأنه «شبه موقف» مما تمارسه الولايات المتحدة من سياسات اقتصادية وتجارية.
وأكد الحاضرون في نهاية الاجتماعات أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كما البنك المركزي الأوروبي، سيتابعان سياساتهما النقدية المقررة من دون التأثر بالضغوط المحيطة. وثمن المتابعون صلابة جيروم باول في طريقة تناوله لاستقلالية مؤسسته ولإصراره على مواصلة رفع الفائدة رغم الضغوط التي يمارسها ترمب عليه ولو بشكل غير مباشر.
وإذا كان باول أغفل ذكر المخاطر الآتية من الحروب التجارية، إلا أن مصادره وفي الغرف المغلقة لم تتجاهل ذلك، وكيف أن تلك المخاطر قد تؤثر في السياسة النقدية. وهذا ما يشاطره إياه البنك المركزي الأوروبي الذي لا يخفي التحذير من تراجع حاد في ثقة الاقتصاديين والمتعاملين في الأسواق الدولية، وهذا الخطر يتجاوز الآثار الكمية لرفع الرسوم الجمركية ليسجل آثاراً نوعية يصعب التكهن بكل تداعياتها الآن.
وتشير المصادر إلى أن البنك المركزي الأوروبي ورغم المخاوف التي يبدها من تداعيات الحروب التجارية، فإنه مصمم على درس إيقاف برنامج التيسير، أي إيقاف شراء الأصول لا سيما السندات والديون السيادية، وذلك اعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وهو إذا فعلها سيعبر عن ثقته بنمو الاقتصاد الأوروبي وبمعدل التضخم ومؤشرات أخرى قد تدفعه اعتبارا من عام 2019 إلى سلوك درب الاحتياطي الفيدرالي في رفع الفائدة.
لكن بعض البنوك العالمية لا ترى كل ما سبق بنفس الأعين التي يرى بها الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تقول مصادر «غولدمان ساكس» إن السياسة النقدية الأوروبية غير صالحة لكل الدول أعضاء الاتحاد، حيث يتفاوت النمو وتختلف الاقتصادات بين دولة وأخرى. وينصح البنك بمواصلة سياسات التيسير الكمي كما يفعل البنك المركزي الياباني وإلا فستتفاقم أزمات كالتي تشهدها إيطاليا أو الدول الأوروبية الأخرى التي تعاني من ارتفاع ديونها. ويدعو «غولدمان ساكس» إلى الاقتداء بما يواصل تنفيذه البنك المركزي الياباني خلال السنتين المقبلتين على الأقل ريثما تتضح الرؤية العالمية، التي هي الآن في حالة ضبابية للأسباب المعروفة، مثل هشاشة النمو والحروب التجارية والمخاطر الجيوسياسية.
9:56 دقيقه
اجتماعات «جاكسون هول» تنشد الاستقرار رغم الصفيح الساخن
https://aawsat.com/home/article/1375231/%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%C2%AB%D8%AC%D8%A7%D9%83%D8%B3%D9%88%D9%86-%D9%87%D9%88%D9%84%C2%BB-%D8%AA%D9%86%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%B1%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D9%8A%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86
اجتماعات «جاكسون هول» تنشد الاستقرار رغم الصفيح الساخن
البنوك المركزية ترسل إشارات متباينة
رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول (رويترز)
- لندن: مطلق منير
- لندن: مطلق منير
اجتماعات «جاكسون هول» تنشد الاستقرار رغم الصفيح الساخن
رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول (رويترز)
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
