نهم الحوثيين لتكديس العملة الصعبة وتهريبها يسحق الريال اليمني

هادي اجتمع مع التجار ومحافظ البنك ووجه بتشكيل مجلس اقتصادي

يمنيان يحملان مساعدات غذائية قدمها برنامج الغذاء العالمي في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيان يحملان مساعدات غذائية قدمها برنامج الغذاء العالمي في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

نهم الحوثيين لتكديس العملة الصعبة وتهريبها يسحق الريال اليمني

يمنيان يحملان مساعدات غذائية قدمها برنامج الغذاء العالمي في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيان يحملان مساعدات غذائية قدمها برنامج الغذاء العالمي في صنعاء (إ.ب.أ)

واصلت العملة اليمنية (الريال) أمس تهاويها غير المسبوق أمام العملات الأجنبية في صنعاء وعدن وبقية المحافظات اليمنية، وسط مخاوف الاقتصاديين من انعكاس ذلك على معيشة السكان بسبب الارتفاع الموازي في أسعار السلع الغذائية والوقود، في ظل تدني الدخل اليومي وتوقف رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.
وفيما بلغ سعر صرف الدولار الواحد أمس في صنعاء وعدن ومأرب، ما بين 520 و525 ريالا، ألقى مصرفيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» اللائمة على تصرفات الميليشيات الحوثية، مؤكدين قيام الجماعة بعمليات مضاربة وشراء للعملات الأجنبية ما أدى إلى شح المعروض النقدي من العملات الصعبة.
في شوارع صنعاء الرئيسية وأحيائها الخلفية، تفشت في العامين الأخيرين مئات المحلات الخاصة باستبدال العملات وتحويلها بشكل متسارع وغير مفهوم، ومن دون الحصول على أي تصاريح قانونية لمزاولة مهنة الصرافة أو دفع مبالغ التأمين لدى البنك المركزي اليمني.
أغلب هذه المحلات الحديثة التي تنامت تحت سمع وبصر الجماعة الحوثية تعود ملكيتها - بحسب مصادر مصرفية - لقيادات في الجماعة أو لعناصر تحظى بحماية منها، وهو ما منح الجماعة الفرصة للهيمنة على سوق بيع وشراء العملات والمضاربة بها، لإرباك خطوات الحكومة الشرعية والتحالف الداعم لها من جهة ولتخزين احتياطيات الجماعة بالعملة الصعبة، وشحنها إلى مخابئ سرية في صعدة وعمران.
في مطلع السنة الحالية كان سعر الريال اليمني شهد تهاويا مماثلا كاسرا حاجز الـ500 ريال أمام الدولار الواحد، غير أن الأمر الملكي السامي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بمنح البنك المركزي اليمني في عدن وديعة سعودية جديدة بمبلغ ملياري دولار، أدى إلى كبح جماح التهاوي السريع للعملة اليمنية، وأعادها للاستقرار النسبي، طيلة ستة أشهر.
يقول «محمد. ث» وهو خبير مصرفي في صنعاء: لا يوجد مبرر حقيقي لهذا التهاوي المتسارع في قيمة الريال اليمني، وبخاصة بعد الوديعة السعودية والإجراءات الأخيرة للبنك المركزي التي قرر خلالها العودة إلى دعم استيراد السلع الأساسية وتوفير العملة الصعبة للمستوردين بأسعار أقل من سعر السوق.
من جهته، يقول «إبراهيم. أ» وهو موظف قديم في شركة «صرافة عريقة»: «السبب في اعتقادي هو الميليشيات الحوثية ومضاربتها بالعملة بناء على توجيه من قيادة الجماعة لجني المزيد من المكاسب، وفي الوقت ذاته لإعاقة عمل الحكومة الشرعية والتسبب في ارتفاع أسعار السلع وإلقاء اللائمة عليها بصفتها المسؤولة عن استقرار السوق وإدارة العملية المصرفية بعد أن أصبح المقر الرئيسي للبنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن».
زميل إبراهيم، في الشركة نفسها ويدعى «نبيل»، أكد خلال استطلاع «الشرق الأوسط» لرأيه عن سبب الانهيار المتسارع في سعر الريال اليمني، أن الميليشيات الحوثية، بدأت منذ أسبوعين عملية شراء واسعة للعملة الصعبة من السوق، مستغلة عملية سطوها على مئات الملايين من الريالات من فئتي (500 - 1000) المطبوعة من قبل البنك المركزي في عدن، ومصادرتها من البنوك وشركات الصرافة بدعوى أنها نقود غير معترف بها، لجهة أن مصدرها هو الحكومة الشرعية.
ويرجح مصرفيون آخرون استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم، أن الجماعة الحوثية، بدأت تعد العدة لما بعد سقوطها المرتقب سواء بالحسم العسكري أو الانصياع السياسي، من خلال تحويل مدخرات قادتها وعناصرها والموالين لها من التجار إلى العملات الصعبة، لجهة تهريبها إلى الخارج ولجهة سهولة إخفائها بعكس العملة المحلية التي تحتاج إلى حيز أكبر.
إلى ذلك، يعتقد بعض العاملين في السوق المصرفية اليمنية، أن موسم الحج له دوره في تصاعد الطلب على العملات الأجنبية وبخاصة الريال السعودي، إذ يحتاج نحو 25 ألف حاج إلى تحويل نفقاتهم من الريال اليمني إلى الريال السعودي، فضلا عن تصاعد الطلب عند التجار لجهة استيراد مستلزمات العيد، إلى جانب وجود نسبة إقبال كبيرة على السفر للخارج بغرض السياحة العلاجية أو الهروب من قبضة الميليشيات الحوثية.
وفي هذا السياق، يؤكد مراقبون اقتصاديون في صنعاء، أن الشعور بالخوف وعدم الأمان في ظل حكم الميليشيات دفع بالكثير من السكان والناشطين ورجال الأعمال والسياسيين السابقين إلى نقل أعمالهم وأموالهم بالتدريج إلى خارج اليمن، وبخاصة بعد تصاعد عمليات النهب الحوثية للمصارف وشركات الصرافة وزيادة ما تفرضه الميليشيات من إتاوات ومن رسوم متنوعة على الأعمال والتجارة.
وإلى جانب عدم وجود سياسة نقدية واضحة لدى البنك المركزي اليمني في عدن، وعدم وجود أي قيود على عمليات الاستيراد للسلع الاستهلاكية غير الضرورية، فضلا عن تراجع نسبة تحويلات المغتربين اليمنيين وعدم التسريع بعمليات استئناف تصدير الغاز والنفط من حقول مأرب، يرجح المراقبون أن عملية تهاوي الريال اليمني ستستمر في ظل الإقبال الواسع على شراء العملات الصعبة.
وتسود المخاوف لدى المراقبين من تأثر معيشة السكان بسبب هذا التدهور في سعر الريال، وبخاصة بعد أن انخفضت قيمته خلال الأسابيع الأخيرة إلى نحو 10 في المائة، وهو ما رافقه صعود مباشر في أسعار السلع الغذائية والوقود والأدوية، حيث ارتفعت أسعار البيض والدجاج - على سبيل المثال - إلى الضعف تقريبا، في حين بدأ أصحاب المخابز في تصغير حجم الرغيف بدعوى ارتفاع سعر القمح.
وفي مسعى كما يبدو من قبل الشرعية في عدن لوضع إجراءات تحد من هذا الانهيار في سعر العملة، وجه الرئيس عبد ربه منصور هادي أمس بتشكيل مجلس اقتصادي من الحكومة ويضم ممثلين عن الغرف التجارية والصناعية، وأمر المجلس بعقد اجتماعات مع الحكومة بصورة منتظمة.
وأكد هادي خلال استقباله أمس في عدن رئيس وأعضاء الغرفة التجارية والصناعية أهمية دور رجال الأعمال في بناء أركان منظومة الدولة عبر نشاطهم التجاري والاقتصادي المرتبط بحياة المواطن، وقال: «إن تحقيق الاستقرار مسؤولية وطنية ومجتمعة يتشارك الجميع في استتبابها وإرساء مداميكها من خلال التحلي بالقيم وأساسيات العمل التي تكفل حقوق التاجر ولا تضيف أعباء غير مبررة ومبالغة على المواطن المستهلك».
واستعرض هادي التجريف المتواصل من قبل الميليشيات الحوثية للاقتصاد في بلاده، مشيرا إلى أنها «استباحت مقدرات الدولة ومواردها واستنزفت احتياطات البنك المركزي لمصلحة مجهودها الحربي وخدمة مشروعها الدخيل». قبل أن يتم نقل البنك إلى عدن، وما تلا ذلك من تحقيق استقرار نسبي وصرف لرواتب موظفي الدولة، بدعم سعودي، ووديعة مقدارها مليارا دولار لدعم استقرار سعر العملة.
وذكرت وكالة «سبأ» أن هادي «طالب الجميع بتحمل مسؤولياتهم في هذه الظروف والمرحلة الحاسمة التي يمر بها البلد، وتنظيم التعاون والتكامل مع البنك المركزي ووزارة الصناعة والتجارة والأجهزة ذات العلاقة لحفظ استقرار العملة وتحقيق استقرار الأسعار التي تطال تبعاتها المواطن البسيط بصورة أساسية، لافتا إلى خطوات هامة تعمل الدولة على تحقيقها لتعزيز الموارد وتنميتها وتفعيل أجهزة الرقابة لتجفيف منابع التهريب والفساد.
من جانبه، قدم محافظ البنك المركزي محمد زمام، إحاطة عن وضع البنك واحتياطاته المالية وجهود العمل والتنسيق مع الغرف التجارية ورجال الأعمال لتوفير الاحتياجات واستقرار السوق ومتابعة محلات الصرافة المرخصة ومراقبة غير المرخص منها لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقها.
ويأمل المراقبون الاقتصاديون والعاملون في القطاع المصرفي اليمني أن تتوصل الجهود الحكومية إلى نتيجة ملموسة وعاجلة لوقف التدهور المتواصل في سعر العملة الوطنية، بالاستفادة من الوديعة السعودية.
كما يأملون أن تتخذ إجراءات ملموسة لوقف عمليات المضاربة الحوثية بسعر العملة وللحد من عمليات تهريبها إلى الخارج، إضافة إلى وضع لائحة سوداء بشركات الصرافة والبنوك المحلية التي تسهل للجماعة الحوثية أعمالها في استنزاف العملات الصعبة وغسل الأموال.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.