مدارس كلاسيكية وأعمال «حداثوية» تتجاور... ومشاركتان عربيتان

مدارس كلاسيكية وأعمال «حداثوية» تتجاور... ومشاركتان عربيتان

الأكاديمية الملكية للفن تنظم معرضها الأكبر بمناسبة 250 سنة على تأسيسها
الأحد - 15 ذو الحجة 1439 هـ - 26 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [ 14516]
عمل نحتي للفنان أنيش كابور بعنوان «سيمفونية إلى ابنتي الحبيبة» في مدخل الأكاديمية
لندن: فيء ناصر
الأكاديمية الملكية للفن في لندن أقدم مؤسسة فنية بريطانية لا تزال تمارس أنشطتها منذ نشأتها حتى الوقت الحاضر. بدأت قصة هذه المؤسسة العريقة في شتاء عام 1768 حينما زار المعماري الاسكتلندي (وليم جيمبرز 1723-1796) جورج الثالث، ملك بريطانيا العظمى، وقدّم له عريضة موقّعة من قبل ستة وثلاثين فناناً ومعمارياً، بالإضافة إلى نفسه، يطلبون موافقة الملك على منحهم ترخيصاً بإنشاء جمعية فنية تعنى بالارتقاء بالفن والتصميم. وقدموا له اقتراحاً آخر بشأن إقامة معرض فني سنوي ومدرسة للفن وللتصميم. منح الملك موافقته على العريضة؛ لأن مقدمها (وليم جمبرز) كانت له حظوة ومكانة عند الملك؛ لأنه معلمه ومستشاره الفني والمعماري. وهكذا أُنشئت ما يعرف اليوم بالأكاديمية الملكية للفن التي تجمع ضمن طاقمها الحالي ثمانين فناناً أكاديمياً، منهم النحات العالمي أنيش كابور، والرسام ديفيد هوكني، والفنانة البريطانية تريسي أمين، ويجب أن يكون من بين الأكاديميين أربعة عشر نحاتاً واثنا عشر معمارياً وثمانية نقاشين، والبقية رسامون. والأكاديمية الملكية هي المؤسسة الفنية الوحيدة في المملكة المتحدة التي تمنح شهادات عليا في الفن مجاناً. بدأت هذه الأكاديمية بتنظيم المعرض الصيفي السنوي الذي تقيمه صيف كل سنة بلا انقطاع منذ عام 1768، وكل المبالغ النقدية التي تجنى من بيع الأعمال الفنية، تذهب إلى دعم المؤسسة ذاتها.
كان المقر الأول للأكاديمية بناية متواضعة مُستأجرة وسط لندن لا تتعدى مساحتها 30 قدماً طولاً، وكان من بين الستة والثلاثين فناناً مؤسساً أربعة إيطاليين وفرنسي، وسويسري، وأميركي، وامرأتان هما الفنانة (ماري موسر 1744-1819) التي اشتهرت في القرن السابع عشر برسمها المتقن للورود والفنانة (أنجيلكا كوفمان 1741- 1807). أول رئيس لهذه الأكاديمية العريقة هو الفنان البريطاني (جشوا رينولد 1723 - 1792)، وكان أبرز رسامي البورتريه في أوروبا في القرن السادس عشر، ويزين تمثال له مدخل الأكاديمية الملكية في شارع البيكادلي الشهير وسط لندن.
انتقلت الأكاديمية إلى بنايتها الحالية عام 1867، حيث نجح رئيسها حينئذ وهو فرنسيس كراند، في استئجار المبنى من الحكومة البريطانية لقاء مبلغ «جنيه إسترليني واحد فقط» ولمدة 999 عاماً.
شهد المبنى الحالي للأكاديمية توسعات عدة، لكن أهمها مشروع التوسعة الذي ربط شارع برلنغتون خلف المبنى الحالي بشارع البيكادلي عبر الأكاديمية، الذي بدأ عام 2008 وانتهى هذه السنة للاحتفال بمرور 250 عاماً على إنشاء الأكاديمية، وبكلفة بلغت قيمتها 56 مليون جنيه إسترليني. شملت التوسعة استحداث قاعات للمعارض تركز على الفن المعاصر باتجاهاته كافة، واستحداث قاعات للعرض المجاني للأعمال والتحف الفنية التاريخية، وإنشاء مساحات تختص بالعروض المعمارية، وتوسعة المكتبة وقاعة المحاضرات والمسرح.
- معرض 2018
المعرض الصيفي السنوي لهذه السنة هو الأكبر على الإطلاق منذ تأسيس الأكاديمية، حيث شغلت الأعمال المعروضة صالات عرض الأكاديمية، وممراتها وأجنحتها المختلفة، وبإمكان أي فنان من أي بلد المنافسة على عرض أعماله في المعرض الصيفي السنوي، وهناك لجنة من الأكاديميين تقوم باختيار الأعمال التي تشترك بالمعرض. ولجنة أخرى من الأكاديميين تخوّل ترتيب وتعليق الأعمال الفنية في قاعات العرض.
الرئيس الحالي للأكاديمية هو الرسام البريطاني كريستوفر لوبورن، وهو من أناط مهمة تنظيم معرض هذه السنة الصيفي إلى فنان السيراميك البريطاني جرايسون بيري، الذي تعمّدَ إضافة لمسة حداثوية إلى هذه المؤسسة العريقة. الثيمة المشتركة في كل قاعات العرض وكل الأعمال المشاركة هي «كيفية صناعة الفن بكل شيء متاح»، وهذه الثيمة تشمل المتغيرات السياسية، وأهمها التصويت لخروج بريطانيا من منظومة الاتحاد الأوروبي، وكذلك الثقافة والتقنية الرقمية التي تتسيّد حياتنا اليومية، بالإضافة إلى الخروج عن المألوف باستعمال جميع المواد المتاحة لخلق العمل الفني.
وما أن يدخل الزائر إلى الباحة الأمامية للأكاديمية حتى تفاجئه الحداثة عبر عمل نحتي عملاق للفنان أنيش كابور بعنوان «سيمفونية إلى ابنتي الحبيبة»، يستخدم في هذه السيمفونية عمودين فولاذيين تتوسطهما دائرة حمراء للدلالة عن أن كل الأعمال التي تعرض ستباع لاحقاً، وتتوزع في القاعدة تكوينات صخرية مبعثرة تخلق ذلك التناقض المنشود بين الطبيعة وجهد الإنسان.
وقبل الدخول القاعة الأولى للمعرض هناك عمل رؤيوي كابوسي للفنان الآيرلندي المثير للجدل «تم شو»، الذي سبق أن تناول قضية التعذيب في سجن أبو غريب بعمل تركيبي أسماه «الديمقراطية السوداء». عمله النحتي في هذا المعرض بعنوان «الكرمة الخضراء»، ويستخدم به مزيجاً من الصحف المحروقة والورق المقوى ليخلق قناعاً لإنسان تضيع ملامحه خلف أوراق العنب المحروقة التي تنبت من وجهه.
يهيمن عمل الفنانة البرتغالية جوانا فاسكونيسليوس على القاعة المدورة الوسطى، حيث يتدلى هذا التركيب النسيجي البراق والهائل من قبة القاعة ليبهر الزائرين، ويدعوهم إلى الالتفاف حوله مراراً وتكراراً لتبيّن ماهيته وما الفكرة التي أرادت الفنانة توصيلها عبر حياكة وخياطة هذا النسيج الأخطبوطي. الفكرة المؤكدة التي يخرج بها الزائر أن هذا العمل قد كسر رتابة وتقليدية الفناء الذي يضمه بألوانه البراقة.
