تفاقم الأزمة بين مانشستر يونايتد ومورينيو

بعد رفض النادي لقائمة لاعبين رغب المدرب في ضمهم

مارسيال... أراد مورينيو التخلص منه وتمسك به مانشستر يونايتد
مارسيال... أراد مورينيو التخلص منه وتمسك به مانشستر يونايتد
TT

تفاقم الأزمة بين مانشستر يونايتد ومورينيو

مارسيال... أراد مورينيو التخلص منه وتمسك به مانشستر يونايتد
مارسيال... أراد مورينيو التخلص منه وتمسك به مانشستر يونايتد

لم يوافق مجلس إدارة نادي مانشستر يونايتد على التعاقد مع بعض الأسماء التي رشحها المدير الفني للفريق جوزيه مورينيو بسبب الشكوك التي تحوم حول مستواهم وبسبب القرار الذي اتخذه مجلس الإدارة بأنه لن يتم السماح للمدير الفني البرتغالي بالتعاقد مع اللاعبين الذين يريدهم إذا كان ذلك يعني إهدار عشرات الملايين من الجنيهات على حلول وإصلاحات قصيرة الأجل.
ومع انتهاء فترة الانتقالات الصيفية يوم الخميس الماضي وعدم تعاقد مانشستر يونايتد مع المزيد من اللاعبين الجدد، بدأت التفاصيل تتكشف أكثر حول الاختلافات في وجهات النظر بين المدير الفني الساخط على أداء النادي في سوق انتقالات وبين مجلس الإدارة، وخصوصا نائب المدير التنفيذي إيد وودوارد، فيما يتعلق بقائمة اللاعبين الذين كان مورينيو يرغب في ضمهم للنادي وما إذا كانوا يستحقون المبالغ المالية المطلوبة أم لا. ورأى مجلس إدارة النادي في نهاية المطاف أن مورينيو في معظم الحالات طلب التعاقد مع مدافعين ليسوا أفضل من المدافعين الموجودين بالفعل في الفريق، والذين سيكلفون النادي - في ضوء الأسعار الفلكية للاعبين في الوقت الحالي - أكثر من 70 مليون جنيه إسترليني دون تحسين أداء الفريق بشكل كبير.
وكان مورينيو يرغب في التعاقد مع مدافع ليستر سيتي هاري ماغوير، لكن مجلس إدارة مانشستر يونايتد لم يكن يشاركه نفس الرأي، وحتى عندما تواصل مسؤولو النادي مع ليستر سيتي لمعرفة المطالب المالية للتخلي عن خدمات اللاعب تراجعوا عن إتمام الصفقة بسبب المقابل المادي الكبير الذي طلبه ليستر سيتي في أعقاب انتقال المدافع الهولندي الدولي فيرجيل فان دايك من ساوثهامبتون إلى ليفربول مقابل 75 مليون جنيه إسترليني الموسم الماضي.
وبالتالي، استبعد مانشستر يونايتد فكرة التعاقد مع ماغواير. وبعد ذلك، أشارت تقارير إلى اهتمام النادي بالتعاقد مع مدافع توتنهام هوتسبير توبي ألديرويرلد، لكن الحقيقة هي أنه كان هناك اتصال واحد فقط بين وودوارد ورئيس نادي توتنهام هوتسبير دانيل ليفي هذا الصيف، وحدث عندما اتصل ليفي بوودوارد ليسأله عن إمكانية التعاقد مع اثنين من لاعبي مانشستر يونايتد أحدهم أنتوني مارسيال. ويرغب وودوارد في الإبقاء على خدمات مارسيال، وهي النقطة التي تعد مثار خلاف أيضاً بين مسؤولي مانشستر يونايتد وجوزيه مورينيو. وكان مورينيو مستعداً للتخلي عن خدمات مارسيال مجانا، ودائما ما كان يشكو خلف الكواليس من مستوى اللاعب.
وتتمثل المشكلة الرئيسية في أن مجلس إدارة مانشستر يونايتد يعتقد أن المدير الفني البرتغالي يفكر في حلول قصيرة الأجل بدلا من التفكير في تطوير الفريق على مدار سنوات طويلة، والدليل على ذلك أنه كان يريد التعاقد مع ألديرويرلد الذي سيكمل عامه الثلاثين في مارس (آذار) المقبل في صفقة كانت ستكلف النادي أكثر من 50 مليون جنيه إسترليني، في الوقت الذي كان سيحصل فيه اللاعب على راتب يصل لنحو 25 مليون جنيه إسترليني خلال السنوات الأربع المقبلة. ورأى النادي أن هذا اللاعب لا يستحق هذا المقابل المادي الكبير، خاصة في ضوء تقدمه في السن.
أما مورينيو فيرى الأمور بشكل مختلف تماما ويؤمن بأنه في ظل عدم التعاقد مع صفقات جديدة لتدعيم صفوف الفريق فمن غير المنطقي أن يتوقع منه أحد أن يكون قادرا على منافسة مانشستر سيتي على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز. وأثار مورينيو هذه النقطة في مؤتمر صحافي يوم الخميس الماضي عندما أكد على أن قيادة مانشستر يونايتد لاحتلال المركز الثاني في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الموسم الماضي بفارق 19 نقطة كاملة عن المتصدر مانشستر سيتي كان «أحد أكبر إنجازاتي في اللعبة».
ومع ذلك، كان يتعين على النادي أن يوازن بين رغبات المدير الفني والمعركة الدائمة لإبقائه سعيداً، مع الأخذ في الاعتبار أن مورينيو لديه سمعة سيئة فيما يتعلق برغبته في اتخاذ تدابير قصيرة المدى وعدم الاستمرار طويلا مع أي ناد من الأندية التي تولى قيادتها وعدم اهتمامه بما يحدث عندما يقرر الرحيل. وتختلف رؤية مسؤولي النادي تماما عن رؤية مورينيو فيما يتعلق ببناء فريق على المدى الطويل، وهذا هو السبب الذي يجعل وودوارد يرفض التخلي عن خدمات لاعبين من أمثال مارسيال وبول بوغبا ولوك شاو، والذين يمثلون إضافات قوية للفريق على مدى سنوات كثيرة.
ويمتلك مانشستر يونايتد الأموال التي تمكنه من التعاقد مع اللاعبين الذين يريدهم، وكان النادي مستعدا لإنفاق نحو 100 مليون جنيه للتعاقد مع المدافع الفرنسي رفائيل فاران الفائز مع منتخب بلاده بكأس العالم 2018 بفرنسا في حال موافقة ريال مدريد على رحيل اللاعب. وتناول وودوارد الإفطار مع رئيس ريال مدريد فلورينتينو بيريز وتحدثا حول هذه الصفقة خلال الصيف الحالي، لكنهما لم يتوصلا إلى اتفاق.
ورغم أن وودوارد يرفض فكرة التعاقد مع اللاعبين كبار السن الذين لن يكون لهم دور مع الفريق على المدى الطويل، فإنه كان مستعدا للتعاقد مع مدافع أتليتكو مدريد دييغو غودين واستفسر بالفعل خلال الأسبوع الحالي عن الشرط الجزائي الموجود في عقد اللاعب والذي يصل إلى 18 مليون جنيه إسترليني، لكن اللاعب البالغ من العمر 32 عاما رفض الرحيل عن إسبانيا، وبالتالي حذفت صفقة أخرى من القائمة التي كان يريدها مورينيو.
وعلى الجانب الآخر، كان مانشستر يونايتد مترددا في إنفاق أموال طائلة على لاعبين لا يعتبرهم من الصفوة، مثل لاعب بايرن ميونيخ جيروم بواتينغ الذي كان مورينيو يرغب بشدة في التعاقد معه. وعلاوة على ذلك، يمتلك بواتينغ سجلا سيئا فيما يتعلق بالإصابات المتكررة، كما أن مانشستر يونايتد لا ينسى أنه تعاقد مع لاعبين اثنين من بايرن ميونيخ، وهما أوين هارغريفيز وباستيان شفانشتايغر، لكنهما لم يتألقا في «أولد ترافورد» وغابا عن معظم المباريات بسبب الإصابة أيضا. وتعني الرغبة الجامحة من جانب مورينيو في التعاقد مع مدافعين أنه لا يثق في قدرات كريس سمولينغ وفيل جونز وفيكتور لينديلوف وإيريك بايلي، رغم أنه هو من تعاقد مع كل من لينديلوف وبايلي.
وضمت قائمة اللاعبين الذين كان النادي يرغب في ضمهم المدافع الكولومبي ياري مينا، لكن الصفقة تعطلت بسبب ما رأى مانشستر يونايتد أنه مبالغ مالية هائلة سوف تدفع لوكلاء اللاعبين. ومن غير المعروف بالضبط حجم هذه المبالغ، لكن يبدو أنها كبيرة بالفعل. ويقول مانشستر يونايتد إنه يأمل ألا يكون نادي إيفرتون، الذي تعاقد بالفعل مع اللاعب، قد دفع هذه المبالغ المالية الكبيرة لوكلاء اللاعبين حتى لا يصبح هذا أمرا شائعا في المستقبل. لكن الشيء المثير للسخرية حقا هو أن مانشستر يونايتد نفسه هو من ساهم بقوة في خلق هذه السوق لوكلاء اللاعبين عندما استعرض «عضلاته المالية»، إن جاز التعبير، في صفقة تعاقده مع الفرنسي بول بوغبا مقابل 93 مليون جنيه إسترليني من يوفنتوس الإيطالي ودفع مبالغ طائلة لوكيل اللاعب، مينو رايولا.
وعلاوة على ذلك، تعاقد مانشستر يونايتد مع النجم التشيلي أليكسيس سانشيز مقابل راتب أسبوعي يصل إلى 391 ألف جنيه إسترليني، بالإضافة إلى 75 ألف جنيه إسترليني عن كل مباراة يلعبها اللاعب ومقابل سنوي يصل إلى 1.1 مليون جنيه إسترليني، وهو ما يعد مؤشراً آخر على ما يمكن أن يقوم به مانشستر يونايتد للتعاقد مع لاعب من الطراز العالمي عندما يكون متاحا في سوق الانتقالات. ومع ذلك، يلقي مانشستر يونايتد باللوم على الأندية الأخرى فيما يتعلق بارتفاع أسعار اللاعبين ويرى أن هذه المزايدات قد بدأت عندما تعاقد مانشستر سيتي مع كايل ووكر من توتنهام هوتسبير الصيف الماضي مقابل 53 مليون جنيه إسترليني.
وقد ساهمت صفقة انتقال النجم البرازيلي نيمار من برشلونة إلى باريس سان جيرمان مقابل 200 مليون جنيه إسترليني إلى نقل أسعار اللاعبين إلى مستوى مختلف تماما، لكن مانشستر يونايتد يرى أن الصفقة الأكثر غرابة هي تعاقد برشلونة مع الجناح الفرنسي عثمان ديمبلي من بروسيا دورتموند الألماني مقابل 135 مليون جنيه إسترليني. ويعتقد مانشستر يونايتد أن المقابل المادي الذي دفعه ليفربول للتعاقد مع المدافع الهولندي فيرجيل فان ديك لن يبدو كبيرا في غضون عام من الآن، لكن في ظل التضخم الحالي في أسعار اللاعبين فإن النادي لا يريد أن يدفع مثل هذا المقابل المادي الكبير إلا للتعاقد مع لاعب من مستوى معين - أعلى بالطبع من ماغواير وألديرويرلد.
ولعل الشيء المثير للدهشة هو أن نادي مانشستر يونايتد لم يشكُ - مثل نادي توتنهام هوتسبير على سبيل المثال - من تقليل الفترة الزمنية المخصصة لانتقالات اللاعبين، بل ويعتقد مانشستر يونايتد أن باقي البلدان الأوروبية سوف تتخذ نفس الخطوة في نهاية المطاف. وتتمثل المشكلة الأكبر بالنسبة لمانشستر يونايتد في تأثير أداء النادي في فترة الانتقالات الصيفية على علاقة النادي بمديره الفني البرتغالي جوزيه مورينيو بعدما لم يتعاقد النادي سوى مع اللاعب البرازيلي فريد من شاختار دونيتسك الأوكراني واللاعب المصاب دييغو دالوت من بورتو، بالإضافة إلى لي غرانت من ستوك سيتي ليكون الخيار الثالث في مركز حراسة المرمى.
وفي المباراة الافتتاحية للدوري الإنجليزي الممتاز في الموسم الجديد والتي فاز فيها مانشستر يونايتد على ليستر سيتي بهدفين مقابل هدف وحيد، أشار مورينيو إلى أن قائمة الفريق غاب عنها كثير من اللاعبين بسبب عدم الجاهزية البدنية بعد الحصول على الراحة بسبب المشاركة مع منتخبات بلادهم في كأس العالم. وقال مورينيو إنه يشعر بالإحباط من فترة انتقالات مخيبة لمانشستر يونايتد. وأعلن مورينيو خيبة أمله من عدم قدرته على تعزيز صفوف الفريق خلال فترة الانتقالات الصيفية. وأضاف المدرب السابق لتشيلسي وريال مدريد: «سيكون موسما صعبا على الجميع وليس نحن فقط. كانت لدي خطط لعدة أشهر ووجدت نفسي في موقف لم أتوقع أن أكون فيه مع غلق سوق الانتقالات... هذه مهنة تدريب كرة القدم. أعتقد أن كرة القدم تتغير ويجب تغيير مسمى المدير الفني إلى مدرب. نحن مدربون أكثر من مديرين». وبدأت الكثير من الأندية، بينها آرسنال، في استخدام منصب (المدير الفني) بدلا من (‬‬المدرب) التقليدي، في انعكاس للتغيير في الهيكل الإداري للأندية والدور المتزايد لمديري الكرة وللمسؤولين عن التعاقدات والرئيس التنفيذي للنادي».
ورغم سعادة مورينيو بالمجهود الذي بذله فريقه أمام ليستر فإنه رفض التأكيد أن يونايتد سينافس على لقب الدوري هذا الموسم بعدما احتل المركز الثاني متأخرا بفارق 19 نقطة عن مانشستر سيتي بطل الموسم الماضي. وأضاف المدرب البرتغالي: «يجب علينا الانتظار حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) لندرك مدى قدرتنا على المنافسة على اللقب».
وبدا إحباط مورينيو من سوق الانتقالات واضحا مرة أخرى عندما تحدث عن الأداء أمام ليستر. وقال: «واجهنا فريقا أنفق أكثر منا على التعاقدات الجديدة. لذلك في الدوري الممتاز يجب أن نعتاد على مواجهة أندية تملك لاعبين لهم نفس كفاءة لاعبينا... يجب عليك نسيان اسم وتاريخ وقميص الفريق لأن كل مباراة باتت صعبة. أعتقد أن هذه آخر مرة سنتحدث عن ذلك لأن سوق الانتقالات انتهت، ولا حديث آخر بهذا الشأن».
وأكد مورينيو قبل المباراة الافتتاحية على أن قائمة البدلاء قد تضم «صبية في السادسة عشرة من عمرهم ليس لديهم أية خبرات». وهذه المرة، قرر مورينيو ألا يتكلم مجددا عن أداء النادي في فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة، مشيرا إلى أن هذا هو وقت «التوقف عن الحديث عن سوق الانتقالات»، ومؤكدا على أنه سيعمل على الاستمتاع بالموسم.
وعلى عكس أول موسمين له في مانشستر يونايتد، توقف مورينيو بشكل ملحوظ عن الحديث عن مانشستر يونايتد كبطل محتمل للدوري الإنجليزي الممتاز، لكنه وجه سهامه صوب ليفربول على ما يبدو عندما قال إن وسائل الإعلام «تصور الفريق الذي احتل المركز الثاني في جدول الترتيب وكأنه هبط من المسابقة بينما تصور الفريق الذي لم يحصل على أي شيء وأنهى الموسم في مركز أدنى منا يبدو وكأنه دائما ما يفوز بالبطولات!»



مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (تويتر)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.