رواج تجارة «التسول» في لبنان

من يستغل الأطفال يرهبهم أكثر من رجال الأمن - غياب الرؤية المتكاملة للأجهزة الأمنية والجمعيات المتخصصة

طفلة تتسول في أحد شوارع بيروت فبراير 2016 (إ.ب)
طفلة تتسول في أحد شوارع بيروت فبراير 2016 (إ.ب)
TT

رواج تجارة «التسول» في لبنان

طفلة تتسول في أحد شوارع بيروت فبراير 2016 (إ.ب)
طفلة تتسول في أحد شوارع بيروت فبراير 2016 (إ.ب)

يقف عند تقاطع الطريق. عمره لا يتجاوز ست سنوات. بالكاد تلمحه من نافذة السيارة. يحمل علبة محارم ورقية، يتنفس الدخان المنبعث من السيارات العابرة ولا تحمل تقاسيم وجهه أي تعبير. هو لم يعرف المدرسة، كان في الثانية من عمره لدى لجوء أهله من سوريا إلى لبنان. يتجنب الحوار مع من يتسول منهم، يبدو خائفاً بعض الشيء، كأنه لم يتعود إلا الجفاء ممن يسألهم شراء علبة المحارم.
لم يلحّ كالمتسولين الذين يلاحقون سائقي السيارات بتوسل. لكن بعد سنوات، من يضمن كيف يتصرف إذا بقي شريد الطرق؟
والأطفال المتسولون المنتشرون في بيروت، يطلون مع كل ضوء أحمر تطلقه إشارات السير عند تقاطعات الطرق. لا يمنعهم عن أداء «عملهم» برد أو حر أو وجود شرطي يبدو أنه لا يستطيع شيئاً حيالهم، على رغم حظر القانون للتسول، حيث يعاقب أهل القاصر المتسول أو من يدفع القاصر للتسوّل.
«أين نضعهم»؟ يقول مسؤول أمني رداً على سؤال «الشرق الأوسط» عن عجز الجهات المختصة عن مواجهة الانتشار الكثيف للمتسولين رغم القوانين. ويضيف «لا يمكن معالجة هذه المشكلة عبر تطبيق القانون القاضي بإلقاء القبض على المتسولين. العمل يجب أن يبدأ من مرحلة ما قبل النزول إلى الشارع. منع التسول هو قضية اجتماعية يجب أن تؤخذ بجدية من خلال تضافر جهود جهات رسمية وإنسانية تعمل بتنسيق بين وزارت الداخلية والعدل والشؤون الاجتماعية والعمل والمنظمات الدولية والاجتماعية. ولا يقتصر الأمر على ما يفترض أن تقوم به قوى الأمن الداخلي. وهي تؤدي واجبها في هذا الإطار. لكن كثافة الحالة وتعقيداتها تحول دون أن يلاحظ المواطن أننا نجمع عدداً كبيراً من المتسولين يومياً. بعضهم من الزوار الدائمين ويفضل السجن لأننا نؤمّن له الطعام والأمان قياساً لما يتعرض له في الشارع. لكن مع غياب أمكنة متخصصة لإيواء القاصرين، لا نستطيع إيجاد الحلول الإنسانية والاجتماعية المقبولة لأوضاعهم. نضطر إلى تسليمهم إلى أهلهم من جديد. أما البالغون فنوقفهم. ومنهم من تتم إحالته إلى النيابة العامة، وتحديداً من يدفع بأولاده أو أولاد الآخرين إلى التسول».
ويرفض عضو مجلس إدارة «المنظمة الدولية للطفولة» والخبير في شؤون الطفولة، الدكتور إيلي مخايل، أي كلام عن عجز القوى الأمنية في الحد من هذه الظاهرة. ويقول «بإمكان القوى الأمنية أن ترسل دوريات استقصاء لتطبيق القانون، غالبية الأطفال المتسولين يتم نقلهم بواسطة مشغليهم أو أقاربهم. والأهل يعاقَبون إن هم تقاعسوا عن الرعاية اللازمة لأبنائهم. كما أن المشغلين يعاقَبون بتهمة الاتجار بالبشر. ولدى القبض على من يشغِّل الأطفال، يصبح ممكناً العمل لإعادة تأهيل هؤلاء المتسولين».
ويضيف مخايل «لا تكفي جهود القوى الأمنية وحدها. المطلوب تكامل بين النظام الأمني والنظام الاجتماعي. فهناك نقص في التخطيط والتنسيق في لبنان بين الوزارات. وهناك غياب للرؤية المتكاملة وللخبرات المتخصصة في شؤون التسول»، مشيراً إلى أن منظمة «اليونيسيف» التابعة للأمم المتحدة «بدأت تنشط لمعالجة ظاهرة التسول في إطار اهتمامها بشؤون الأطفال السوريين اللاجئين في لبنان».
ويؤدي التسوّل إلى انحراف أكثر من 70 في المائة من أطفال الشارع وقيامهم بأعمالٍ إجرامية. وتشير معطيات إلى أن نحو 70 في المائة من هؤلاء الأطفال من جماعات «النور» واللاجئين السوريين.
ويحدد المسؤول الأمني نوعية المتسولين بأنهم من «النَّوَر (الغجر) ومكتومي القيد، إضافة إلى نسبة كبيرة من السوريين ونسبة لا تتجاوز 15 في المائة من الفلسطينيين. أما عدد اللبنانيين فهو الأقل بينهم». مؤكداً صعوبة إجراء إحصاءات رسمية في هذا الإطار وفي المرحلة الحالية.
رانية هي إحدى حالات التسول التي تابعتها «الشرق الأوسط»، مكتومة القيد لأب مصري عاطل عن العمل وأم لبنانية. بدأت طرق الأبواب منذ كانت في الثامنة من عمرها. وهي اليوم في الرابعة عشرة. وسيلتها لطلب المال تنحصر بحجة شراء الكتب ولوازم المدرسة؛ وذلك بعد اكتشافها أن طلب المال للطعام أو الدواء يمكن الالتفاف عليه لتأمين ما تطلب عينياً وليس بالمال.
لم تنجح محاولة إيداع رانية لدى جمعية تعنى بالفتيات الفقيرات في منطقة المزرعة (الجهة العربية لبيروت). ورغم عدم توافر أوراق ثبوتية لها، قبلت المسؤولة في الجمعية إيواءها لتتعلم مهنة التزيين. لكن الفتاة وبعد ثلاثة أيام تخلت عن الفكرة؛ لأن التسول له مردود أكبر. تقول المسؤولة لـ«الشرق الأوسط»، إن «من تعود التسول لا يمكن إعادة تأهيله بسهولة. الأمر ليس مرتبطاً به وبإرادته فقط. العوامل التي تحيط به تجعل الأمر شبه مستحيل. كما أن التسول لا يقتصر على طلب المال. بل يتجاوزه إلى طلب الاستعطاف والإحساس بالشفقة والاهتمام من جانب المحسنين».
إبراهيم شقيق رانية وصل إلى مرحلة الخطر، فقد أصبح مدمناً وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وهو يستوقف المارة ويبكي مستعطفاً إياهم بالقول، إن والدته مرمية على باب المستشفى، أو أن جدته توفيت ولا مال لدى العائلة لدفنها. إذا دخل أحد المتاجر لا يتورع عن السرقة وهو يحاول التسول. ولدى سؤال رانية عن تصرفات شقيقها، تقول إن خاله أفسده وعوّده على المخدرات. إذن، هي بيئة مسمومة وملوثة ومعالجة التسول تقتضي الكثير من الجهد.
ويقول مخايل لـ«الشرق الأوسط»، إن «مراكز الإيواء في لبنان ليست متخصصة في معالجة قضايا الأطفال المتسولين، معظمها نشأ تاريخياً للعناية بالأيتام كجمعيات تابعة لمراكز دينية. وتهتم بالانحراف أكثر مما تهتم بالتسول. والخدمة فيها ليست مثالية». ويضيف «يحتاج لبنان إلى ما يعرف بـ(Day care Centres) الموجودة في الدول المتطورة، التي تطلق خطاً ساخناً للاهتمام بهؤلاء الأطفال، وتقدم لهم مأوى نهارياً مع طعام ومساعدة اجتماعية ودراسة لأوضاع أهله وبيئته. لكن مع الأسف في لبنان، من يدفع الأطفال إلى التسول، هم إما الأهل أو العصابات التي تنقلهم إلى مراكز التسول في المدن منذ ساعات الفجر ثم تعيدهم إلى أماكن إقامتهم ليلاً بعد أخذ ما حصلوه من أموال، وتستخدم أحياناً كثيرة العنف الجسدي لمنعهم من الاحتفاظ بأي مبلغ تقاضوه خلال تسولهم أو إذا لم يحصّلوا المبلغ المطلوب منهم يومياً». ويشير المسؤول الأمني إلى أن ملاحقة القوى الأمنية للمتسولين وإبعادهم عن الشارع لا تأتي بالنتائج المرجوة منها. وما يقلق في الظاهرة هو تداعياتها. «المسألة تبدأ بالتسول، لكن بعد ذلك تأتي جميع أنواع الاعتداءات نتيجة وجود هؤلاء القاصرين في بيئة متوحشة؛ إذ يتعرضون إلى الاعتداءات الجسدية والجنسية وتعاطي المخدرات وترويجها، وصولاً إلى الجريمة. ومن نلقي القبض عليه، مع الأسف، يصل إلينا مدمراً».
ويشدد على أن «منع الأطفال من التسول يفرض تأمين العمل لذويهم. لكن لا حل أو سبيل لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم لذوي الأطفال المتسولين».
ويضيف «بوجود اللجوء السوري لا قدرة للدولة اللبنانية على الحد من هذه الآفة الاجتماعية. نحتاج إلى دعم دولي غر متوافر حالياً، لا أحد يعطي الأولوية للموضوع من المؤسسات الإنسانية المختصة. وقبل الحرب في سوريا، كنا قد بدأنا خطة وطنية للقضاء على هذه الظاهرة مع الوزارات والمؤسسات الدولية المختصة. لكن اللجوء أطاح بالجهود التي بذلت على هذا الصعيد، مع الأولويات التي فرضها هذا العدد الهائل من الأطفال والنساء في الشوارع».
أحد الآباء الذي يرسل ابنته وابنه للتسول، رفض عرض إحدى الجمعيات التكفل بتعليمهما. وقال «خذوا الولد فهو وبعد بضعة سنوات لن يكون قادراً على التسول لأن المحسنين لن يتعاطفوا مع شاب بصحة جيدة يمد يده لهم. لكن الفتاة تستجلب التعاطف أكثر حتى بعد أن تكبر». الوالد يتخذ إصابة في يده ذريعة تحول دون قيامه بأي عمل. وهو يستثمر في طفليه غير عابئ بالنتائج.
وتبدو العقوبات غير فاعلة أمام حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال نتيجة تواجدهم في الشارع، وأمام حجم الأموال التي يمكن جنيها يومياً من إدارة شبكة تسول. ففي حساب بسيط، تدر هذه الشبكة تجارة تعطي على أقل تقدير نحو مائة دولار يومياً للشخص. بالتالي، من يتاجر بالأطفال المتسولين يرهبهم أكثر مما يُرهبهم رجال الأمن؛ فالملاحقة تبقى أقل عنفاً عليهم وفيها الكثير من الرحمة قياساً إلى عنف المشغِّل، سواء كان من الأهل أو من العصابات المنظمة أو من التعرض للعنف على الطريق وفيما بين المتسولين أنفسهم.
وشدد مخايل على ضرورة إنشاء مراكز متخصصة للأطفال المتروكين الذين لا أهل لهم. وهم أقلية. واعتبر أن «نسبة التسول في لبنان فاقعة، ففي آخر تقرير لمنظمة العمل الدولية صدر عام 2015 كان عدد الأطفال في الشارع يقارب خمسة آلاف طفل».



البرلمان المصري يوافق على دعم السعودية عسكرياً

Press conference by the Egyptian Foreign Minister with the UN Secretary-General (Egyptian Ministry of Foreign Affairs)
Press conference by the Egyptian Foreign Minister with the UN Secretary-General (Egyptian Ministry of Foreign Affairs)
TT

البرلمان المصري يوافق على دعم السعودية عسكرياً

Press conference by the Egyptian Foreign Minister with the UN Secretary-General (Egyptian Ministry of Foreign Affairs)
Press conference by the Egyptian Foreign Minister with the UN Secretary-General (Egyptian Ministry of Foreign Affairs)

وافق البرلمان المصري، أمس (الاثنين)، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ كل ما يلزم لدعم السعودية عسكرياً، عقب التنسيق بين البلدين.

وقال مجلس النواب، في بيان بشأن جلساته السرية المعقودة أيام 18 و19 و26 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، إن «المناقشات انتهت إلى موافقة مجلس النواب، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض رئيس الجمهورية في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم السعودية، وعقب التنسيق بين البلدين الشقيقين، للدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداءات خارجية، وذلك وفقاً لما تَوافق عليه مجلس الدفاع الوطني في جلسته المعقودة بتاريخ 18 أكتوبر 2026».


قبل شهرين من نهاية ولايته... غوتيريش يبحث في القاهرة تسوية سلمية للنزاعات

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة بالقاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة بالقاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

قبل شهرين من نهاية ولايته... غوتيريش يبحث في القاهرة تسوية سلمية للنزاعات

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة بالقاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

زيارة جديدة من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، للقاهرة تحدث خلالها عن فرص للتهدئة بالمنطقة وحقوق للفلسطينيين، وذلك قبل شهرين من لملمة أوراق عمله الأممي الذي يُختتم ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بعد سنوات عديدة من التحديات جراء الحروب والصراعات بالمنطقة.

والاثنين، التقى غوتيريش الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأشاد بـ«الدور المحوري الذي تضطلع به مصر في تسوية النزاعات، وترسيخ السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أنه «كثيراً ما تساءل عن مصير الشعب الفلسطيني لولا الدور المصري الجوهري والفعّال في دعم حقوقه والدفاع عن قضيته»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

وشدد على أنه «لا يمكن تحقيق سلام دائم ومستدام في المنطقة من دون تسوية عادلة للقضية الفلسطينية»، مؤكداً أنها «تظل القضية المركزية في الشرق الأوسط إلى أن يتم التوصل إلى حل نهائي لها».

ولفت إلى «وجود فرصة للتوصل إلى تفاهمات من شأنها الإسهام في ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، ومعالجة ملف البرنامج النووي الإيراني بالسبل السلمية».

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع الأمين العام للأمم المتحدة (الخارجية المصرية)

وناقش غوتيريش مع وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، التطورات في ملفات غزة والسودان وليبيا، مؤكداً أهمية الدور الذي تقوم به مصر بوصفها حجر الزاوية للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشريكاً رئيسياً في دعم العمل متعدد الأطراف، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية، الاثنين.

اجتمع مع أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة العربية)

قضايا عديدة

ومساء الأحد، التقى غوتيريش، الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، مؤكداً حرص المنظمة الدولية على مواصلة التنسيق مع الجامعة، ودعم جهودها لتطوير عملها في مواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة والتطورات الدولية، وفق بيان للجامعة العربية.

وشدد فهمي على أن مصداقية النظام الدولي باتت تُقاس بما يجري في غزة، محذراً من أن استمرار الإفلات من المساءلة يشجع على انتهاك سيادة الدول وسلامة أراضيها في فلسطين ولبنان وسوريا.

وأكد تضامن الجامعة العربية الكامل مع المملكة وحقها في الدفاع عن أمنها وسيادتها، ودعا مجلس الأمن إلى إنفاذ قراراته، مؤكداً أهمية صون حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمام تمثال رمسيس الثاني بالمتحف المصري الكبير (الأمم المتحدة)

كما زار غوتيريش المتحف المصري الكبير ضمن زيارته الرسمية إلى مصر. ونشرت الأمم المتحدة صورة عبر حسابها بمنصة «إكس» لغوتيريش وهو يقف أمام قناع الملك توت عنخ أمون.

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يزور المتحف المصري الكبير (الأمم المتحدة)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة غوتيريش تبحث قبل نهاية مهامه دفع التسوية السلمية للنزاعات، مؤكداً أن الاختبار الحقيقي لزيارة غوتيريش هو ما إذا كانت ستنجح في تحويل الحضور المصري المؤثر إلى تحرك دولي أكثر فاعلية، وفي تحويل الشرعية الأممية إلى نتائج يشعر بها الناس على الأرض.

ويترك غوتيريش منصبه رسمياً في 31 ديسمبر 2026، بعد أن أمضى ولايتين متتاليتين مدة كل منهما 5 سنوات، بدأت الأولى في يناير (كانون الثاني) 2017، وسيتسلم الأمين العام العاشر الجديد للمنظمة مهامه رسمياً في الأول من يناير 2027.

ويقول السفير حجازي، إن الاختبار الحقيقي لزيارة غوتيريش هو ما إذا كانت ستنجح في تحويل الحضور المصري المؤثر إلى تحرك دولي أكثر فاعلية، وفي تحويل الشرعية الأممية إلى نتائج يشعر بها الناس على الأرض.

وأكد أن مصر لا تسعى إلى دور إقليمي من أجل الدور نفسه، وإنما إلى حماية مصالحها الوطنية، وصون استقرار محيطها، والمساهمة في بناء نظام إقليمي لا تُفرض فيه التسويات بالقوة، ولا تُترك فيه الشعوب رهينة للصراعات المفتوحة.

وتتمثل أهمية الزيارة بحسب حجازي في أنها تتجاوز طابعها البروتوكولي إلى كونها رسالة سياسية بشأن ضرورة الحفاظ على مركزية الأمم المتحدة والقانون الدولي في إدارة الأزمات.

وتمثل القضية الفلسطينية، بحسب حجازي، الاختبار الأهم لمصداقية النظام الدولي، مشدداً على أن الإشادة الأممية بالدور المصري ينبغي ألا تظل في حدود التقدير السياسي، بل يجب أن تتحول إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لوقف الانتهاكات، وتثبيت وقف إطلاق النار.

رسالة أممية

وقال غوتيريش عبر حسابه بمنصة «إكس»، السبت: «وصلت للتو إلى مصر، وفي ظل تصاعد الصراعات، أحمل معي رسالة مفادها أننا بحاجة إلى وقف توسع الحرب، وحماية المدنيين، وتهيئة المجال السياسي للدبلوماسية والسلام».

وبرأي حجازي، فإن غوتيريش، تتاح له في هذه الزيارة فرصة أخيرة بحسب حجازي، لتأكيد أن الدبلوماسية متعددة الأطراف لا تزال قادرة على إحداث فارق، حتى في أكثر اللحظات الدولية صعوبة.

لكن ذلك لن يتحقق بتكرار الدعوة إلى السلام وحدها، وإنما بإظهار أن هناك إرادة للتحرك، واستعداداً لتحمل المسؤولية، وقدرة على الانتقال من الكلمات إلى الالتزامات، يضيف حجازي.

وشدد حجازي على أن المطلوب ليس أن يترك غوتيريش وراءه خطاباً أخلاقياً جديداً، بل أن يترك مسارات عمل قابلة للاستمرار، وأن تستثمر مصر ما تمتلكه من نفوذ واتصالات وخبرة دبلوماسية في تحويل تلك المسارات إلى خطوات عملية.


«النواب» المصري يوافق على تفويض السيسي بدعم السعودية عسكرياً

مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)
مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)
TT

«النواب» المصري يوافق على تفويض السيسي بدعم السعودية عسكرياً

مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)
مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)

وافق مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ كل ما يلزم لدعم السعودية عسكرياً «عقب التنسيق بين البلدين».

كان السيسي قد طلب من البرلمان عقد جلسة طارئة للتفويض في الدفاع عن دول الخليج «إذا طُلب من القاهرة ذلك»، مؤكداً، على هامش حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة الأسبوع الماضي، أن بلاده مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية لحماية أمنها، ليعقد البرلمان جلستين على مدار يومي الأحد والاثنين الماضيين لمناقشة الموضوع، قبل أن تقرر رفع جلسات البرلمان إلى صباح الاثنين، لاستكمال المناقشات بشأن تفويض الرئيس السيسي لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة.

وقال مجلس النواب، في بيان بشأن جلساته السرية المعقودة أيام 18 و19 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، إن «المناقشات انتهت إلى موافقة مجلس النواب، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض رئيس الجمهورية في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم السعودية، وعقب التنسيق بين البلدين الشقيقين، للدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداءات خارجية، وذلك وفقاً لما تَوافق عليه مجلس الدفاع الوطني في جلسته المعقودة بتاريخ 28 أكتوبر 2026».

وأشار البيان إلى أن البرلمان عقد ثلاث جلسات «سرّية لمناقشة الموضوع بناءً على طلب رئيس الجمهورية، «عملاً بأحكام الدستور واللائحة الداخلية لمجلس النواب»، حضرها المستشار هاني حنا، وزير شؤون المجالس النيابية، واللواء خالد شهدي، مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية.

وأوضح البرلمان المصري أن «الجلسات الثلاث حرصت على إفساح المجال لعدد كبير من النواب من مختلف الانتماءات الحزبية والسياسية والمستقلين؛ للتعبير عن آرائهم حول مجريات الوضع الإقليمي الدقيق وما تشهده المنطقة في الوقت الراهن من تداعيات، وتأثيره على الأمن القومي المصري والعربي».

وزير الخارجية المصري يجدد خلال مؤتمر صحافي مع الأمين العام للأمم المتحدة تضامن بلاده الكامل مع المملكة والاستعداد لمساندتها دفاعياً (الخارجية المصرية)

بدوره، قال عضو مجلس النواب مصطفى بكري، إن الموافقة نصَّت على «تفويض الرئيس في دعم المملكة إذا تطلب الأمر وبعد التنسيق بين البلدين»، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الصيغة تمنح الرئيس السيسي حرية اتخاذ القرار في الوقت المناسب إذا تطلب الأمر ذلك».

وكان مجلس الدفاع الوطني المصري قد قرر عقب اجتماع برئاسة السيسي الأسبوع الماضي «تقديم كل أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة للدفاع عن أمنها واستقرارها».

بدوره، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام للأمم المتحدة، في القاهرة، الاثنين، «تضامن بلاده الكامل مع المملكة ووضوح موقفها بشأن الاستعداد لدعم المملكة دفاعياً».

وشدد على أن «أي مشاركة محتملة في دعم المملكة ستكون ذات طبيعة دفاعية، وليست موجهة لشن هجوم على أي طرف أو دولة»، مؤكداً أن «مصر دولة تحترم دستورها ومؤسساتها، وأن التعامل مع هذا الملف يخضع للأطر الدستورية والقانونية المعمول بها»، مشيراً إلى أن «الدستور المصري ينص على أن تقديم الدعم العسكري للخارج أو إرسال المعدات والأفراد لأسباب دفاعية، مرهون بموافقة مجلس النواب».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأى مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء».

وبشأن التحرك التالي بعد الحصول على موافقة البرلمان، أوضح الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن «الفترة المقبلة ستشهد إرسال مصر مجموعات مقدمة إلى المملكة لبحث مطالبها ومعرفة ما الذي يجب تدعيمه لوقف الاعتداءات».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحرب الحالية حرب مسيَّرات وصواريخ، مما يستلزم دعم الدفاعات الجوية»، مشيراً إلى أن «فرق المقدمة ستعمل على بحث عدة أطر من بينها طبيعة الدفاعات الجوية لصد المسيَّرات على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة وعالية، إضافةً إلى معرفة أماكن وجود الرادارات والأماكن التي تحتاج إلى دعم، مع استخدام الحرب الإلكترونية للتشويش على المسيَّرات والصواريخ».

وأكد أن «الدعم العسكري المصري للسعودية سيركز على تعزيز الدفاعات الجوية لصد الصواريخ والمسيَّرات».

في سياق متصل، أكد رئيس مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية في البرلمان) المستشار عصام الدين فريد، أن موقف مصر الداعم لأمن السعودية يعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين، والتزام مصر بمسؤوليتها تجاه الأمن القومي العربي، مشدداً على أن «أمن دول الخليج العربي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي المصري، وأن الأمن القومي العربي كلٌّ لا يتجزأ».

وأشار رئيس المجلس، خلال الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، يوم الاثنين، إلى تلقيه كتاباً من الدكتور أحمد عبيد بن دغر، رئيس مجلس الشورى اليمني، رحب خلاله بدعم مصر للسعودية دفاعياً بوصفه جزءاً من الأمن القومي العربي، وفي إطار معاهدة الدفاع العربي المشترك».

وطالب شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، بالوقف الفوري للاعتداءات على المملكة، مجدداً إدانته الشديدة لاستمرار الهجمات الحوثية على مكة المكرمة والمدينة المنورة وما حولهما، ومؤكداً في بيان الاثنين، «رفضه القاطع لكل ما من شأنه المساس بحرمة البقاع المقدسة أو تعريض أمن المملكة وسلامة مواطنيها وقاصديها للخطر».

وذكَّر الأزهر المعتدين بأن هجماتهم آثمة، وهي استفزاز لمشاعر نحو مليارين من المسلمين حول العالم، معرباً عن أمله في المسارعة بتشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة، تضم ممثلين من حكماء الأمة وعقلائها من محبي الخير والسلام والاستقرار، تتولى بشكل عاجل نزع فتيل الأزمات والصراعات المشتعلة.