5 ملفات وتحديات تنتظر الدبلوماسية الفرنسية للأشهر القادمة

سفير فرنسي سابق لـ«الشرق الأوسط»: قدرتنا على التأثير في الملفات الساخنة «ضئيلة»

الرئيس الفرنسي ماكرون خلال زيارته قبل أيام للشبونة (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون خلال زيارته قبل أيام للشبونة (أ.ف.ب)
TT

5 ملفات وتحديات تنتظر الدبلوماسية الفرنسية للأشهر القادمة

الرئيس الفرنسي ماكرون خلال زيارته قبل أيام للشبونة (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون خلال زيارته قبل أيام للشبونة (أ.ف.ب)

يلتئم اليوم في قصر الإليزيه آخر اجتماع لمجلس الوزراء الفرنسي قبل العطلة الصيفية التي تبدأ مساءً، وتمتد حتى الأسبوع الثالث من الشهر الحالي. ومع ختامه، سوف تدخل الدبلوماسية الفرنسية في مرحلة من المراوحة ولن تعود إلى نشاطها المعهود حتى انعقاد مؤتمر السفراء الفرنسيين في العالم في 27 الحالي. ووفق التقليد المتبع، فإن رئيس الجمهورية سيلقي، في هذه المناسبة، كلمة يركز فيها على التحديات والخيارات ويعرض للملفات الساخنة وما يريد أن تقوم به دبلوماسية بلاده التي تدار إلى حد بعيد من قصر الإليزيه.
بيد أن ماكرون الذي عرف عهده في الأسبوعين الأخيرين، أسوأ أيام منذ انتخابه في شهر مايو (أيار) من العام الماضي، مع اندلاع ما اصطلح على تسميته «بنعالا غيت» لم يكتفِ بالمطالعة والسباحة في «حصن بريغانسون» وهو المقر الصيفي لرؤساء الجمهورية المطل على البحر الأبيض المتوسط. فمساء اليوم، سيلتقي في إطار خاص وحميمي، رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وزوجها للبحث في صعوبات «بريكست» وكيفية التغلب على العوائق التي تحول دون التوصل إلى اتفاق. لكن إلى جانب الملفات الأوروبية الشائكة (الهجرات، المحافظة على وحدة الاتحاد، تدعيم منطقة اليورو، الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، صعود النزعات القومية داخل الاتحاد...) سيكون على ماكرون أن يتابع ملفات الشرق الأوسط التي انخرط فيها بدينامية وقوة، لكن من غير تحقيق نتائج ملموسة حتى الآن. وبالطبع، ستكون هذه الملفات على جدول أعمال مؤتمر السفراء المقبل وللشهور التالية.
خمسة ملفات شرق أوسطية ستفرض نفسها على أجندة ماكرون والدبلوماسية الفرنسية: إيران، سوريا، ليبيا، اليمن ولبنان. وبشأنها جميعاً، سعت فرنسا لأن يكون لها دور وكلمة من خلال مبادرات أطلقتها في الأشهر الماضية. وبحسب سفير فرنسي سابق تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، فإن الدبلوماسية الفرنسية «بينت عن دينامية في طرح الأفكار والمبادرات، لكن قدرتها على التأثير في الملفات الساخنة تبدو على ضوء التجربة ضئيلة». يبرز الملف النووي الإيراني أول تحدٍ للدبلوماسية الفرنسية. وخيبة باريس إزاءه أنها راهنت على قدرتها (مع الاتحاد الأوروبي) على دفع الرئيس الأميركي على الامتناع عن دفنه في مايو الماضي، مستنداً إلى «العلاقة الخاصة» التي بناها مع ساكن البيت الأبيض. والنتيجة كانت أن ترمب مزق الاتفاق وأعاد فرض العقوبات على إيران، وهدد الشركات الأوروبية التي ستستمر في التعاطي معها بعد السادس من أغسطس (آب) والرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) (فيما يخص النفط والغاز والمعاملات المالية والمصرفية). ورفض إعطاء عدد منها «إعفاءات» من التدابير الزجرية. ويبرز التحدي المطروح على باريس (وغيرها من العواصم الأوروبية) في مدى قدرتها على إبقاء الاتفاق النووي حياً من خلال توفير «بدائل» لطهران تمكنها من تصدير نفطها والاستمرار في علاقات تجارية واقتصادية واستثمارية مع أوروبا. كذلك، من خلال دعوتها للتوصل إلى اتفاق «شامل» يضم البرامج الصاروخية لإيران وسياستها المزعزعة للاستقرار في المنطقة. لكن الأوساط المعنية بالملف تعبر عن «تشاؤمها» إزاء قدرة الشركات الأوروبية على «تحدي» الولايات المتحدة وعقوباتها، في حين ترمب يبدو واثقاً من نجاعة العقوبات في لي ذراع السلطات الإيرانية و«إجبارها» على العودة إلى طاولة المفاوضات.
كما في الملف الإيراني، تبدو باريس قاصرة عن التأثير جدياً في الملف السوري. وثمة تساؤلات في العاصمة الفرنسية عن «معاني» العملية الإنسانية المشتركة التي قامت بها فرنسا بالتعاون مع روسيا لإيصال مساعدات إنسانية إلى الغوطة الشرقية نقلتها طائرة أنطونوف روسية من مطار شاتورو (وسط فرنسا) إلى قاعدة حميميم. وإذ حرص الإليزيه على حصر العملية في الجانب الإنساني، فإن محللين رأوا فيها سعياً للحصول على موطئ قدم في الملف السوري عبر موسكو. وسبق لماكرون أن التقى الرئيس بوتين مرتين: الأولى خلال زيارة رسمية في مايو في بطرسبرغ، والأخرى على هامش «المونديال» في 15 يوليو (تموز) الماضي. وبعد اتفاق بين الطرفين على إيجاد «آلية تنسيق» بين مجموعة آستانة و«المجموعة المصغرة» الغربية ــ العربية لا يبدو أن لهذه الآلية دوراً ما، أو أن موسكو تأخذها بعين الاعتبار.
أما في الملف الليبي الذي يحتل حيزاً واسعاً في نشاط الدبلوماسية الفرنسية بسبب قرب ليبيا من مناطق النفوذ الفرنسية في شمال أفريقيا وبلدان الساحل، فإن باريس لم توفر جهداً. ولهذه الغاية؛ نظمت ورعت مؤتمرين حول ليبيا، آخرهما ضم الأطراف الليبية والإقليمية والدولية في 29 مايو في قصر الإليزيه. وخرج الآخر بالتزامات من الأطراف الليبية، أهمها إجراء انتخابات قبل نهاية العام الحايل، وتوحيد المؤسسات ووقف النار وخلافها. ولا يبدو أن هذه الأهداف سوف تتحقق رغم مساعي الوزير جان إيف لودريان الذي جال على مواقع النفوذ في ليبيا شرقاً وغرباً قبل ستة أيام، محاولاً «تحفيز» الليبيين للوفاء بالتزاماتهم. وكانت هذه الزيارة الثالثة من نوعها. لكن باريس «متهمة» بأنها تقف إلى جانب المشير خلفية حفتر الذي ترى فيها سواراً ضد الإرهاب والرجل القوي القادر على الإمساك. وثمة تنافس لم يعد خفياً بين باريس وروما على ليبيا. وترى الثانية أن باريس لا تأخذ بعين الاعتبار مصالحها في هذا البلد. ولذا؛ سيكون الملف الليبي على رأس أولويات الدبلوماسية الفرنسية للأشهر المقبلة؛ لما له من تأثير في موضوعات الهجرات والإرهاب واستقرار بلدان الساحل وشمال أفريقيا.
يبقى الملفان اليمني واللبناني. وفي الملف الأول تسعى باريس، التي منذ البداية وقفت إلى جانب التحالف العربي، ونددت بالدور الإيراني في اليمن عن طريق دعم الحوثيين، إلى إيجاد «مخارج»: أولاً بالنسبة للوضع الإنساني وإيصال المساعدات. ولهذا الغرض نظمت اجتماعاً لـ«الخبراء» نهاية يونيو (حزيران) الماضي بحضور نحو عشرين دولة والكثير من المنظمات الدولية والإقليمية. كذلك، فإنها تسعى من خلال دعم جهود الأمم المتحدة وممثلها مارتن غريفيث إلى تسهيل العودة إلى طاولة المفاوضات من خلال إعادة التواصل مع الحوثيين. ولهذا الغرض، قام السفير الفرنسي في اليمن، المقيم في الرياض بزيارة إلى صنعاء منتصف الشهر الماضي من أجل «تناول الملفات الإنسانية». لكن ثمة «تشاؤماً» من إمكانية تحقيق اختراق قريب في هذا الملف.
وفي لبنان، تسعى باريس لدفع الأطراف اللبنانية إلى الإسراع في تشكيل الحكومة التي يراوح تأليفها مكانه منذ أكثر من شهرين. ورسالة باريس للبنانيين تشدد على أن الأسرة الدولية تريد أن تساعد لبنان؛ ولذلك التأم مؤتمر «سيدر» في باريس بدعوة من فرنسا وجمع ما يزيد على 10 مليارات من المساعدات «قروض وهبات» للبنان، وكل ذلك مجمد بانتظار أن يحسم اللبنانيون أمرهم ويشكلوا حكومة تعمد إلى إجراء الإصلاحات التي وعد بها ممثلو لبنان في المؤتمر. ويعي الفرنسيون بعمق «تعقيدات» المشهد السياسي اللبناني وتأثير ما يجري في محيطه عليه. لكنهم في الوقت عينه يعتبرون أن على اللبنانيين مسؤوليات كبرى ولا يكفيهم رميها على الخارج لـ«تبرئة ذمتهم».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».