رسائل جوميث عن مصر وسوريا وفلسطين

بعث بها أشهر مستشرق إسباني لأستاذه قبل 90 عاماً

رسائل جوميث عن مصر وسوريا وفلسطين
TT

رسائل جوميث عن مصر وسوريا وفلسطين

رسائل جوميث عن مصر وسوريا وفلسطين

يعد إيميليو جارثيا جوميث (1905 - 1995) واحداً من أهم أعلام الاستشراق على مستوى إسبانيا والعالم كله في القرن العشرين. له العديد من المؤلفات حول الأدب العربي قديماً وحديثاً، حيث ترجم على سبيل المثال الكثير من النصوص العربية إلى الإسبانية، منها تحقيق وترجمة كتب «رايات المبرزين» لابن سعيد المغربي، و«طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي، فضلاً عن «الأيام» لطه حسين، كما ترجم للعديد من الشعراء الأندلسيين مثل ابن الزقاق وابن زمرك.
من هنا تأتي أهمية الكتاب الصادر في القاهرة عن المركز القومي للترجمة بعنوان «رحلة إلى مصر، سوريا وفلسطين 1927 - رسائل إلى دون ميجل آسين بالاثيوس» بترجمة عن الإسبانية مباشرة وتحقيق طه زيادة.
يضم الكتاب الرسائل التي بعث بها جوميث لأستاذه بالاثيوس، حين كان لا يزال باحثاً في العشرين. وقد زار هذه البلدان الثلاثة لمدة عامين تعلم خلالهما العربية ووضع بذرة الاستشراق الأولى في مشروعه المعرفي الضخم لاكتشاف الشرق العربي وتقديمه للقارئ الغربي. إذن هي رسائل تلميذ لأستاذه الذي يعد مؤسس دراسات الاستشراق الإسباني، ومن مؤلفاته كتاب «علم الأخرويات الإسلامي في الكوميديا الإلهية» الذي ألقى فيه الضوء على المصادر الإسلامية للأفكار الموجودة في «الكوميديا الإلهية» لدانتي، كما كتب أيضاً الكثير من المؤلفات عن الإسلام في العصور الوسطى، وعني بمحيي الدين بن عربي عناية شديدة، فنشر عنه سلسلة دراسات منوعة.
وبحسب المترجم، تعتبر هذه الرسائل إلى حد كبير شهادة على عصر كان فيه الشرق في حالة فوران وتشكل، فالجامعة المصرية لم يمض على تأسيسها سوى عشرين عاماً، والصراع محتدم بين تيار الإصلاح والتحديث بزعامة طه حسين، وبين دعاة الحفاظ على الهوية، بين القاهرة الحديثة بشوارعها ومكتباتها ومؤسساتها وبين القاهرة الشعبية بحاراتها وأزقتها وسكانها المحليين، ومن وراء ذلك العمارة الإسلامية والآثار الفرعونية. كما تكشف الرسائل عن جوانب من شخصية كاتبها؛ منها على سبيل المثال الشغف الدائم بالبحث وطلب العلم والنهم الذي لا يشبع للمعرفة والفهم والاستيعاب ليس فقط عبر الكتب والمخطوطات، بل للواقع الذي يحيط به، كما توضح للقارئ خصالاً لا يتحلى بها سوى عالم حقيقي، وهي الصدق والتواضع، وكانت هذه الصفات تدفعه دوماً للتمحيص والتدقيق في كل ما يقع تحت يده، ما يجعله يرفض الكثير من الأعمال والدراسات والآراء والتحقيقات التي اعتبرها غير مفيدة مهما كان حجم الشخصيات الفكرية والأدبية التي أنجزتها.
في واحدة من رسائله، يصف القاهرة قائلاً: «أما عن المدينة فقد صرت أعرف عن ظهر قلب الجانب الحديث، الذي يثير الإحباط فيها من شدة روعته: تروموايات، تاكسيات، بنايات فخمة، شرطة مدنية، ترف، دور سينما، ثيابهم في منتهى الأناقة على الطريقة الأوروبية. لحسن الحظ أنه يجب أن يكون هناك جانب قديم رائع. أقول ذلك لأنه في ظهيرة سابقة دخلت في متاهة من الأزقة، حيث لم أر أوروبياً واحداً، وحيث الحياة الشرقية لها ذلك اللون الذي أخافني حقيقة، فخرجت لأنه كان أول يوم، بالرغم من أنني أفكر بالتأكيد في التجوال هناك كل يوم. انتابني في أول يومين شعور بحالة نفسية غريبة، شعرت بحنين جارف إلى درجة الرغبة القوية في البكاء. أخذت في الزوال عني».
وكتب دون إيميليو بتاريخ 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 1927 عن الجالية الإسبانية قائلاً: «الجالية الإسبانية سخيفة. للقنصلية مستشار فخري، ليس دبلوماسياً، شخص مادي لا يهتم بشيء سوى أعماله. جلب الآن فرقة منوعات إسبانية في محاكاة ساخرة لمصارعة الثيران، شيلان وطرح وغيرها من التفاهات، التي جعلتنا محل سخرية... أذهب في بعض الليالي إلى نادي الفرونتون، حيث لدي تذكرة دخول مجاني وأتسامر معهم. هناك رأيت أحد أبناء سفيرنا، صبي في الثامنة عشرة، نموذج مثالي للشاب الإسباني العاطل، الذي لا يفعل شيئاً سوى بعثرة النقود، غير القليلة، التي يغدقها عليه والده».
كما يتذكر أيضا أصدقاءه الجدد قائلاً: «أفضل أصدقاء لديَّ هم ثلاثة شبان شرقيين موجودون في البنسيون نفسه، ويتناولون الطعام معي على المائدة نفسها. أحدهم من العراق (يهودي)، والاثنان الآخران مصريان، أحدهما قبطي والآخر مسلم، اسمه طلعت محمد راغب. كلهم في منتهى الظرف والتهذيب: يدرسون الحقوق في الجامعة، يعرفون خمس لغات، والكثير من الأشياء، لدرجة أنهم يعرفون عن إسبانيا أكثر من كثير من الإسبان. يوجد بالفعل هنا طبقة صفوة ممتازة. المسلم، على وجه الخصوص، الذي يبدو بالغ الثراء، ومن عائلة مرموقة، فهو شاب جذاب جداً ونموذج رائع للطبقة الأرستقراطية. اشترى (أتوموبيل) وبالأمس دشنّاه، قاطعين ليلاً ثلاثمائة كيلومتر في ثلاث ساعات: الأهرامات، هليوبوليس، القاهرة كلها، كما أهداني نسخة من القرآن في منتهى الجمال».
وحول القدس يكتب في 4 أبريل (نيسان) 1928: «عزيزي دون ميجل: ها أنذا على قيد الحياة، محشور في نوع من الحصون شبيه بـ(الجملون)، المأوى الوحيد الذي تمكنت من العثور عليه، وكان ممتلئاً عن آخره بالمهاجرين من كل الأمم، الملل والأجناس، بعضهم ذوو شأن مثل أمير إيطاليا، كما يتصادف وجودهم مع الأعياد الثلاثة: عيد قيامتنا، وعيد اليهود الذي اقترب أوانه مع العيد الكبير العربي. الفرنسيسكان الذين أحمل توصية إليهم، لم يستطيعوا استضافتي، لعدم توفر مكان. زرت القبر المقدس، قبر العذراء، طريق الآلام. كما زرت أمس بصحبة راهب فرنسيسكاني، وسيدتين من تشيلي وفرنسي، أريحا ونهر الأردن والبحر الميت. يا لها من زيارات مثيرة، ومؤلمة في الوقت نفسه بعدما رأيت مدى الانقسام بين الأديان. من المحتمل أن أذهب اليوم إلى بيت لحم. القدس بديعة بشوارعها الضيقة المنحدرة المسقوفة».
وتناول دمشق في رسالته قائلاً: «حيث وصلت منهكاً في السادسة صباحاً. لم أقض الأيام الأربعة الأولى بشكل جيد، كما اشتقت كثيراً للحياة المريحة، الهانئة والمثمرة التي كنت أحياها في القاهرة.
والسبب أن هنا الشرق التقليدي، وليس المثير والشيق، الذي كان ليصبح مثالياً، حيث إن المدينة لا تستحق أن يتوقف المرء فيها لأكثر من ثلاثة أيام للإقامة، لا يوجد شيء بين هذين النقيضين: إما الفنادق السياحية الكبرى، التي عادة يتوقف السائحون هنا ليوم واحد حيث تبلغ تكلفة الإقامة أكثر من جنيه إسترليني يومياً، أو منازل المسيحيين المحليين، غير النظيفة وغير المريحة بعاداتها الطريفة التي يمكن رؤيتها لخمس دقائق، ولكن ليس للإقامة بها، بعيداً عن وسط المدينة، في حارات لا تستطيع حضرتك أن تسير فيها بأمان بعد غروب الشمس. بخطى حثيثة يمكن الوصول منها إلى وسط المدينة خلال ما يربو على نصف الساعة فلا توجد تروموايات، وكان عليَّ تدبر أمري لتناول الطعام في أي مكان، لأن المنزل كان للنوم فقط».


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً