«سأموت في المنفى»... الـ «أنا» والـ «نحن» بحثاً عن فلسطين

مونودراما الفنان غنّام غنّام
الاثنين - 9 ذو الحجة 1439 هـ - 20 أغسطس 2018 مـ
الجزائر: محمد شماني*

مرة أخرى تجدد عرض مونودراما "سأموت في المنفى" لصاحبها الفنان الفلسطيني غنام صابر غنام، الذي كتبها بعيدةً عن الشعارات وقريبة من الحكائية العربية، و بعيدة عن القدس جغرافيا وقريبة منها في الوجدان... هي قصة رواها غنام بدءاً من وعد بلفور وصولاً إلى الزمن الراهن.
غنام غنام ممثل واحد وحيد وسط ديكور فقير بناء على الضرورة المسرحية، وهو بذلك يجعل تقديم العرض ممكنا في ساحة عامة أو حديقة أو مقهى، وهذا ما فعله في عدد من البلدان العربية...
تتخذ المسرحية منذ البداية حيّزين زمنيين، هما غنام الابن المولود في فلسطين وغنام الشاب والفنان الذي صار يسمى أردنيا إماراتيا جزائريا مصريا...، ليقدم الشخصية والسيرة الذاتية ببعدين متوازيين: سيرة والده وأخوته توازيا مع التاريخ الفلسطيني، عبر محطات سبع لبدل الفاقد. حكاية الوالد والولد ومن وُلد إلى اليوم، وهي فلسطين تتعدد في كل الظروف.
"سأموت في المنفى" ألفها و أخرجها ومثلها غنام غنام، وحضر فيها شاعر القضية محمود درويش عبر مقاطع من قصائده. وحضر أيضاً الشهداء والأحياء والكوفية الفلسطينية بخريطة الوطن، ثم الكرسي المتحرك المتغير بتغيرات القضية،إلى حالات وإحالات فنية، ضمن إعادة إنتاج التاريخ بلغة الجسد والإيماءات القريبة من المتلقي مباشرة، ما يولّد لديه تجاوبا طبيعيا بعيدا عن البكائية قريبا من الوعي، عندما يخاطب غنام العقل قبل القلب، ليكون الفرد سائرا عبر الزمن و تتابع الوقائع، مزدوجا في عرض واحد آتٍ من تشكّل الطفولة وآخر تعب من يوميات الطفولة و النفي والفقد...
غنام الأصغر تحولت عنده الحياة بعد ميلاده فلسطينيا وتغيرت المصطلحات من النزوح إلى اللجوء. فلم يتبقَّ لديه سوى حقيبة الهجرة والهوية.
غنام البديل يتنقل بين المطارات والمنافي منتظرا وباحثا عن هويته الأصلية، وهو ما قدمه بذكاء عبر إعادة إنتاج فلسطين كنص مسرحي جمالي امتزج فيه التجريب بالعفوية. وقد تتغير فيه اللهجة بين المصرية والأردنية بتغير الحضور، خاصة أن الانتقال السلس بين حالة و أخرى يجعلك لا تحس بفرق اللهجة.
على امتداد العرض و بحضور متوازٍ للشخصيتين تجلت الأنا مرتين في شخص غنام الحكواتي و في شخص غنام الوالد، وتجلت النحن أو الجماعة في فلسطين. واستثمر غنام الكاتب في المدن أولا وفي أشعار محمود درويش و استحضر أعلام البلاد وثقافاتها من كتابات إميل حبيبي وقصائد سميح القاسم وفكر إدوارد سعيد ورمزية ناجي العلي وأدب غسان كنفاني.
لم يحتج العرض إلى إخراج معقّد، وهو البسيط في طرح القضية والمثبِت لتاريخ وأحداث عبر نهج وثائقي، بل كان حساسا حيا، من خلال حركة الممثل التي تفرض الإيقاع، مع إضاءة عادية لجلسة غير عادية، لأن الرسالة النصية واضحة لا تحتاج إلى إكسسوارات أو تقنيات وسط سواد المكان، مع استغلال الأبيض في صنع الأمل المفقود، لذا لم يكن هناك إلا الكوفية والكرسي طريقا للمواصلة.
الكرسي المتحول إلى قبر، إلى حقيبة، إلى أداة تعذيب... فيما توفر الكوفية الفلسطينية الرمزية البصرية مع خريطة فلسطين البدايات والنهايات، تماما مثلما كانت النهاية خطابا جنائزيا ساخرا يسبق الموت، ليتحدث به وعنه متسائلا كيف يموت المنفي بعيدا عن أرضه ووطنه؟
*من مبادرة «المراسل العربي»

إقرأ أيضاً ...