رسائل جوميث عن مصر وسوريا وفلسطين

بعث بها أشهر مستشرق إسباني لأستاذه قبل 90 عاماً
الخميس - 12 ذو الحجة 1439 هـ - 23 أغسطس 2018 مـ Issue Number [14513]
القاهرة: محمد بركة

يعد إيميليو جارثيا جوميث (1905 - 1995) واحداً من أهم أعلام الاستشراق على مستوى إسبانيا والعالم كله في القرن العشرين. له العديد من المؤلفات حول الأدب العربي قديماً وحديثاً، حيث ترجم على سبيل المثال الكثير من النصوص العربية إلى الإسبانية، منها تحقيق وترجمة كتب «رايات المبرزين» لابن سعيد المغربي، و«طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي، فضلاً عن «الأيام» لطه حسين، كما ترجم للعديد من الشعراء الأندلسيين مثل ابن الزقاق وابن زمرك.
من هنا تأتي أهمية الكتاب الصادر في القاهرة عن المركز القومي للترجمة بعنوان «رحلة إلى مصر، سوريا وفلسطين 1927 - رسائل إلى دون ميجل آسين بالاثيوس» بترجمة عن الإسبانية مباشرة وتحقيق طه زيادة.
يضم الكتاب الرسائل التي بعث بها جوميث لأستاذه بالاثيوس، حين كان لا يزال باحثاً في العشرين. وقد زار هذه البلدان الثلاثة لمدة عامين تعلم خلالهما العربية ووضع بذرة الاستشراق الأولى في مشروعه المعرفي الضخم لاكتشاف الشرق العربي وتقديمه للقارئ الغربي. إذن هي رسائل تلميذ لأستاذه الذي يعد مؤسس دراسات الاستشراق الإسباني، ومن مؤلفاته كتاب «علم الأخرويات الإسلامي في الكوميديا الإلهية» الذي ألقى فيه الضوء على المصادر الإسلامية للأفكار الموجودة في «الكوميديا الإلهية» لدانتي، كما كتب أيضاً الكثير من المؤلفات عن الإسلام في العصور الوسطى، وعني بمحيي الدين بن عربي عناية شديدة، فنشر عنه سلسلة دراسات منوعة.
وبحسب المترجم، تعتبر هذه الرسائل إلى حد كبير شهادة على عصر كان فيه الشرق في حالة فوران وتشكل، فالجامعة المصرية لم يمض على تأسيسها سوى عشرين عاماً، والصراع محتدم بين تيار الإصلاح والتحديث بزعامة طه حسين، وبين دعاة الحفاظ على الهوية، بين القاهرة الحديثة بشوارعها ومكتباتها ومؤسساتها وبين القاهرة الشعبية بحاراتها وأزقتها وسكانها المحليين، ومن وراء ذلك العمارة الإسلامية والآثار الفرعونية. كما تكشف الرسائل عن جوانب من شخصية كاتبها؛ منها على سبيل المثال الشغف الدائم بالبحث وطلب العلم والنهم الذي لا يشبع للمعرفة والفهم والاستيعاب ليس فقط عبر الكتب والمخطوطات، بل للواقع الذي يحيط به، كما توضح للقارئ خصالاً لا يتحلى بها سوى عالم حقيقي، وهي الصدق والتواضع، وكانت هذه الصفات تدفعه دوماً للتمحيص والتدقيق في كل ما يقع تحت يده، ما يجعله يرفض الكثير من الأعمال والدراسات والآراء والتحقيقات التي اعتبرها غير مفيدة مهما كان حجم الشخصيات الفكرية والأدبية التي أنجزتها.
في واحدة من رسائله، يصف القاهرة قائلاً: «أما عن المدينة فقد صرت أعرف عن ظهر قلب الجانب الحديث، الذي يثير الإحباط فيها من شدة روعته: تروموايات، تاكسيات، بنايات فخمة، شرطة مدنية، ترف، دور سينما، ثيابهم في منتهى الأناقة على الطريقة الأوروبية. لحسن الحظ أنه يجب أن يكون هناك جانب قديم رائع. أقول ذلك لأنه في ظهيرة سابقة دخلت في متاهة من الأزقة، حيث لم أر أوروبياً واحداً، وحيث الحياة الشرقية لها ذلك اللون الذي أخافني حقيقة، فخرجت لأنه كان أول يوم، بالرغم من أنني أفكر بالتأكيد في التجوال هناك كل يوم. انتابني في أول يومين شعور بحالة نفسية غريبة، شعرت بحنين جارف إلى درجة الرغبة القوية في البكاء. أخذت في الزوال عني».
وكتب دون إيميليو بتاريخ 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 1927 عن الجالية الإسبانية قائلاً: «الجالية الإسبانية سخيفة. للقنصلية مستشار فخري، ليس دبلوماسياً، شخص مادي لا يهتم بشيء سوى أعماله. جلب الآن فرقة منوعات إسبانية في محاكاة ساخرة لمصارعة الثيران، شيلان وطرح وغيرها من التفاهات، التي جعلتنا محل سخرية... أذهب في بعض الليالي إلى نادي الفرونتون، حيث لدي تذكرة دخول مجاني وأتسامر معهم. هناك رأيت أحد أبناء سفيرنا، صبي في الثامنة عشرة، نموذج مثالي للشاب الإسباني العاطل، الذي لا يفعل شيئاً سوى بعثرة النقود، غير القليلة، التي يغدقها عليه والده».
كما يتذكر أيضا أصدقاءه الجدد قائلاً: «أفضل أصدقاء لديَّ هم ثلاثة شبان شرقيين موجودون في البنسيون نفسه، ويتناولون الطعام معي على المائدة نفسها. أحدهم من العراق (يهودي)، والاثنان الآخران مصريان، أحدهما قبطي والآخر مسلم، اسمه طلعت محمد راغب. كلهم في منتهى الظرف والتهذيب: يدرسون الحقوق في الجامعة، يعرفون خمس لغات، والكثير من الأشياء، لدرجة أنهم يعرفون عن إسبانيا أكثر من كثير من الإسبان. يوجد بالفعل هنا طبقة صفوة ممتازة. المسلم، على وجه الخصوص، الذي يبدو بالغ الثراء، ومن عائلة مرموقة، فهو شاب جذاب جداً ونموذج رائع للطبقة الأرستقراطية. اشترى (أتوموبيل) وبالأمس دشنّاه، قاطعين ليلاً ثلاثمائة كيلومتر في ثلاث ساعات: الأهرامات، هليوبوليس، القاهرة كلها، كما أهداني نسخة من القرآن في منتهى الجمال».
وحول القدس يكتب في 4 أبريل (نيسان) 1928: «عزيزي دون ميجل: ها أنذا على قيد الحياة، محشور في نوع من الحصون شبيه بـ(الجملون)، المأوى الوحيد الذي تمكنت من العثور عليه، وكان ممتلئاً عن آخره بالمهاجرين من كل الأمم، الملل والأجناس، بعضهم ذوو شأن مثل أمير إيطاليا، كما يتصادف وجودهم مع الأعياد الثلاثة: عيد قيامتنا، وعيد اليهود الذي اقترب أوانه مع العيد الكبير العربي. الفرنسيسكان الذين أحمل توصية إليهم، لم يستطيعوا استضافتي، لعدم توفر مكان. زرت القبر المقدس، قبر العذراء، طريق الآلام. كما زرت أمس بصحبة راهب فرنسيسكاني، وسيدتين من تشيلي وفرنسي، أريحا ونهر الأردن والبحر الميت. يا لها من زيارات مثيرة، ومؤلمة في الوقت نفسه بعدما رأيت مدى الانقسام بين الأديان. من المحتمل أن أذهب اليوم إلى بيت لحم. القدس بديعة بشوارعها الضيقة المنحدرة المسقوفة».
وتناول دمشق في رسالته قائلاً: «حيث وصلت منهكاً في السادسة صباحاً. لم أقض الأيام الأربعة الأولى بشكل جيد، كما اشتقت كثيراً للحياة المريحة، الهانئة والمثمرة التي كنت أحياها في القاهرة.
والسبب أن هنا الشرق التقليدي، وليس المثير والشيق، الذي كان ليصبح مثالياً، حيث إن المدينة لا تستحق أن يتوقف المرء فيها لأكثر من ثلاثة أيام للإقامة، لا يوجد شيء بين هذين النقيضين: إما الفنادق السياحية الكبرى، التي عادة يتوقف السائحون هنا ليوم واحد حيث تبلغ تكلفة الإقامة أكثر من جنيه إسترليني يومياً، أو منازل المسيحيين المحليين، غير النظيفة وغير المريحة بعاداتها الطريفة التي يمكن رؤيتها لخمس دقائق، ولكن ليس للإقامة بها، بعيداً عن وسط المدينة، في حارات لا تستطيع حضرتك أن تسير فيها بأمان بعد غروب الشمس. بخطى حثيثة يمكن الوصول منها إلى وسط المدينة خلال ما يربو على نصف الساعة فلا توجد تروموايات، وكان عليَّ تدبر أمري لتناول الطعام في أي مكان، لأن المنزل كان للنوم فقط».

إقرأ أيضاً ...