في قاعة العرض الثالثة ذات الجدران الصفراء، وهي أكبر قاعات العرض، سوف يضيع الزائر بين اللوحات المتباينة في الحجم والثيمة التي رُتبتْ بطريقة عشوائية من أسفل الجدران حتى أعلاها، ربما كي تحفز الزائر على إعطاء اهتمام أسفل وأعلى من مستوى نظره. تستوقفنا لوحة للفنانة الإيرانية ياسمين حاتمي بعنوان «الموآبية» تمزج بها الفنانة الأسلوب التعبيري والسوريالي بألوان حادة من خلال امرأة مغمضة العينين تحمل بن ذراعيها قنينة حليب تتوسط أربعة صواريخ مُلتقطة من صندوق ألعاب يحتوي على الصواريخ. تُحلينا اللوحة حالاً إلى واقع الشرق الأوسط، سواء بالعنوان أو الموضوع، أو حتى اللون الأحمر لقميص المرأة.
- صوّت للحب
لوحة أخرى لفنان الكرافيتي المجهول بانسكي، يرد بها على قرار انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ويسميها «صوّتْ للحب» بدل الشعار الذي رُفع «صوّتْ للخروج».
من خلال التمعن في قاعة العرض سيكتشف الزائر أن بعض الأعمال تقترب من القبح والسذاجة، ولا تحتوي قيمة فنية غير مغايرتها، وأعتقد أن هذا بالتحديد ما يُراد منها، وهو تمثيل جميع الاتجاهات التي تنضوي تحت مسمى الفن حتى وإن كانت تبتعد عنه نحو السخرية أو المغايرة غير المنضبطة.
وما أن ندخل القاعة التالية حتى نسترد أنفاسنا من لهاث الحداثة ونُدهش للوحة الفنان البريطاني بن جونسون، الذي صوّر فيها بدقة متناهية واجهة قبة الصخرة في المسجد الأقصى، مزيج من الآيات القرآنية والنقوش والمنمنمات الإسلامية بألوان فيروزية وذهبية. وهناك عمل تركيبي ملتبس المغزى للفنانة الفلسطينية منى حاطوم، ولوحة للفنانة السورية منى شمه تستلهمها من حكايات الطفولة والموروث الشعبي بعنوان «الجني خارج الزجاجة».
الأكاديميون كان لهم حضورهم البارز في هذا المعرض، مثل الفنان البريطاني الرائد ديفيد هوكني؛ فقد عُرضت له جدرايتان تمثل مرسماً في أكاديمية الفن بكل تفاصليه من حاملات اللوحات إلى الشخوص التي تتأمل اللوحات على الجدران إلى الكراسي المبعثرة.
الأعمال النحتية والتركيبة تبعثرت في قاعات العرض بينما كان للعمارة قاعة عرض ازدحمت بالمصغرات المعمارية لأهم المباني في العالم، ومنها مصغرات لأعلى عشر بنايات في مدينة لندن ومصغرات لمركز التجارة العالمي الجديد في نيويورك من تصميم المعماري البريطاني ريتشارد روجرز، وعدة مصغرات لمشروعات معمارية قيد الإنشاء في دبي من تصميم شركة المعماري البريطاني مايكل هوبكنز.
الغرابة التي تقترب من السذاجة وعدم التجانس هذا ما يحدث للفن في هذا المعرض السنوي، تتلاشي الحدود بين الفن وعدمه وتتداخل الأساليب، وسواء كان العمل الفني جيداً أم سيئاً، فالإجابة عن هذا السؤال لا تشكل أي أهمية في مستقبل الفن، وربما يكمن مستقبل الفن في ماضيه، وسيضيع الزائر وهو يتجول بلا هدى في هذه القاعات التي تفيض بالغرابة والاختلاف والتحرر. هناك طمس للحدود بين الرسم والنحت مثلاً وبين الفن والنكتة أو بين القديم والجديد، وهذا يدعونا لمعاينة كل ما يمكن أن يدعى «فن» في الوقت الراهن، وكل الطرق الممكنة والتي يعبر بها الناس عن هذه المفردة.
وأنت تخرج من هذه الزحمة والجنون الفني ربما تتساءل مع نفسك، ما الذي سيقوله من أسسوا وانتموا إلى هذه الأكاديمية العريقة، أمثال تيرنر، وغينسبره، وجشوا رينولد عن هذا المعرض؟ لا أعرف حقاً لكنهم بكل تأكيد سيشتركون بالضحك طويلاً.
الهند Arts

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة