أمام محل جزارة في شارع 23 يوليو (تموز) وسط مدينة العريش بشمال سيناء، وقف الرجل الستيني حسن سليمان عشية عيد الأضحى في طابور يتحرك ببطء لشراء كيلوات محدودة من لحم الأبقار للاحتفال مع أسرته القاطنة في حي السمران بالعريش بالعيد... لكن العيد الذي يكون عادة مناسبة للاحتفال، جدد أحزان الرجل الذي اضطرته ظروف الحرب على الإرهاب إلى النزوح من قريته حيث يوجد منزله ومرعاه وخرافه التي يفتقد ذبحها كما اعتاد طوال سنوات عمره.
يقول سليمان متأثراً: «صرنا نشتري اللحم بالكيلو من الجزار، بعدما كنا ذباحة (كثيري الذبح) السمين من الشاة»، كان الرجل يرثى لحاله بعد أن أجبرته أجواء الحرب على الإرهاب في مناطق شرق شمال سيناء على النزوح من قريته «الزوارعة»، جنوب الشيخ زويد والإقامة في حي شعبي بمحيط مدينة العريش.
وتشهد مناطق جنوب مركز الشيخ زويد بشمال سيناء، وبقاع أخرى، مواجهات بدأت شرارتها الأولى منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي لجماعة «الإخوان» التي تعتبرها السلطات المصرية تنظيماً إرهابياً، وينشط فيها تنظيم «ولاية سيناء»، الذي بايع «داعش» الإرهابي عام 2014.
وفى فبراير (شباط) الماضي، أطلقت قوات الجيش والشرطة حملة لتطهير شمال ووسط سيناء من «المتشددين» والعناصر الإجرامية أيضاً، وتعرف باسم عملية المجابهة الشاملة «سيناء 2018». وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كلف في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي الجيش والشرطة بـ«استخدام كل القوة» لاقتلاع الإرهاب من جذوره.
وواصل سليمان حديثه إلى «الشرق الأوسط»، موضحاً أنه وغيره من الأهالي من قريته والقرى المجاورة لها يعيشون العيد بعيداً عن منازلهم بحزن وأسى، واستطرد: «أنا رجل بدوي كنت أربي الأغنام والماعز، وفي كل عام كنت أجهز إحداها كأضحية، وأقدم غيرها بين الحين والآخر لضيوف ديوان عائلتي أو ضمن الاحتفالات الأخرى».
ويشرح: «في موقعنا الجديد ورغم استئجاري لبيت مع أسرتي، إلا أنه صغير المساحة ولا أستطيع تربية الأغنام فيه».
ليس ذبح الأضاحي فقط هو ما يفتقده سليمان، لكن «استقبال أبنائه وأحفاده وأقاربه في ديوان (ساحة) منزله في العيد عادة أخرى متوارثة لم يعد يمارسها الرجل بفعل النزوح».
محمد عايش، وهو قيادي قبلي من شمال سيناء (طلب تغيير اسمه حفاظا على سلامته) قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يقضي العيد في شقته بإحدى ضواحي القاهرة، التي انتقل إليها قبل 3 سنوات، بعد تلقيه معلومات أنه من بين مطلوبين لـ«داعش» لقتله بدعوى رفضه لوجودهم، والتعاون مع الجهات الأمنية لملاحقتهم.
وأضاف أن «ديوان عائلتهم الكائن في منطقة جنوب الشيخ زويد، أصبح مهجورا وتهدمت أجزاء منه بفعل سقوط قذائف مجهولة في معترك الحرب على الإرهاب، وهو الديوان الذي ورثه عن والده، وكان في يوم العيد يشهد احتفالا مميزا، حيث ينحرون أضحيتهم ثم يحمل كل رجل من العائلة لحوم الأضحية بعد طهيها وتجمع على مائدة واحدة يتناولونها، ويبدأون بعد صلاة الظهر استقبال المهنئين لهم بالعيد من أصدقاء وأقارب». واستطرد الرمز القبلي: «لقد دمعت عيني حزنا على حالي، بعد أن أخبرني ابني أنه أحضر كيلو ونصف كيلو غراما من اللحم لنتناولها في داخل شقتنا معلنين بداية النهاية لعيد مروره علينا يجدد أحزاننا».
تفرق الأسر القادمة من الشيخ زويد ورفح في بحثها عن مساكن، ترك أثره كذلك في احتفالهم بالعيد وصعوبة تنقلهم لمعايدة بعضهم البعض واختفاء مظاهر مواكب العيد الجماعية التي تعقب نحر الأضاحي، حيث اعتاد كل رجل اصطحاب أطفاله في موكب والمرور على منازل الأمهات والجدات والعمات للتهنئة بالعيد، وإهدائهن جزءا من الأضحية.
تقول سالمة صبيح وهي سيدة سبعينية تقيم في عشة بمعية ابنها الأصغر محمود في منطقة بئر العبد، إنها رحلت عن قريتها نجع شيبانة بجنوب رفح واختارت العيش مع ابنها الصغير فيما تفرقت السبل بـ7 من الأبناء والبنات في مناطق داخل سيناء وخارجها، وفي العيد يحضر الجيران لمعايدتها، بينما يصعب حضور أبنائها نظرا لظروف الانتقال وصعوبة حركة السفر، ويكتفي بعضهم بالمعايدة عبر الهاتف وهو أمر لم تألفه طوال حياتها.
9:56 دقيقه
مواجهة الإرهاب في سيناء تُفقد النازحين عادات الأعياد المتوارثة
https://aawsat.com/home/article/1369051/%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%AA%D9%8F%D9%81%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B2%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AB%D8%A9
مواجهة الإرهاب في سيناء تُفقد النازحين عادات الأعياد المتوارثة
مواجهة الإرهاب في سيناء تُفقد النازحين عادات الأعياد المتوارثة
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



