مذكرات بسيوني الحلقة الاخيرة: أيقظتني المضيفة على دموع غزيرة ذرفتها حزنا على دنيا تفصل بين العدالة والسياسة

بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما
بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما
TT

مذكرات بسيوني الحلقة الاخيرة: أيقظتني المضيفة على دموع غزيرة ذرفتها حزنا على دنيا تفصل بين العدالة والسياسة

بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما
بسيوني يلقي خطابا بمناسبة إنهاء خدمته بجامعة دي بول بشيكاغو عام 2008 بعد أن درس فيها 45 عاما

بدأ شريف بسيوني هذه الحلقة، العاشرة والأخيرة في سلسلة مذكراته، بتلخيص أهم دروس تجربته الذاتية، قائلا: استطعت من خلال خبرتي في الحياة فهم شيئين: الأول، أن كل شخص يختلف عن الثاني، وكل شخص له علاقته مع ربه ومع غيره، فكأن لكل شخص كونا مستقلا؛ فمن يعش داخل هذا الكون مستقل عن غيره، ولا يمكن مقارنة ما يوجد في كونه المختلف بما في أكوان الآخرين. كما تعلمت أن هناك ما يسمى النسبية؛ أي أن ما هو مهم لك قد لا يكون مهما لغيرك، وما يؤثر في شخص لا يؤثر في آخر. تعلمت أنني حين أتعامل مع غيري ألا أتعامل معه إلا على أساس كونه الخاص. وألا أقارن هذا بشعور شخص آخر حصلت له حادثة أخرى. واقتنعت بأن التعارف معناه الاختلاف وعليه لا نستطيع التفريق.
عندما بدأت التدريب سنة 1964، كانت رواتب الذين يدرسون في كليات الحقوق متدنية جدا، فمعظم الأساتذة كانوا يمارسون مهنة المحاماة بالإضافة إلى التدريس. ولم تكن المحاماة في الولايات المتحدة متخصصة كما كانت هي في بقية أنحاء العالم، أو كما أصبحت الآن. بمعنى أن يتخصص المحامي في مجال قضايا الطلاق أو المالية أو القضايا التجارية مثلا. في الستينات كان معظم المحامين يعملون في جميع المجالات. وأذكر أني التحقت لوقت محدود، بمكتب محاماة يعمل فيه خمسة محامين، وكان عملنا يشمل شؤونا عامة، مثلا عقود الزواج، والطلاق، والنفقة، وقضايا مالية وتجارية، وقضايا إرث، وتأسيس شركات. كان خليطا من كل شيء، لكنه أعطاني إمكانية فهم سير القانون والقضاء في الولايات المتحدة والمجتمع. وبمرور سنوات، صرفت النظر عن هذه العموميات، وبدأ اهتمامي بمجال القانون الدولي، واقتصر عملي عبر سنوات على حالات قليلة كل عام ولكنها مهمة جدا، وطبعا كلما اشتهرت، وانتشرت سمعتي عالميا، كانت القضايا الهامة تأتيني. هكذا عُرفت خلال الأعوام الخمسة والعشرين أو الثلاثين التي مرت عليّ، كمتخصص في مجال القانون الجنائي الدولي، وفي مجال تسليم المجرمين. لذلك كنت محاميا في أكثر من 120 قضية تسليم مجرمين من الولايات المتحدة وإليها، وهذا أكبر عدد من القضايا يتابعه محام أميركي في التاريخ. كما كنت محاميا لعدد كبير من كبار الشخصيات بمن في ذلك رؤساء دول حاليون أو سابقون. مثلا، تضمن هذا العمل أيضا، التعاون الجنائي الدولي، وطلب التعاون أو الأدلة من الخارج؛ فخلال الأعوام الماضية، كنت محاميا لرئيس غواتيمالا السابق، ورئيس جمهورية المكسيك السابق، كلاهما كان مطلوبا في الولايات المتحدة في قضايا خاصة بغسل أموال. لكن هذه القضايا كان لها في الواقع، أبعاد سياسية؛ ذلك أن الولايات المتحدة تؤيد رؤساء دول في أميركا اللاتينية في أوقات ما، ثم تغير اتجاهها وتؤيد آخرين. وكانت كثيرا ما تستخدم كل ما تستطيعه ضد هؤلاء الأشخاص لمحاكمتهم. وربما كانت قضية نورييغا أهم تلك القضايا. فقد كان نورييغا حليفا للولايات المتحدة، ثم اعتقلته بعد ذلك وسجنته في ميامي. لم أكن مدافعا عنه، لكنني فقط أعطي هذا كمثال على البعد السياسي؛ حيث كان نورييغا في وقت ما مؤيدا من أميركا ثم تغيرت السياسة، والشيء نفسه حدث مع رئيس غواتيمالا السابق، ورئيس جمهورية المكسيك. كنت أتولى هذه القضايا من نحيث المبدأ أيضا، وليس فقط لأنها قضايا هامة؛ لذلك كنت أستبعد الكثير من القضايا التي لا أومن بمبدأ العدالة والنزاهة فيها.
من القضايا الأخرى أيضا، أنني مثلت سلفيو برلسكوني، رئيس الوزراء الإيطالي السابق، حين كانت إيطاليا تطالب أميركا بالمستندات الخاصة بتعامله مع شركات الأفلام الأميركية خلال سنة، قبل أن يكون له أي دور سياسي. وكانت تحاول أن تعرف، من خلال هذه المعاملات، ما إذا كان برلسكوني هرب أموالا إلى الخارج أم تهرب من دفع الضرائب. فكان ثمة مواضيع تعود إلى خمس وعشرين أو ثلاثين سنة. والطريقة التي كانت إيطاليا والولايات المتحدة تتعاونان بها، هي أن الأخيرة كانت مستعدة لتعطي إيطاليا كل ما كانت تطلبه من الشركات، وهذا يصعب فهمه من ناحية العدالة؛ فلو أن هناك معاملات تجارية ترجع لمدة 20 أو 30 سنة، فإنه يصعب علينا معرفة الأوراق الموجودة: ما الذي سلمته هذه الشركات؟ ما الذي لم تسلمه؟ ما هي خبايا الموضوع؟ يمكن للنيابة في إيطاليا أن تأخذ هذه المستندات و«تتقصى» عنها، وتختار ما هو مناسب للقضية التي يريدون إنشاءها، والدفاع لا يعلم ما وصل إليهم من أوراق، أو مستندات لكي يستطيع أن يقول إن هذا الخطاب مثلا كان في ملف آخر. أي أنني دافعت عن برلسكوني لهذا السبب، واستطعنا منع إرسال كثير من هذه الأوراق، واستطعنا الحصول على قائمة بالأوراق التي أرسلت، لكي يتمكن الدفاع من النظر إلى القائمة والتحقق منها، فكان الغرض شرعيا تماما. كما دافعت عن من لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فكنت عضوا في لجنة القانون الجنائي في نقابة شيكاغو، وكثيرا ما كانت هناك ظروف معينة واضطرابات من جانب المتهمين الذين لم يكن لديهم محامون، فكنت أتطوع للدفاع عنهم مجانا. وقد يكون هذا العمل أقرب إلى ما كان يقوم به جدي في الصعيد في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي.
* السياسة والقانون
* عندما ذهبت إلى أفغانستان مثلا، جرى صراع كبير حول ما إذا كانوا سيؤسسون لجنة أم لا. وطبعا لم يكن الإميركيون راغبين في أن يرى أحد ما يحدث في عمليات تقصي الحقائق. وبدل «لجنة» أعطوني لقب «خبير مستقل» وحدي، وفعلوا معي مثلما فعلوا في يوغوسلافيا سابقا، لم يعطوني أي مقابل على عملي.
وأتذكر وقتها أني كنت في قطر، في دور دبلوماسي سياسي مهم جدا؛ حيث كان يوجد قائد من الشيشان طلب اللجوء السياسي في قطر، وكان يعيش هناك. وقتها قامت مجموعة من الشيشانيين باحتلال مدرسة في موسكو، وهددت بقتل 300 طفل. وفعلا ارتكبوا ذلك الفعل، وكان الموجودون داخل المدرسة على تواصل هاتفي مع الشخص الشيشاني اللاجئ في قطر بصفته قائدهم، وهو من أعطاهم الأمر بتفجير القنبلة وقتل الأطفال. طبعا، تأكدت أجهزة الأمن الروسية من هذه المعلومة، وطلبت من قطر تسليم ذلك الشخص، لكن قطر رفضت تسليمه. لم يعجب الأمر الروس الذين وأرادوا التصرف بأنفسهم، فأرسلوا اثنين من المخابرات مع تغطية دبلوماسية، وتمكنوا من معرفة خط سير هذا الرجل، وعرفوا أنه سيذهب إلى صلاة الجمعة، وأن ابنه سيكون السائق، وأنه سيجلس إلى جانبه. وقد أرادوا اغتياله من دون أن يتسببوا في إصابات أو خسائر أخرى. بعدما دخل المسجد، وضعوا قنبلة مؤقتة (مسيرة)، أسفل المكان الذي يجلس فيه، فلما خرج انفجرت القنبلة فمات، وأصيب ابنه في ذراعه اليمنى، وبعد ساعات ألقى القطريون القبض على الشخصين.
والقصة هي أنه عندما دخل هذان الشخصان إلى قطر، كانت المخابرات الأميركية تتتبعهما، حيث ظنت في البداية، أنهما قادمان للتجسس على قاعدتها العسكرية في قطر، فواصلت مراقبتهما لفترة ما، وبعد أن تيقنت أنهما ليسا هناك لهذه الغاية، أعطوا ما لديهم من معلومات للمخابرات القطرية التي لم تكن تربط بين وجودهما وهدفهما. ولما قتل القائد الشيشاني في الانفجار قبضوا عليهما؛ دخلوا السفارة على الرغم من الحصانة الدبلوماسية وقبضوا عليهما، وحوكما، وهو ما يخالف المعاهدة الدبلوماسية. احتجت روسيا على هذلك مما ولد أزمة. لكن أحدهم أشار على الرئيس بوتين بتعييني أنا محاميا عن الروس في قطر، لكي أحاول إيجاد مخرج للأزمة. وفعلا قمت بهذا الدور، على أساس أنه بدل أن تتأزم الحالة بين روسيا وقطر نجعل قطر تحاكمهما، من دون عقوبة إعدام بل بالسجن، وباتفاقية ثنائية ما بين قطر وروسيا. فكنت المحامي مع محام قطري للدفاع عن هذين الروسيين، ونفذ الاتفاق ولم تتأزم المشكلة بين روسيا وقطر، ومرت على هذا الأساس، وربما كان هذا ما يسمى «النفوذ» الذي تحدثنا عنه سابقا. انتهت الأزمة، وبكل أمانة، لم آخذ مكافأة مادية ولا معنوية على ذلك، ولم أتلق وساما من قطر.
المتلقي العادي لأية معلومات، لا يستطيع أن يستوعب أو يفهم ما يجري داخل الإدارات الحكومية والبيروقراطية الدولية. ما نراه من ناتج في الخارج، ليس هو ما يأتي من الداخل. ما نراه كثيرا ما يكون مسيسا وملونا ويصلنا كمعلومة من دون أن نفهمها، وكثيرا ما تكون الصورة ملونة لأسباب، وعلى سبيل المثال، فإن إنشاء لجنة تقصي حقائق عن الحرب في يوغوسلافيا، لم يتم بالصيغة التي أنشئت عليها، ومنحت لها كل الصلاحيات. فالرأي العام لن يعرف الحقيقة إلا إذا علم أن هيئة الأمم لم تخصص لها أية ميزانية للقيام بعملها.
وعندما يكون لديك لجنة مثل لجنة سوريا ولا تتحرك خارج جنيف، فكيف تتحرى عما يحصل داخل سوريا؟ تأخذ اللجنة معلوماتها من وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان، وهذا ما يمكن للحكومات أن تنفيه وتكذبه. لذلك كنت أسعى في كل مهامي، إلى المعلومة المباشرة التي تأتي من الميدان الذي أذهب إليه. يوجد فارق كبير بين ما نراه ميدانيا وما يحدث في المكاتب العليا في الحكومات وغيره. ويمكن مقارنة ذلك مثلا بالميدان العسكري. فهناك فارق بين ما يرى الجندي أو الضابط الصغير في الميدان، وما يرى رؤساؤه في القوات المسلحة في مكاتبهم بعيدا عن الميدان. وبصفتي كنت ضابطا صغيرا (ملازم ثان)، تعودت أن أنظر إلى الأمور من الناحية الميدانية الواقعية، وليس من ناحية القيادة العسكرية العليا، التي تأتيها أرقام ولكنها لا تشعر بما هو موجود. كان مبدئي دائما، هو التحقق، كما كان عندما كنت في الجيش. إنني لا أستطيع إصدار أمر إلى أي شخص بالقيام بأي شيء، إلا إذا كنت أنا شخصيا أستطيع القيام به. يعني لا يمكنني أن أطلب من جندي أن يمشي 10 كيلومترات في اليوم في الصحراء، إلا إذا كنت أنا شخصيا أستطيع القيام بذلك. لكن إذا كان رئيس الأركان بعيدا عن الميدان يجلس في غرفة مكيفة، فإنه يستطيع أن يقول – نظريا - إن هذه القوة تستطيع الانتقال 10 كيلومترات في اليوم. الشيء نفسه مع من يتحدث عن جرائم من دون أن يشعر بقيمة الجريمة ويفهمها. وهو لن يستطيع فهم معناها لأن كثيرا من الأمور يحدث أثناء الحرب، لأن الطبيعة الإنسانية للأسف، لم تتغير كثيرا، فالإنسان لم يتغير. وظروف الحرب ومواجهة الموت والحاجة للبقاء تغير الإنسان، لذا يجب أخذ هذه الجوانب بعين الاعتبار وفهمها. أي إذا كان شخص ما في مكاني كرئيس للجنة معينة، عليه أن يجد توازنا بين وجوده في الميدان وإدارته لما يسري في الميدان، وفهمه لما يكون، وفهمه للمحققين الذين يعملون معه لكي يديرهم بطريقة سليمة، وفي الوقت نفسه فهمه للبعد السياسي، وكأن الواحد يغير «فيتيس» (ناقل الحركة) السيارة. حينما يكون في الميدان، يكون على «المارش الأول» ويمشي خطوة خطوة، وعلى «المارش السياسي» يضع «الفيتيس» على الرابع، وكأنه في الطريق السريع. من الناحية النفسية، الانتقال يسبب صعوبة نفسية ومعنوية، وإذا عزل الشخص نفسه عن مشاعره فقد آدميته.
سألت بسيوني عن أهم قصة مسته شخصيا وتركت أثرا في نفسه، فروى لي القصة التالية:
كنا في الميدان ذات يوم. كنا نقوم بالحفر بحثا عن مقبرة جماعية. وكان الصرب دائما يتهمونني بأنني أجد المقابر الجماعية للبوسنيين والمسلمين أو الكروات، وأنني منحاز إلى هذه الأطراف. وقد أبلغوني أنه في مكان يبعد 300 كلم عن مدينة زغرب في كرواتيا وفي وسط منطقة خالية، كانت ثمة منطقة يقطنها الصرب سابقا، وقد قام الكروات بتطهيرها عرقيا وأخرجوا سكانها منها. وقد أبلغتني الحكومة الصربية أن من غير المستيعد ان تكون هناك مقبرة جماعية تضم ألف شخص. كونت فريق عمل من 65 ضابطا وجنديا من الجيش الهولندي، وخمسة محققين من كندا والنرويج، وضباطا في الإدارة القانونية في هذه الجهات يعملون معي، وبعض الجهات الخارجية من الأطباء والعلماء الشرعيين. كان هذا بعد أن عثرنا على مقبرة جماعية في منطقة اسمها فوكوفار، كان فيها 204 كرواتيين كاثوليك، قتلوا من جانب الصرب. كانوا قد أخذوا وجمعوا معا وضربوا بالرصاص. ووجدنا أدلة على أن شخصا كان يطلق النار على رأس أي شخص إذا وجد أنه ما زال حيا. كانت تلك مقبرة بشعة بالفعل. بعد ذلك، علمنا أنهم أخذوا جميعا من مستشفى مدينة فوكوفار وقتلوا. كانوا جرحى ومرضى وقتلوا بتلك الطريقة. وكانت هذه المقبرة موضوع أكبر قضية في يوغوسلافيا فيما بعد، بنيت على ما اكتشفناه، لكني وجدت في الوقت نفسه، أن من الواجب البحث فعن المقبرة الجماعية التي أخبرني عنها الصرب. فذهبت إلى تلك المنطقة التي كان اسمها «بوليانا بكرتش»، وبعد البحث الطويل، لم نجد إلا مقبرة ك فيها 19 جثة، أخرجناها بالفعل، وبدأنا حفرية المقابر الجماعية مثل حفرية الآثار.
* عمل دقيق
* على الشخص أن يكون دقيقا جدا، ويعمل بحرص لكي لا يجري تحريك الجثث من مكانها. لا يمكنك العمل بوسائل قد تطال الجثة التي قد تتوفر حولها أدلة تقدم أدلة على الطريقة التي وجدت بها. في إحدى هذه الحفريات، كنت أنظر بعيدا، أتحدث إلى أحد الضباط الذين يعملون معي. وكانت هناك جثة لفت في بطانية. فتشت البطانية. كان من يعملون في الحفرة قد رفعوا عنه البطانية وكشفوا جثته وبان وجهه. وشاءت الظروف أن كانت جثته كاملة لم تتغير. كان في الثلاثينات، صغير الحجم نحيفا. كانت لذلك الرجل لحية صغيرة مثل لحية لينين، وكانت عيناه مفتوحتين. نظرت إليهما، فشعرت بهما تسألاني: لم أنت هنا؟ أين كنتم حين كانوا يقتلوننا؟ كان صاحب الجثة كمن خرج من عالم آخر ليعطيني رسالة: أين كان العالم حين كنا نموت؟ وهذه رسالة كل ضحايا العالم، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية. هزني هذا المنظر تماما. قبلها بيوم، كانت تلقيت إشارة من الأمين العام للأمم المتحدة، تطلب مني مقابلته في نيويورك. أتممت عملي يومها، واستقليت بعد الظهر، سيارة نقلتني مسافة 300 كلم إلى زغرب، أخذت بعدها طائرة من هناك إلى فرانكفورت، ثم من فرنكفورت إلى نيويورك. كنت قادما من الميدان حيث نعمل منذ أسبوع، وأعيش في خيمة بقليل من الماء البارد، وأضيفت متاعب السفر إلى نيويورك إلى تلك المتاعب. وصلت بعد الظهر، وكان لي في صباح الغد، موعدا مع الأمين العام. ذهبت إلى موعدي مرهقا. رحب بي الأمين العام، وقال إن دولا كثيرة، بما في ذلك إنجلترا وصربيا وروسيا، تشكو من وجودك الدائم في الميدان، حيث يخلق لهم نوعا من الفزع. فلماذا تقوم بهذا الدور؟ أنت رئيس لجنة معينة من مجلس الأمن بدرجة أمين عام مساعد، ولك مكتب جميل جدا في الدور الخامس في هيئة الأمم في جنيف، يطل على بحيرة جنيف الجميلة. لماذا تعرض نفسك إلى كل هذا؟ وختم كلامه قائلا: يا شريف، إن كنت تقوم بمثل هذا الدور الرئيس وسط نزاع مسلح مهم له جوانب سياسية هامة «امش دائما وظهرك للحائط». أنت تعرض نفسك لانتقادات بسبب عملك الميداني، هذا ليس دورك. فأجبته بأنني أحاول التوفيق بين دوري كمحقق، وإدارة الناس الذين أعمل معهم. كما أحاول إزالة بعض العراقيل البيروقراطية في هيئة الأمم، وغياب الأمل. يجب أن أكون حريصا في المهام التي أقوم بها لأحصل على مساعدة الدول، على المستوى الثنائي. فقال لا، انتظر في جنيف وتأن. فخرجت من عنده وذهبت إلى شيكاغو حيث مقر المعلومات في الجامعة. في الطائرة، أغمضت عيني من شدة التعب. كنت أعيد الفيلم من فوكوفار من 204 إلى بوليانا بكرتش التي وجدنا فيها 19 صربيا، وكيف دفنهم الأردنيون ووضعوا صلبهم، و«لينين» الذي خرج من تحت الأرض ليسألني: لماذا تفعل البشرية هذا؟ والأمين العام الذي يقع مكتبه في الدور 38 على نهر في نيويورك بعيدا عن هذا المجال، ينصحني بـ«المشي بجوار الحائط». لم أدر بنفسي إلى أن لمست المضيفة كتفي تسألني إن كنت بخير، فتبين لي وقتها، أنني كنت أبكي، وأن سيلا من الدموع كان ينهمر من عيني ولم أشعر بذلك. كنت أبكي على هذه الأمور وعلى أمور الدنيا التي تفصل بين العدالة والسياسة.
والشيء نفسه يتكرر يوميا: ما الذي يحدث في النزاع بين أميركا وروسيا حول نظام بشار الأسد الذي أدى إلى مقتل 100 ألف. أريد أن أذكر بأن الله قال: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). وقال كذلك: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). هذا معناه أن الله لم يفرق بين المسلم وغير المسلم، ولا بين الرجل والمرأة. وقال: (ولقد كرمنا بني آدم)، ولم يقل المسلم أو غيره، ولا نرى هذا الآن. ونجد المسلمين - خاصة في العالم الإسلامي - يقتل بعضهم بعضا باسم الإسلام. وأختم بما ورد في سورة الرحمن: (فبأي آلاء ربكما تكذبان).

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (9)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (8)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.