مثقفون غاضبون يستوعبون «الجمال الظالم»

سبعة فنانين وأربعة كتاب «يولفون» المشاهد الفلسطينية في «راقب الجدار»

غرافيتي على جدار في الضفة الغربية
غرافيتي على جدار في الضفة الغربية
TT

مثقفون غاضبون يستوعبون «الجمال الظالم»

غرافيتي على جدار في الضفة الغربية
غرافيتي على جدار في الضفة الغربية

يتسبب جدار الفصل العنصري، بتعبير الفلسطينيين، أو الحاجز الأمني حسب التسمية الإسرائيلية، الذي يتخذ شكلا متعرجا بطول حدود الضفة الغربية وداخلها، في إثارة عدد من الأمور الخلافية ماديا ورمزيا. ولقد أصبح الجدار، البناء الذي يرسخ الاحتلال، والاضطهاد، والسيطرة، والرقابة، وانتزاع الأراضي بشكل مستمر، والهيمنة المادية التي يمارسها الإسرائيليون على الفلسطينيين. لقد صار الجدار مصدرا أبديا للإحباط. وجاء الكثير من الفنانين والكتّاب والسياسيين للتعبير عن مقتهم وغضبهم تجاهه. وفي الوقت الحالي، أصبحت الكتابات البحثية بشأن هذا الجدار، التي بدأت قبل وضع اللبنة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات، مسألة عالمية، فلم يعرب الفلسطينيون والإسرائيليون وحدهم عن معارضتهم للجدار، بل كان هناك الفنانون والمصورون في المجال الوثائقي والكتاب في مختلف أرجاء العالم، ممن عبّروا عن رفضهم أيضا.
والآن، جرى تأليف الكثير من الكتب التي تحلل موضوع هذا الجدار على المستوى المرئي والسياسي والمجازي. وإذا أردنا أن نسرد القليل من تلك الكتب التي تناولت هذا الموضوع، فسنجد كتاب ويليام باري «ضد الجدار: فن المقاومة في فلسطين»، وكذلك الأسطورة السياسية للروائي ويليام سوتكليف، بعنوان «الجدار». وكتاب «جدار في فلسطين» للصحافي الفرنسي رينيه باكمان أيضا.
لقد أصبحت كلمة الجدار بمثابة عبارة مجازية. فهو عبارة عن بناء مرتفع يشتمل على ألواح خرسانية رمادية اللون واضحة للعيان، تبرز في الأفلام والأعمال الفنية، إما كخلفية لها مدلول على المكان، أو بوصفها مصدر النزاع داخل القصة.
لقد صار الجدار نفسه مثلما يشير إليه البعض، على نحو غير مريح، مثل «لوحة زيتية». وفي الوقت الراهن صار الغرافيتي، والصور، والنصوص، والجداريات التي تزين الجدار، أعمالا واضحة في حد ذاتها. وجرى تجميع الكثير من هذه الأفكار مع بعضها البعض في كتاب واحد تحت عنوان «راقب الجدار: المشاهد الفلسطينية».
ومن أجل عكس المعاني التي يحملها هذا الجدار، يعمل سبعة فنانين حاصلين على جوائز، وأربعة من كتاب المقالات على وضع هذا الكتاب، لعكس تلك الصورة. ويجري حاليا، طبع الكتاب ونشره، باللغات الفرنسية والإنجليزية، بالإضافة إلى توقعات بترجمته إلى اللغة العربية.
يقول الكاتب رجاء شحادة في مقدمة الكتاب: «يعتبر المنظر الطبيعي هو التراث لهؤلاء القاطنين في المكان، فهو بمثابة الذات للدولة ومكانها في العالم وكذلك كبريائها». وتعطي هذه العبارة، التي تحمل بين طياتها قصة الكتاب، تعبيرا كيف أن تغييرات المنظر الطبيعي، هي مرآة تعكس تغير اتجاهات وعقلية وتفكير الأشخاص الذين يعيشون في ذلك المكان.
جرى طبع الكتاب وخرج وكأنه مختارات من مجموعة أعمال لبعض الفنانين. وعكس اختيار فن التصوير الفوتوغرافي ليكون المكوّن الأساسي في الكتاب، مشاعر الحصار، ومرور الزمن، والتغلب على القهر وبعد المنفى.
«نحن لسنا أعداء، بل نحن أصدقاء». تظهر هذه العبارة التي تعود إلى الرئيس الأميركي أبراهام لنكولن، مكتوبة على إحدى الصور التي التقطتها الفنانة الفلسطينية نويل جبور. وتظهر الصور التي التقطتها جبور الطبيعة البرية، والشجيرات التي تنمو بوفرة وبشكل فوضوي حول البناء العسكري. وكذلك المشاهد الحادة والفوضوية للأسلاك الشائكة كثيفة التشابك التي تبدو وكأنها ضباب. كما تظهر الصور التي أخرجها المصور الفلسطيني رائد بوايه، بعض الشبان الذين يخاطرون بحياتهم لعبور الجدار، للعمل في أي وظيفة تعتمد على المجهود البدني، والتي يمكنهم الحصول عليها إذا ما نجحوا في العبور إلى الجانب الآخر من الجدار، الذي يبدو كأنه فخ أو بناء لا خيار لديهم سوى عبوره بأي وسيلة من الوسائل، من أجل كسب لقمة العيش. أما الفنان الألماني، كاي فيندنهوفر، فقد التقط صوره من منظور عالمي، حيث إنه شهد سقوط جدار برلين في عام 1989. وبالتالي فهو يعرف جيدا ماذا تعني الجدران بالنسبة لقضية التفاعل البشري. وقد وثق فيندنهوفر مراحل بناء الجدار الفاصل، وكذلك ثمانية جدران أخرى في جميع أنحاء العالم، في الولايات المتحدة، وقبرص، والعراق، بالإضافة لأماكن أخرى.
ويقدم الفنانان الفلسطينيان تيسير باتنجي، وستيف سابيلا، أكثر الأفكار تعارضا خلال أعمالهم، حيث تعكس صور سابيلا، التي يقوم بتركيبها عن طريق القص واللصق، لمجموعة من الصور توضح تفاصيل كثيرة عن الجدار، حالة من التوتر بين التفاصيل والصورة الأكبر. تعرض أجزاء الصور الصغيرة المتكررة للطوب والإسمنت والأسلاك الشائكة، حالة من احتلال العقل، حيث تعكس اللامبالاة وسخافة الحياة اليومية التي بدأت تسيطر على حياة الناس.
أما صور باتنجي فتعكس، من خلال التفاصيل الموجودة على الجدار أيضا، عنصر مرور الوقت الذي بات مؤرقا للكثيرين. وتوضح الصور، التي التقطت لملصقات الشهداء المعلقة على الجدران، وقد بدأت تتمزق وتُزال من على الجدار. أما الصور، التي تعيد إلى الذهن الملامح التي تظهر على محيا الشباب المتوفى، فقد جرى إما إزالتها أو تغطيتها، مما يعكس اختفاء أولئك الشباب من الحياة. وتظهر صور باتنجي الجدار باعتباره مصدرا للأشباح التي تحضر وتغيب أثناء المقاومة.
وبتحولها إلى ثقافة، أصحبت تلك المحاولة لتخفيف وطأة الجدار، موضوعا خصبا للمناقشة في حد ذاته. وهذا ما توضحه الكاتبة مالو هالاسا، ببلاغة في قطعتها الفنية «الجمال الظالم: ضد تحويل الجدار إلى قطعة فنية»، والتي توضح أن «الجمال من الممكن أن يكون مرعبا وحالما في آنٍ معا». وتعرض هالاسا الصراع بين محاولة تجميل صورة الجدار والإلهام الذي يأتي من مقاومة الجدار. وحيث إنه أصبح جزءا لا يتجزأ من حياتهم، فقد كان من الواجب على فنانين كُثر من مختلف وسائل الإعلام والخلفيات الثقافية، إعادة تخيل تأثير الجدار على هويتهم ونشاطاتهم المتعلقة، إما بالتنقل أو المكوث في أماكن بعينها. ورغم أن ذلك العمل، الذي يعكس فظائع المشهد، يحمل كثيرا من الدلائل ويناقش مسألة التحكم والسيطرة، ويشارك الناس في عرض بعض القضايا الذاتية، كما تصور كيفية استعادة تلك السيطرة، ما زالت هناك بعض الأسئلة المتعلقة بتحول الجدار إلى مجرد أعمال فنية يجري عرضها في صالات عرض اللوحات الفنية.
ومن خلال عرض آراء عدد من الباحثين والفنانين، تناقش هالاسا، كيف يمكن أن يكون للفن قوة المناقشات نفسها، حيث يجري إبداع أعمال متمردة تعبر عن وجهة نظرهم. وكيف يمكن أن يصبح لذلك الفن صوتا أعلى وتفسيرا أقوى لواقع ذلك البناء الذي يعرض الفنانون وجهة نظرهم تجاهه.
ويُعد معرض قلنديا الدولي، الذي يُقام كل عامين، إحدى الوسائل التي يجري الرد من خلالها على الاحتلال الإسرائيلي. وتوضح طريقة رد فعل السلطات على ذلك الحدث، مدى تأثير وفعالية مثل هذا العمل، كما توضح هالاسا، الذي تقول: إنه «جرى سرقة ونهب المحفوظات والوثائق والمجموعات الفنية من مركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله، على أيدي الجنود الإسرائيليين خلال الانتفاضة الثانية وحصار مجمع الرئيس الراحل ياسر عرفات».
وحتى الآن لم يكتمل بناء الجدار. ويكتب شحادة في مقدمته «بمرور الوقت سيكتمل الجدار، وسينتج عن ذلك أن نحو مليون شجرة زيتون ستقع في المنطقة المحظورة بين الجدار وخط الهدنة لعام 1967». وتضيف كريستين لوينبرغر، الباحثة ومؤلفة «الأسوار والجيران»: «بمجرد الانتهاء من الجدار، من المتوقع أن يصل طوله إلى 709 كيلومترات، أي ضعف خط الهدنة لعام 1949 الذي كان يشكل الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية». وهكذا يستمر العنف. وبالطريقة نفسها، ستأتي ردود الفعل من الناس على ذلك الجدار، وسيختبرون الكثير من التجارب بسببه، لأنهم سيشعرون بالظلم وسيقمعون بسبب وجوده.
ولأنه كتاب من الصور الفنية، يبدو «راقب الجدار» كما لو كان معرضا فنيا في حد ذاته. ولذلك سيجري عرض بعض الأعمال المتضمنة في الكتاب في صالة عرض «الربع الخالي» في دبي خلال معرض آرت دبي عام 2014.



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».