مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية

بعد صدور الحكم بإعدامي

الجبالي وعائلته بعد عودته إلى تونس نهاية عام 1988
الجبالي وعائلته بعد عودته إلى تونس نهاية عام 1988
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية

الجبالي وعائلته بعد عودته إلى تونس نهاية عام 1988
الجبالي وعائلته بعد عودته إلى تونس نهاية عام 1988

في هذه الحلقة يعرض رئيس الوزراء التونسي الأسبق حمادي الجبالي الفترة التي اضطر فيها للفرار من تونس تحت ضغط ملاحقة الأجهزة الأمنية. ويقول في هذا السياق {بالنسبة لي كانت هناك مقاربة سياسية ومقاربة أمنية، وهنا أعني أنني عندما غادرت من تونس كنت محكوما بالإعدام، فذهبت إلى إسبانيا حيث طلبت اللجوء. لقد قرّرت الخروج بعدما عرفت أن قوات زين العابدين بن علي الأمنية اقتربت من المكان الذي كنت أختبئ فيه، إذ اعتمدت يومذاك وزارة الداخلية سياسة التضييق ومسح المناطق بشكل تدريجي، وأخذوا يقتربون من الضاحية الشمالية من العاصمة حيث كنت أقيم في منطقة سكرة، وتحديدا في سيدي فرج».
فررت من مكان إقامتي متنكّرا، بهوية أخرى. يومذاك كان سهلا تغيير الجوازات إذ كان لا يحتاج إلا لإبدال الصورة الشخصية بأخرى. بن علي اكتشف الأمر وبحث مع الرئيس الحبيب بورقيبة فيه، ومنذ ذلك الوقت تقرّر الاستعاضة عن الجوازات العادية في تونس بالجوازات الإلكترونية. ويهمّني الإشارة هنا إلى أننا في تلك الفترة لم نكن نتعامل مع أطراف خارجية في هذا الموضوع.
الجهات الأمنية وقتها كانت تتوقع أن نهرب عبر مطار قرطاج الدولي، لكننا خرجنا عن طريق البحر في باخرة {الحبيب}، وسبقني صالح كركر بـ21 ساعة، ثم التحقت به إلى إسبانيا.
ذهبت أولا إلى مدينة مرسيليا الفرنسية، وكان كل همي الخروج من المياه الإقليمية التونسية لأنني كنت أعلم أنه سيكون من الصعوبة بمكان لفرنسا أن تعيدني، فأنا كنت معروفا لدى السلطات الفرنسية، وبالتالي كنت واثقا من أنها لن ترحلني. ثم إننا لم نكن مصنفين لديهم كـ«إرهابيين} بل كنا مجرّد حركة سياسية وكانت لنا لقاءات مع السفراء والإعلام، وسبق أن كانت لي شخصيا لقاءات مع صحف مثل {ليبراسيون} و{لو فيغارو}. وعند وصولي إلى إسبانيا وجدت ترحيبا كبيرا وتقبّلا.. بل ومساعدة لم أكن أتوقعها.
ولدى سؤال الجبالي عن سبب اختياره إسبانيا، بالذات، ملجأ له وليس فرنسا أو بلجيكا أو إيطاليا، أجاب بأنه كان هناك في ذلك الوقت {ما يكفي من الشباب الناشطين في تلك الدول}. وأضاف أن نيته أساسا لم تكن الهروب، بل خدمة الحركة سياسيا وفتح آفاق جديدة لها في إسبانيا.
أمن بن علي مارس أساليب الضغط على عائلتي
وتابع الجبالي قائلا {عندما كنت في حالة التحضير للفرار من تونس إلى إسبانيا عشت مع عائلتي مرحلة في غاية الصعوبة. لقد اقتحموا بيت والدتي، وكانت زوجتي وحيدة في حينه وحاملا في الشهر الثامن. حصل ذلك في شهر سبتمبر (أيلول) 1987، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 ولدت ابنتي سندس».
وعندما صدر علي الحكم بالإعدام كنت أسكن مع زوجتي في فيلا بجانب مدرسة الشرطة بمنطقة صالامبو في ضواحي العاصمة، وكان بيتنا قريبا من بيت وزير الدفاع.
يومذاك جاءت صديقة لزوجتي لمساعدتها، خصوصا أنها حامل، وكان معها زوجها، وكنا ننزل إلى الشاطئ للنزهة ونجلس في المقاهي مع أن حملة التفتيش علي كانت في أوجها.
كنت وقتها أتنقل بين مكانين. فيلا في منطقة سكرة وأخرى في منطقة صالامبو، وعلمت أن زوجتي عندما علمت بصدور حكم الإعدام علي أغمي عليها ولم أكن وقتها معها، لكنني عندما عزمت على التوجه إلى إسبانيا تحدثت إليها وطلبت منها أن تعود إلى مدينتنا سوسة. والحقيقة أن الجهات الأمنية لم تعلم بعودة وحيدة إلى سوسة إلا بعد الانقلاب (وصول بن علي إلى الحكم)، وكانت وقتها على وشك أن تضع ابنتنا الصغرى في مصحة الزياتين بسوسة. ولقد حاول أعوان الأمن اقتحام غرفتها لأخذ أقوالها، لكن الطبيب استنكر ذلك بشدة، ورفض دخولهم وكان صديقا شخصيا لحامد القروي (رئيس الوزراء آنذاك) فاتصل به، وبالفعل تحدث معهم القروي وطلب منهم التراجع.
في الوقت نفسه قبضوا على لطفي، أخو زوجتي، وأوقف لمدة شهرين، وهو الذي لم يكن له أي علاقة بالسياسة. وحقا تأثر كثيرا وخرج بمعنويات سيئة جدا، لأن القبض عليه جرى لمساومتي شخصيا حتى أظهر، ويجري اعتقالي.
عندما علمت بالأمر اتصلت بوزارة الداخلية من إسبانيا وأعلمتهم أنه لا مبرّر لإبقاء صهري قيد الاعتقال لأنني أساسا خارج البلاد، كما أذكر أني قلت لهم {من العيب عليكم أن تمسكوا رهينة}، فأجابني الطرف المسؤول في الوزارة بأنني هارب من عدالة بلادي ومن الأفضل أن أعود وأسلم نفسي، وعندها رددت عليه بما معناه دعك من هذه اللغة، وأوضحت له أنني إنما اتصلت فقط ليكفوا عن إزعاج عائلتي ويتأكّدوا أنني خارج البلاد.
هذا التطور أدى إلى نشري مقالة في صحيفة {لو موند} الفرنسية، أثرت فيها المسألة، وبعد الكشف عن قضيته (لطفي) في فرنسا انتقلت إلى إسبانيا. وهناك رحّب الإسبان بي بحرارة سواء من طرف وزارة الخارجية أو الداخلية، واستقبلتني الكثير من المنظمات، خصوصا الدولية منها، وكان ممثلوها يؤكدون لي في مختلف المناسبات بأنني طرف مرحّب به، ويذكرون عراقة العلاقات بيننا، وفي الحقيقة عدّوني إضافة للبلاد ولست مشكلة، ورأوا أنني - على العكس - سأخدم الحياة السياسية.
هنا أشير إلى أن صورة حركة {النهضة} في إسبانيا كانت صورة حركة سياسية منظمة. وكانت إسبانيا يومذاك تلاحظ أن فرنسا هي الدولة الأوروبية التي يقصدها المعارضون دون غيرها، في حين أنها كانت راغبة في استقطاب الحركات المعارضة واحتضانها بدورها.
في إسبانيا أسكنوني في فندق، ولم يضعوا علي أي حراسة، بل منحوني حرية الحركة في انتظار حصولي على منحة مادية للعيش، وكذلك حق اللجوء السياسي.
ولم تكن الخدمات التي تقدم في إسبانيا لي فقط، بل لعدد كبير من المعارضين السياسيين، وكان الذين يتواصلون معنا من المتطوّعين، خصوصا من منظمة العفو الدولية والصليب الأحمر. وهنا أذكر منهم، على وجه الخصوص، طبيبا إسبانيا عرّفني عليه نائب رئيس تحرير {إل باييس}، وهي الصحيفة الأوسع انتشارا في إسبانيا، وعرّفني أيضا على مدير الصحيفة وعرضا علي فكرة كتابة عمود في الصحيفة. وفعلا بدأت كتابة مقالات، وكان يُنظر إلي على أنني مناضل. ولكن في أحد الأيام جاءني مدير التحرير غاضبا ومستاءً من عبارة وردت في إحدى خطب آية الله الخميني وقتها، ووردت فيها أن الأندلس {أرض عربية} يجب استرجاعها. وكان رد الفعل في إسبانيا سيئا. لقد جاء ليعرف رأيي في الموضوع وأنا أعربت له عن استيائي، لكنني كنت أعلم أنه ربما كان يرى من الأفضل لو أنني كتبت استنكاري لكلام الخميني. والواقع أن الإسبان كانوا متفهّمين أن {النهضة} التونسية مختلفة عن الحركات الإسلامية الأخرى في بقية العالم العربي والإسلامي، وأن قضيتنا الأساسية هي قضية حريّات.
انتقلت بعد ذلك إلى جنوب إسبانيا للإقامة في مدينة بلنسية (فالنسيا). وقتها اتصل بي الأستاذ حسن الغضبان الذي كان قريبا من الحركة في السبعينات، وأخبرني أن الوزير الأول الهادي البكوش يريد التحدث إلى عبر الهاتف، وفعلا اتصل بي بعدها بوم وعرض علي العودة إلى تونس وطي صفحة الماضي.. فقلت له أنت تعلم أني محكوم بالإعدام والوضع لم يتغير، فليس هناك إلا الكلام والوعود، فما هي الضمانات لي ولغيري؟ قال إنهم مستعدون أن يعطوني كل الضمانات.
قرار العودة إلى تونس
يومذاك أفرج عن الغنوشي وعمل النظام على إعادة كل قيادات الحركة الناشطين في أوروبا، وفي الخارج عموما إلى البلاد. وكان عبد الفتاح مورو في سويسرا واستشارني قبل أن يعود. ومن جهتي، اتصلت بالشيخ راشد (الغنوشي) الذي شجعني حقا على العودة، بل رأيت أنه يشجع الجميع على العودة للتجمع في الداخل، لكنني عندما تشاورت مع جهات خارجية نبهتني إلى أن ما يحصل قد يكون فخّا ينصبه النظام.
أردت كذلك أن أتشاور مع الحكومة الإسبانية. وقابلتني إحدى المسؤولات وسألتني إذا كان وراء قرار عودتي أي تقصير منهم، أو هناك أسباب مادية أو أي نوع من الانزعاج؟ فأجبتها بأن كل الأمور على ما يُرام لكنني أرغب في العودة إلى بلادي لأنه مكاني الطبيعي مهما كلفني الأمر.
عندها سألتني: هل تثقون في الجنرال (بن علي)؟ فأجبت: بصراحة، لا، ونحتاج على الأقل إلى سنة لنرى نياته. فردت بجدية «بصراحة أنا لو كنت مكانك لما غامرت.. لكننا لا نستطيع إجبارك على البقاء هنا. ملف لجوئك السياسي (إلى إسبانيا) سيبقى مفتوحا، عند كل معبر إسباني، برا وبحرا وجوا، وإذا وجدت أي مضايقات في بلادك وقررت العودة».
هذه المسؤولة كانت حينذاك مُكلّفة الملف السياسي للاجئين في إسبانيا، وأعتقد أنها كانت المسؤولة عن العالم العربي في وزارة الخارجية.
أيضا جاءني في الفترة نفسها عرض بالذهاب إلى تركيا، لكن تشجيع الشيخ راشد لي بالرجوع، وأملنا في بداية العمل والبناء حالا دون قبولي العرض، مع أنه لم يغِب عنا الاحتراز.
وعلى الرغم من نصائح الكثير من الأصدقاء بضرورة بقاء أحد القيادات في الخارج لضمان تواصل العمل في الداخل والخارج، لكنني بعد استخارة واستشارة، قررت أن أخوض المغامرة وأن أعود إلى بلادي رغم حكم الإعدام المسلط علي، لأني أعد الوطن هو موقع النضال الأصلي وأن اللجوء والهجرة استثناء.
اتصل بي الوزير الأول (رئيس الحكومة) الهادي البكوش وقتها، بعدها بيوم وكأنه على عجلة من أمره مستفسرا عن ردي النهائي، فقلت له بأنني قررت العودة لكني أريد جواز سفر لزوجتي وبناتي في الداخل ليتمكن من الالتحاق بي في العطلة الصيفية، ثم سأعود بعدها.
سألني البكوش: هل هذا امتحان؟، أجبته: افهم الأمر كما شئت فإعادة الثقة تحتاج إلى وقت ودليل.
وفعلا تسلمت أنا من السفارة التونسية في مدريد جواز سفري، وعائلتي تسلمت جوازاتها في تونس خلال 24 ساعة وهو وقت قياسي لم نتعوده في مثل هذه المعاملات.
وكما كان مبرمجا عدت وعائلتي إلى تونس أواخر صيف 1988.
في مطار تونس قرطاج مرت الأمور بشكل عادي، وقد توقعت أن تحجز سلطات المطار جوازي لكنهم لم يفعلوا.. وكان عدد كبير من أبناء الحركة ومن عائلتي في انتظاري، وكذلك وجوه مريبة من البوليس السياسي خلتها انقرضت!
غادرت المطار في اتجاه المرسى (الضاحية الشمالية للعاصمة)، حيث يسكن أخي صلاح، لأخذ قسط من الراحة في انتظار الالتحاق بسوسة مقر إقامتي.
في طريق العودة من المطار نبهني أخي بأن سيارة {غريبة} تتبعنا منذ مغادرتنا المطار، التفت فإذا بذكريات الماضي البعيد والقريب تعاودني.. إنها المتابعة البوليسية التي كانت تضيق علي أنفاس حريتي..وفي لحظة كانت بين التأمل والندم.. استفقت على حقيقة ثابتة أن لا أمل في انقلابي (بن علي).. ثم رنت في أذني كلمات المسؤولة الإسبانية وهي تقنعني بالبقاء عندهم، ربما لخوف علي أكثر من نفسي، أو لخبرة طويلة مع الديكتاتورية والفاشية الإسبانية قبل انتصار الديمقراطية.
ومع وصولي لمنزل أخي، احتلت السيارة التي كانت تلاحقنا موقعا ملاصقا للبيت للمراقبة، توجهت نحوهم وسألتهم: تفضلوا لماذا تتبعونني؟ أجابوا: من أجل حمايتك سي حمادي. قلت لهم: ممن، من نفسي أم منكم؟ صمتوا ثم نطق زعيمهم: إنها تعليمات.
بعد ساعات عدت إلى بيتي في سوسة، ومعي تلك السيارة التي تتبعني، هي نفس السيارة التي لم تغادرني ليل نهار إلى أن زج بي بن علي في الركن الأخير من الفخ.. إلى السجن في رحلة دامت 16 سنة.
الهدنة بين بن علي وقيادة الاتجاه الإسلامي ما بين 1987 و1989
> كشفت تصريحات الهادي البكّوش، الصديق القديم لزين العابدين بن علي ورئيس أول حكومة بعد الإطاحة بالرئيس الحبيب بورقيبة يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987، أن بن علي كان يعتزم تنفيذ {خطة الإطاحة ببورقيبة} فجر يوم الأحد 8 نوفمبر، لكنه استبقها بيوم واحد بعدما اكتشف أن عسكريين وأمنيين من {الجناح السري} لقيادة {حركة الاتجاه الإسلامي} كانوا يُعدّون لانقلاب ضد بورقيبة في اليوم نفسه. وأن مخطّطهم كان يتضمن محاكمة بورقيبة وغالبية كبار المسؤولين في الحكومة، وبينهم بن علي، ثم إعدامهم بعد الإفراج عن آلاف السجناء المعارضين، وغالبيتهم من الإسلاميين، ثم إصدار عفو عام يعود بموجبه رفاقهم من المنافي.
هذه الرواية، أكدتها تصريحات رشيد صفر، رئيس الحكومة عامي 1986 و1987 وعدد آخر من وزراء بورقيبة. كذلك دعمتها تصريحات قياديين بارزين من التيار الإسلامي بينهم الدكتور المنصف بن سالم، وزير التعليم العالي في حكومة حزب النهضة ما بين ديسمبر (كانون الأول) 2011 ويناير (كانون الثاني) 2014. وكان بن سالم من أبرز القياديين الذين اعتقلهم بن علي بعد الإطاحة ببورقيبة ضمن ما سمي بـ{المجموعة الأمنية} التي كلّفت بالانقلاب على بورقيبة، في خطوة فسّرتها عناصر هذه المجموعة (أو {الجناح العسكري}) بالرد على {القمع الشرس} الذي تعرّض له آلاف من نشطاء حزب حركة الاتجاه الإسلامي المحظور، وعلى الأحكام القاسية التي صدرت ضدهم وبينها أحكام بالإعدام والسجن المؤبد.
وتكشف وثائق استنطاق قيادة {المجموعة الأمنية} أن مخططها كان بالتنسيق مع القيادة السياسية المعتقلة بزعامة راشد الغنوشي، ورئاسة الحركة التي فرّت إلى أوروبا بقيادة صالح كركر. وكان من بين فصول هذه المحاولة الانقلابية تنظيم {مظاهرات شعبية شاملة} للترحيب بنجاح {الثورة على بورقيبة}، مع التعهد بتنظيم انتخابات ديمقراطية، وتشكيل {قيادة جديدة لإنقاذ البلاد} يرأسها رئيس جمهورية مدني هو الوزير السابق أحمد المستيري، زعيم المعارضة العلمانية.
بيد أن نجاح خطة بن علي قبل يوم واحد من موعد تحرك {المجموعة الأمنية} الإسلامية دفع قيادات الحركة في المَهجر إلى إصدار قرار بوقف تنفيذها ودعم النظام الجديد. وعلى الرغم من مواصلة بن علي توقيف عدد من الإسلاميين الفارين، فإنه أصدر يوم إطاحته ببورقيبة قرارا بإلغاء جلسة محكمة أمن الدولة، التي كانت قررها بورقيبة ليوم 9 نوفمبر 1987 بهدف تشديد الأحكام ضد الغنوشي ورفاقه في اتجاه الإعدام.
كان بن علي والمقرّبون منه، وبينهم رفيقه العسكري رئيس مؤسسة الحرس الوطني الجنرال الحبيب عمّار، قد فسّروا توقيت الإطاحة ببورقيبة - الذي أنهكه المرض والشيخوخة - ببروز خلاف بينه وبين رئيس حكومته ووزير داخليته القوي بن علي بسبب إصرار بورقيبة على إعدام قياديين بارزين من {الاتجاه الإسلامي}، بينهم الغنوشي وعلي العريّض (الذي ترأس الحكومة في بعد الجبالي) ومسؤولو {أعمال العنف} ضد مؤسسات الدولة والحزب الحاكم.
لكن بن علي الذي وظّف على امتداد سنوات الصراع الدائر بين بورقيبة وقيادات الإسلاميين للارتقاء في المسؤوليات - من مجرّد مدير عام للأمن إلى وزير قوي للداخلية ثم رئيس للحكومة - ما كان يريد أن يفقد القدرة على التحكم بذلك الصراع عبر تنفيذ أحكام الإعدام التي كان يمكن أن تتسبّب في انفلات الأمور من يديه، وهو يخوض معارك أخرى مع بعض {الصقور في الدولة} من أجل وراثة بورقيبة في قصر قرطاج الرئاسي.
في تلك الحقبة استفحلت الصراعات على خلافة بورقيبة بين جناح يتحلّق حول بن علي، وأجنحة أخرى في القصر بزعامة ساسة من مدينة المنستير السياحية الساحلية - مسقط رأس بورقيبة - مثل ابنة أخت الرئيس سعيدة ساسي والوزراء محمد الصيّاح ومنصور السخيري والهادي مبروك.
وبمجرد استقرار الأوضاع لمصلحة بن علي دخل في مفاوضات مع الغنوشي في سجنه ثم أفرج عنه، وتابع معه مفاوضات غير مباشرة أسفرت عن خطة لإعادة القيادات الموجودة في المنفى بزعامة مورو والجبالي ومحمد الهاشمي الحامدي، ومن ثم الإفراج عبر مراحل عن آلاف السجناء، وبينهم قادة {المجموعة الأمنية} من مدنيين وعسكريين. كذلك بادر إلى إشراكهم في المحادثات السياسية الرسمية وشبه الرسمية، واستقبل الغنوشي في قصر قرطاج في نوفمبر 1988 بمناسبة الذكرى الأولى لتسلّمه الحكم.
أيضا شاركت الحركة في التوقيع على الميثاق الوطني بزعامة القيادي البارز فيها المحامي نور الدين البحيري (وزير العدل في حكومة ما بعد الثور). كما مُكِّنت من تقديم مطلب حزب قانوني جديد بعد تغيير اسمها إلى {حركة النهضة} في فبراير (شباط) 1989. ثم من المشاركة في ظروف عادية - عبر {قوائم مستقلة} في الانتخابات البرلمانية العامة التي نظمت في الثاني من أبريل (نيسان) 1989 بالتزامن مع انتخابات رئاسية.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

 

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (4): بن علي كان يدعي أنه من أنقذنا من الإعدام



تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended