لجان بين دمشق والأكراد ترسم خريطة لـ«سوريا لامركزية»

وفد حلفاء واشنطن يعود إلى شرق نهر الفرات

سد الطبقة على نهر الفرات شمال شرقي سوريا (رويترز)
سد الطبقة على نهر الفرات شمال شرقي سوريا (رويترز)
TT

لجان بين دمشق والأكراد ترسم خريطة لـ«سوريا لامركزية»

سد الطبقة على نهر الفرات شمال شرقي سوريا (رويترز)
سد الطبقة على نهر الفرات شمال شرقي سوريا (رويترز)

أسفرت الجولة الاستطلاعية لوفد «مجلس سوريا الديمقراطية»، الذراع السياسية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن إلى دمشق عن تشكيل لجان بين الطرفين لتطوير المفاوضات بهدف وضع خريطة طريق تقود إلى «دولة ديمقراطية لامركزية» فرض سيطرتها على جميع المناطق بما فيها شرق نهر الفرات، حيث تقيم قوات التحالف الدولي ضد «داعش»، بقيادة أميركا.
وقال الرئيس المشترك لـ«مجلس سوريا الديمقراطية» رياض درار لـ«الشرق الأوسط» أمس: «نعمل على أننا مستقرون في أرض حررنا ونريد أن نعيدها إلى الدولة السورية». وأضاف: «الدولة ليست النظام. نحن نريد الدولة التي نسعى إليها ما بعد التسوية السياسية»، في وقت أكد صالح مسلم الرئيس السابق لـ«الاتحاد الديمقراطي الكردي» الذراع السياسية لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية الفريق الأساسي في «قوات سوريا الديمقراطية»، أن الزيارة إلى دمشق، لم تتجاوز كونها «جسن نبض أسفرت عن تشكيل لجان لحل القضايا الخلافية».
وتُعتبر هذه المحادثات الأولى الرسمية العلنية بين «مجلس سوريا الديمقراطية» ودمشق لبحث مستقبل مناطق الإدارات الذاتية شمال شرقي سوريا، بعدما استعادت قوات النظام مناطق واسعة من البلاد خسرتها منذ 2011 وباتت تسيطر حالياً على نحو 60 في المائة من الأراضي السورية البالغة 185 ألف كيلومتر مربع.
وتسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعد «وحدات حماية الشعب» الكردية عمودها الفقري على نحو ثلاثين في المائة من مساحة البلاد تتركز شمال شرقي البلاد وتضم 90 في المائة من نفط البلاد ونصف الغاز وأهم المحاصيل الزراعية والسدود، لتكون بذلك ثاني قوة مسيطرة على الأرض بعد الجيش السوري.
وجاءت زيارة وفد «مجلس سوريا الديمقراطية» التي بدأت الخميس، إلى دمشق بدعوة من الحكومة السورية، بحسب بيان لـ«المجلس». وأضاف أن الهدف هو «وضع الأسس التي تمهد لحوارات أوسع وأشمل لحل كل المشكلات العالقة، حيث جرى اتخاذ قرارات بتشكيل لجان على مختلف المستويات لتطوير الحوار والمفاوضات وصولا إلى وضع نهاية للعنف والحرب التي أنهكت الشعب والمجتمع السوري من جهة، ورسم خارطة طريق تقود إلى سوريا ديمقراطية لامركزية».
ولم يوضح البيان عدد اللجان أو موعد تشكيلها أو مضمونها، كما لم يحدد مواعيد أي محادثات مقبلة. لكن مصادر أفادت أن اللجان ستشمل قضايا عسكرية وأمنية واقتصادية وخدمية وقانونية «بحيث يحدد لكل لجنة دورها وأعضائها وآلية عملها وصولا إلى تفاهمات».
وجاء الاتفاق على تشكيل اللجان كحل وسط بين موقفي الطرفين، ذلك أن دمشق «تريد البدء بتسليم المعابر الحدودية مع تركيا والعراق وإرسال الأمن إلى مناطق شرق نهر الفرات»، فيما ركز وفد «المجلس» على أولوية «استعادة الخدمات وتوفير الكهرباء والتعليم والسجل المدني قبل الانتقال إلى القضايا الأكبر المتعلقة بالسيطرة على الحدود وانتشار الأمن». وقال قيادي في «المجلس»: «لدينا قوات شرطة محلية قادرة على حماية موظفي الحكومة لإصلاح المؤسسات الخدمية والعمل فيها».
من جهته، قال درار إن تشكيل اللجان «يوفر القاعدة التفاوضية للمستقبل وصولا إلى دولة ديمقراطية لامركزية»، لافتا إلى أن مؤسسات «المجلس» لديها الكثير من المهمات في الفترة المقبلة، وهي تعمل على عقد مؤتمر حوار سوري - سوري في عين عيسى في ريف الرقة أو الطبقة لاستكمال الحوارات بين الأطياف السورية، بعد مؤتمر «مجلس سوريا الديمقراطي» الذي عقد في الطبقة قبل أسابيع وضم نحو 300 شخص.
وقال سيهانوك ديبو، مستشار الرئاسة المشتركة لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» لوكالة الصحافة الفرنسية أن «وظيفية اللجان وضع خريطة طريق لتكون سوريا لامركزية. عملية التفاوض ستكون طويلة وشاقة، لأن السلطة في دمشق وبنيتها مركبة على أساس شديد المركزية».
ولم يصدر حتى الآن أي تصريح رسمي من دمشق. وتصر دمشق على استرداد مناطق البلاد كافة بما فيها مناطق الأكراد، لكن وزير الخارجية السورية وليد المعلم أعرب العام الماضي عن استعداد دمشق للحوار مع الأكراد حول إقامة «إدارة ذاتية»، فيما لوح الرئيس بشار الأسد في مايو (أيار) بعمل عسكري ما لم تنجح المفاوضات.
وطوال سنوات النزاع، بقيت المواجهات العسكرية بين قوات النظام والمقاتلين الأكراد محدودة وحصلت تفاهمات في مناطق عدة لمنع حصول صدام.
وبعد عقود من التهميش، تصاعد نفوذ الأكراد في سوريا مع انسحاب قوات النظام تدريجياً من مناطقها في عام 2012، ليعلنوا لاحقاً الإدارة الذاتية ثم النظام الفيدرالي قبل نحو عامين في منطقة «روج أفا» (غرب كردستان). وتضم هذه المنطقة الجزيرة (محافظة الحسكة)، والفرات (شمال وسط، تشمل أجزاء من محافظة حلب وأخرى من محافظة الرقة)، وعفرين (شمال غرب) التي باتت منذ أشهر تحت سيطرة قوات تركية وفصائل سورية موالية. وأوضح درار أمس: «جرى في الفترة الأخيرة التراجع عن موضوع الفيدرالية والتركيز على اللامركزية لأسباب تفاوضية، وإن كانت مؤسسات الفيدرالية لا تزال موجودة شمال شرقي سوريا».
وتأخذ دمشق على المقاتلين الأكراد تحالفهم مع واشنطن، التي قدمت لهم عبر التحالف الدولي غطاء جوياً لعملياتهم العسكرية ضد «داعش» ودعمتهم بالتدريب والسلاح والمستشارين على الأرض مع وجود عدد من القواعد العسكرية الثابتة.
وإذ قال العضو الكردي في مجلس الشعب (البرلمان) السوري عمر أوسي لوكالة الصحافة الفرنسية الجمعة من دمشق أن المفاوضات ترمي إلى «تسهيل دخول الجيش السوري إلى المناطق ذات الغالبية الكردية وإعادة مؤسسات الدولة إليها في مقابل اعتراف الدستور المقبل بالمكون الكردي... ومنحه حقوقه الثقافية»، أوضح درار: «نعمل على أننا مستقرون في أرض حررنا ونريد أن نعيدها إلى الدولة. الدولة ليست النظام. نحن نريد الدولة التي نسعى إليها ما بعد التسوية السياسية».
وفي مقابل تخلي أكراد الشمال عن «الأجندات الخارجية والحكم الذاتي» وفق أوسي، فإن «الحل الأمثل سيكون بتطوير قانون الإدارة المحلية» رقم 107 الصادر في عام 2012 من أجل تفعيل الإدارات المحلية في إطار اللامركزية الإدارية.
وإذا كانت واشنطن دعمت الأكراد في كل معاركهم ضد تنظيم داعش، امتنعت عن دعمهم في مواجهتهم مع القوات التركية في عفرين ضمن عملية «غصن الزيتون» التي سهلتها موسكو. وتصنف أنقرة «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي وذراعه العسكرية «وحدات الحماية» على أنهما «إرهابيان».
وبعد تهديد أنقرة مراراً بشن هجوم ضد المقاتلين الأكراد في مدينة منبج (شمال)، انسحب المقاتلون الأكراد من المدينة بناء على اتفاق أميركي - تركي. وكشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن وفد «مجلس سوريا الديمقراطي» كان برئاسة إلهام أحمد رئيسة الهيئة التنفيذية وضم خمسة أشخاص بينهم إبراهيم القفطان رئيس «حزب سوريا المستقبل» وهو من السياسيين الصاعدين في منبج. وأوضحت المصادر: «أي اتفاق سيتم مع دمشق سيشمل منبج أيضاً ونريد ضم منبج إلى الدولة السورية الجديدة».



التنمية بدل الودائع ... نهج سعودي جديد لتعافي اليمن

أكثر من 268 مشروعاً ومبادرة تنموية سبق وقدمها «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (الشرق الأوسط)
أكثر من 268 مشروعاً ومبادرة تنموية سبق وقدمها «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (الشرق الأوسط)
TT

التنمية بدل الودائع ... نهج سعودي جديد لتعافي اليمن

أكثر من 268 مشروعاً ومبادرة تنموية سبق وقدمها «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (الشرق الأوسط)
أكثر من 268 مشروعاً ومبادرة تنموية سبق وقدمها «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (الشرق الأوسط)

لقي الدعم التنموي السعودي الجديد للحكومة اليمنية ترحيباً يمنياً واسعاً في مختلف الأوساط، باعتباره ترجمة للمساعي الجادة لتحقيق الاستقرار ووقف التدهور الاقتصادي والخدمي الذي تواجهه البلاد، بعد إنهاء التمرد والتوترات الأمنية والعسكرية، وفي مقابل ذلك الترحيب يأمل الكثيرون أن تشهد المرحلة المقبلة تجاوزاً لتحديات الفساد والتهديدات العسكرية الحوثية.

ويعدّ الدعم السعودي الأخير الذي أعلنت عنه الحكومة اليمنية، الخميس الماضي، تحولاً من تمويل العجز الحكومي بالدعم الطارئ إلى تحفيز الاقتصاد الحقيقي، وانتقالاً من الإنفاق الاستهلاكي إلى الإنفاق التنموي، وإعادة بناء بيئة إنتاج وخدمات في مناطق متوترة أمنياً لتحويلها إلى نواة الاستقرار الذي سيجري ربطه بمخرجات ملموسة في معيشة السكان.

وبالنظر إلى طبيعة الدعم الأخير، يلاحظ أنه يأتي في سياق الرهان على أن تحسين الطرقات وتعزيز واستدامة التيار الكهربائي وتعزيز الخدمات الصحية، أهم من رفع أرصدة البنك المركزي اليمني، والذي برغم تحسن أدائه في الفترة الأخيرة، فإن الدعم المالي الذي تلقاه خلال السنوات الماضية لم يفضِ إلى تحسين الأداء الاقتصادي والخدمي للحكومة بشكل كافٍ.

ويشيد فارس النجار المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، بحزمة الدعم السعودي الأخير بإجمالي 28 مشروعاً ركزت على قطاعات التعليم والنقل والكهرباء والمياه والصحة بوصفها الخدمات التي تلامس حاجة كافة السكان، خصوصاً أن مختلف المؤسسات الحكومية التي تقدم هذه الخدمات تضررت بشدة منذ الانقلاب الحوثي قبل أكثر من عقد.

حزمة المشاريع التنموية المُعلن عنها الأربعاء الماضي (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

ويشير النجار في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحكومة عجزت، بسبب الحرب والأعباء المالية والاقتصادية الناجمة عنها، عن تلبية الاحتياجات المتسارعة للنمو السكاني، مثل تطوير البنية التعليمية لاستيعاب التحاق عشرات الآلاف من الأطفال الجدد بالمدارس سنوياً، في وقت لم تعد المدارس الموجودة كافية لتمكينهم من تلقي التعليم الأساسي.

وينوه إلى أن الدعم السعودي يأتي في لحظة مفصلية، خصوصاً بعد توقف دعم العديد من الدول لليمن، مثل الولايات المتحدة التي أوقفت مساعداتها، ما أدى إلى انخفاض منسوب دعم الأعمال الإنسانية، وهو ما أدى إلى المزيد من تدهور الأوضاع المعيشية والإنسانية، ويمثل هذا الدعم رافعة لمسار التعافي الاقتصادي وتحسين البنية التحتية.

ويتضمن برنامج الدعم المعلن عنه إطلاق حزمة مشاريع تنموية ضخمة بأكثر من نصف مليار دولار في عشر محافظات.

استبشار مجتمعي

ويشمل الدعم السعودي لمدينة عدن تشغيل مستشفى محمد بن سلمان لمدة ثلاث سنوات قادمة لرفع قدرات القطاع الصحي، وإعادة تأهيل مدرج مطار عدن وتزويده بأحدث أنظمة الملاحة والاتصالات لتعزيز حركة النقل الجوي، وإنشاء مدارس نموذجية لتحسين جودة التعليم، وتأهيل الطريق البحري والتقاطعات الرئيسية في المدينة.

قوات حكومية يمنية تستعيد السيطرة على عدن بعد إنهاء تمرد الزُّبيدي (غيتي)

ويستبشر رعد محمد، وهو ناشط اجتماعي، بالتركيز السعودي على جعل العاصمة المؤقتة عدن في صدارة الاهتمام التنموي والدعم الاقتصادي.

ويبين لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الاهتمام يأتي من كون عدن مركزاً لمختلف الخدمات واللوجستيات، وبوابة للتجارة والاستيراد، وتضم مختلف المؤسسات المالية والاقتصادية السيادية مثل البنك المركزي والموانئ إلى جانب كونها مقراً رئيسياً لمختلف الشركات.

ويتفق معه في ذلك علي حزام، وهو تاجر محلي في المدينة، متمنياً أن تؤدي الإجراءات المزمعة إلى خفض كلفة النشاط التجاري، وتحسين كفاءة الاستيراد والتصدير، خصوصاً بعد القرارات الحكومية بوقف الجبايات غير القانونية.

ومن المنتظر، بحسب رأيه، أن يؤدي كل ذلك إلى خلق وظائف جديدة وغير مباشرة في النقل، والخدمات، والمقاولات وتنشيط مختلف القطاعات الخدمية، وتحسين مباشر وسريع في خدمات الكهرباء والماء والنقل والصحة، وهي أهم متطلبات التحسن الاقتصادي لأي مدينة أو بلد.

رهانات النجاح

يرهن الدعم السعودي الأخير الاستقرار، في المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية، عبر التنمية، ويرتبط نجاحها بنجاح الإدارة المحلية، وضبط الأمن، كنقطة تحول في مسار استعادة مؤسسات الدولة.

خبراء الاقتصاد يتوقعون تعافياً وإن كان بطيئاً للعملة اليمنية استجابة للدعم التنموي (أ.ف.ب)

ويستبعد محمد علي، الباحث الاقتصادي والأكاديمي في جامعة تعز، حدوث أثر نقدي سريع للدعم الأخير على سعر الصرف، لأن مثل هذا التأثير يحتاج تحسناً في كفاءة الاقتصاد الوطني نفسه، وهو ما يستلزم بعض الوقت.

ويشير في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تحسين بيئة الاستثمار المحلي وتقليص كلفة الإنتاج والخدمات وتقوية الإيرادات المحلية للحكومة، تبدأ بتوحيد جميع المكونات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وإعادة بنائهما على أسس مهنية بعقيدة وطنية جامعة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة المدنية، وعودة منتسبيها للعمل من الداخل وتفعيل القوانين ومكافحة الفساد عبر القضاء.

ويشدّد على إصلاح الجهازين المالي والمصرفي، وتوريد الموارد إلى البنك المركزي وانتظام الرواتب، باعتبار كل ذلك معايير حاسمة لقياس جدية المرحلة الانتقالية.

ويأمل المراقبون أن تبدأ المرحلة الجديدة بإنهاء تضارب الصلاحيات بين السلطة المحلية والجهات العسكرية والسياسية، وأن تشهد شفافية وجدية في مواجهة الفساد والمحسوبية وكافة المظاهر التي عطلت العملية التنموية خلال السنوات الماضية.

من المنتظر أن تحقق المشاريع التنموية رضا السكان بعد إنهاء التوترات الأمنية (رويترز)

ويحذر الباحث الاقتصادي اليمني عبد القادر المقطري الحكومة اليمنية من إدارة المشاريع بلا سلطة تنفيذية واضحة، منوهاً إلى أن التعثرات السابقة حدثت بفعل الاختلالات الأمنية والفساد والجبايات غير القانونية، وكل ذلك وقفت خلفه سلطات متداخلة بأداء غير واضح، وانتهازية مكونات سياسية سعت للتربح من معاناة السكان.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المهمة المقبلة ستشهد تغيراً جذرياً يتناسب مع حجم المسؤولية، مطالباً بضرورة اعتماد الكفاءة والنزاهة والاستدامة، لأن التنمية لا تزدهر في بيئة مؤقتة أو غارقة في الفساد.

ولفت إلى أن السكان يتوقعون نتائج سريعة، في حين تسير التنمية ببطء، وهو ما يستدعي اتخاذ كافة الاحتياطات لضمان عدم حدوث إحباط في أوساطهم، لأن ذلك هو النافذة التي يتسرب منها الخطر السياسي والاقتصادي.


عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

قرَّر القاضي قاهر مصطفى، النائب العام اليمني، السبت، تكليف لجنة قضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وجميع الجرائم المنسوبة إلى المتهم عيدروس الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

وستُحقِّق اللجنة في أعمال الفساد واستغلال السلطة ونهب الأراضي وتجارة النفط والشركات التجارية من قِبل الزبيدي، التي أسهمت تداعياتها الخطيرة، وفق مراقبين، في خلق حالة من الانقسام السياسي والشعبي في المحافظات الجنوبية اليمنية نتيجة الفساد المالي والإداري والمظالم.

استغلال الصلاحيات

يرى الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عيدروس الزبيدي شخصية ليست صاحبة رصيد سياسي ولا نضالي ولا خبرة إدارية مطلقاً، لكن الصدفة والدور الخارجي دفعا به إلى أعلى المناصب في سلطة يمنية تعيش أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك استغل مناصبه وصلاحياته للاستحواذ على المال العام، وإفساد الوظيفة العامة والتآمر مع طرف خارجي ضد الوطن».

وثيقة الاستحواذ على حوش النقل البري

وأشار البيل إلى فساد كبير مارسه الزبيدي، مستغلاً الصلاحيات الممنوحة له إبان رئاسته لجنة الموارد السيادية، وهي أعلى سلطة تدير المال العام في اليمن، وقال إنه «استحوذ باسم (المجلس الانتقالي) على ميزانيات ضخمة خارج القانون لصالح المجلس وأفراده تُقدّر بـ10 مليارات ريال شهرياً. كما سخّر كثيراً من الموارد لصالحه مثل إيرادات المواني (عدن)، والجمارك، والضرائب، دون توريدها إلى البنك المركزي»، وقام بـ«توظيف هذه الإيرادات في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة».

وأضاف البيل أن عيدروس «فرض رسوماً غير قانونية على التجار والمواطنين، وخلق تعدد نقاط الجباية التابعة لتشكيلات مختلفة محسوبة على (الانتقالي)»، ناقلاً أمثلة لفساده أوردتها تقارير، منها «الاستحواذ على نحو 6 مليارات ريال شهرياً ضرائب على القات لا تُورّد إلى الخزينة العامة، وما يقارب 9 مليارات ريال شهرياً ضرائب على الوقود، وكذلك جبايات على الأسمنت والنقل، والمشاريع السياحية والنقاط الأمنية بموارد ضخمة، وكذلك الاستثمارات الخاصة والشركات وغيرها».

وتمثّل الفساد الإداري والمؤسسي للزبيدي، وفق البيل، في «تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال كوادر موالية له بدلاً من الكفاءات، وكذلك تعطيل مؤسسات خدمية (الكهرباء، والمياه، والقضاء) لصالح إدارته الموازية، وخلق أزمات خدمية لابتزاز الحكومة وإثارة سخط المواطنين، فضلاً عن خلق أجهزة أمنية متعددة بمرجعيات مختلفة لا تتبع الدولة، مما أنتج فوضى إدارية وانعداماً للمساءلة»، وانتهاكه لحقوق الإنسان «عبر إنشائه السجون السرية وما شملته من انتهاكات واتهامات موثّقة بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات خارج القانون بحق معارضين وصحافيين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

احتكار سياسي

من الناحية السياسية فيقول رئيس «مركز المستقبل»، إن الزبيدي «اختزل (القضية الجنوبية) في شخصه وطموحه وحوّلها إلى أداة احتكار سياسي ومكاسب نخب محدودة، ومارس باسمها ابتزازاً للدولة والمجتمع الدولي»، منوهاً إلى تورطه بـ«تهمة العمالة وخيانة الوطن» التي «تكاد تكون الجريمة الأكثر فظاعة في الدستور والقانون»، وهي «جزء من قائمة اتهامات طويلة ارتكبها عيدروس بحق الوطن والدولة والمواطن اليمني».

من جانبه، عدَّ إبراهيم جلال، الباحث والاستشاري في الأمن وتحليل النزاعات والاقتصاد السياسي، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، الفساد الذي مارسه الزبيدي انعكاساً لمنطق الغلبة وأنماط الاستئثار بالثروة والسلطة، بما في ذلك على نحو غير قانوني، وعلى حساب معاناة الناس ومصالحهم المعيشية.

بدوره، رأى عادل شمسان، الباحث الاقتصادي اليمني، أن بدء الإجراءات القضائية من النائب العام بالتحقيق فيما نُسب إلى عيدروس الزبيدي بالفساد والإثراء غير المشروع ومخالفة القانون وقضايا تمسّ سيادة الدولة بمثابة خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة. ونوَّه شمسان بأن «الإسراع في فتح التحقيق يعكس توجيهاً لتعزيز مبدأ المساءلة وسيادة القانون، واحتواء تداعيات القضية قبل اتساعها سياسياً»، لافتاً إلى أنه «سيُسهم في إعادة ضبط المشهد وتخفيف حدة الاستقطاب وإثارة التوتر الذي يسعى له عيدروس وأطراف داعمة من خلال إجراءات شفافة ومستقلة».

ومن الناحية الاقتصادية، يقول الباحث شمسان إن «هذا التحرك السريع يبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق والمانحين حول جدية المؤسسات، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحدّ من المخاطر المرتبطة التي يشوبها عدم اليقين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

أراضٍ وعقارات

وحسب وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، استحوذ الزبيدي على مساحة شاسعة من أراضي المنطقة الحرة في عدن والمخصصة بوصفها مخازن ومستودعات للميناء، حيث تم توثيق الأرض الممتدة من جولة كالتكس في المنصورة إلى محطة الحسوة بمدينة الشعب، وتوثيق الأرض باسم صهره جهاد الشوذبي.

وكشفت الوثائق عن استحواذ الزبيدي أيضاً على مساحة أرض في جزيرة العمال مطلة على البحر مباشرة وتتبع هيئة مواني عدن، وتم تسجيل الأرض باسم الشوذبي، بحيث يقسمها إلى مجموعة أراضٍ، وتُوزع على عيدروس ومجموعة من المقربين منه.

ووفقاً لمراقبين، استحوذ الزبيدي على نحو 100 فدان في بئر فضر بعدن، تابعة لشخص من أبناء المحافظات الشمالية يُدعى (الدفيف)، وتجري مساومته وابتزازه للتنازل عنها أو الدخول معه في شراكة من قِبل الشوذبي لعمل مدينة سكنية أو بيع هذه المساحة بوصفها أراضي نقداً.

وأشارت الوثائق إلى استحواذ عيدروس على 4 آلاف فدان بمنطقة راس عمران في عدن وتوثيقها باسم محمد قاسم الزبيدي، وكذلك على حوش النقل البري بمنطقة الدرين في الشيخ عثمان بعقد إيجار ومبلغ زهيد جداً يتم دفعه إلى الدولة، والمستفيد من هذه العملية عماد أبو الرجال مدير مكتب عيدروس، بالإضافة إلى حوش تابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر بتوجيهات من عيدروس، وعلى نحو 1000 فدان في محافظة لحج وتوثيقها باسم وسيط لمصلحة عيدروس، والمعهد الهندسي في التواهي المخصص لتأهيل الطلبة والمهندسين، وقطع أراضٍ بالقرب منه في جبل هيل.

وثيقة تأجير منتجع خليج الفيل لأحد أقارب عيدروس الزبيدي

النفط والشركات التجارية

أفاد مراقبون بأنه تم الضغط على شركة النفط اليمنية، ومديرها طارق الوليدي، بمنع استيراد البترول إلا عبر شركة تتبع الشوذبي ووزير النقل عبد السلام حميد، مشيرين إلى أنه منذ نحو عامَين، والأول هو من يورّد فقط بفوائد كبيرة تذهب إلى خزينة عيدروس. كما تم من وقت إلى آخر خلال الفترة ذاتها توريد شحنات نفطية إلى ميناء قنا بمحافظة شبوة لمصلحة الزبيدي والشوذبي، إلى جانب كميتين من النفط كان معهما فيها محمد الغيثي.

وأشار مراقبون إلى رصد قضايا فساد أيضاً على الشركة الأهلية للصرافة والتحويلات، والشركة العربية «إيكا» للأثاث، ومقرهما الرئيسي عدن، وتتبعان للشوذبي، بدعم من عيدروس.


«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)

عزّزت قوات درع الوطن اليمنية انتشارها العسكري، والأمني في الشريط الحدودي لمحافظة المهرة مع سلطنة عُمان، بالتوازي مع استعادة كميات من الأسلحة التي كانت قد نُهبت من مخازن عسكرية خلال عملية إخراج قوات المجلس الانتقالي المنحل من المحافظة، في إطار حملة أمنية متواصلة تشمل أيضاً محافظة حضرموت.

ووفق بلاغ عسكري حديث، نفذت وحدات من قوات «درع الوطن» في محافظة المهرة مهام تأمين استراتيجية في مديرية شحن، والمنفذ الحدودي الدولي مع سلطنة عُمان، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني، وحماية المواقع الحيوية، والمرافق السيادية، وضمان استقرار الحدود الشرقية للبلاد.

وشاركت في تنفيذ هذه المهام وحدات من اللواء الرابع – الفرقة الثانية بقيادة عبد الكريم الدكام، واللواء الخامس – الفرقة الأولى بقيادة منصور التركي، وذلك في سياق جهود توحيد العمل بين التشكيلات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية، والانضباط الأمني، بما يعكس توجه القيادة العسكرية نحو تعزيز حضور الدولة، وبسط سلطتها في المناطق المحررة.

وأكدت القيادات العسكرية أن هذه الخطوة تمثل صمام أمان لحماية المقدرات الاقتصادية، والاستراتيجية، وتؤكد التزام قوات درع الوطن بمسؤولياتها الوطنية في حفظ الأمن، والاستقرار، وبالتنسيق الكامل مع مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة اليمنية، وبدعم وإسناد من المملكة العربية السعودية، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية لتعزيز الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة من سيطرة جماعة الحوثي.

ضبط أسلحة في المهرة

ضمن حملتها لجمع السلاح، واستعادة ما نُهب من المعسكرات، تمكنت قوات «درع الوطن» اليمنية من ضبط كمية من الأسلحة، والذخائر في منطقة نشطون بمحافظة المهرة، في إطار جهودها الأمنية الرامية إلى مكافحة تهريب السلاح، ومنع انتشاره.

وأفادت السلطات المحلية في المحافظة بأن عملية الضبط جرت أثناء إجراءات تفتيش روتينية في النقطة الأمنية، حيث تم الاشتباه بإحدى المركبات، ليُعثر بداخلها على أسلحة وذخائر، جرى التحفظ عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، وفقاً للقوانين النافذة.

وأكدت قيادة قوات «درع الوطن» في المهرة أن هذه الجهود تأتي ضمن مهامها الأساسية لحفظ الأمن، وحماية المواطنين، ومنع تسرب السلاح، مشددة على استمرارها في أداء واجبها الوطني بكل حزم، ومسؤولية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، بما يسهم في تعزيز حالة الأمن والاستقرار في المحافظة الحدودية.

استعادة بعض الأسلحة التي نُهبت من مخازن قوات «الانتقالي» المنحل (إعلام حكومي)

من جهتها، أشادت قيادة السلطة المحلية في المهرة بأداء قوات «درع الوطن» العاملة في ميناء نشطون، مثمنة جهود قائد أمن الميناء ملازم أول عبد القادر السليمي، وقائد نقطة التفتيش محفوظ علي بن جعرة، ودورهما في تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المنفذ البحري من أي أنشطة غير مشروعة.

وفي موازاة ذلك، أكد مواطنون في المحافظة أن ما تحقق مؤخراً في المحافظات المحررة يمثل فرصة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، وتعزيزها، عبر اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة، والاستفادة الجادة من أخطاء المرحلة السابقة، والاعتراف بها، وضمان عدم تكرارها.

وشدد المواطنون على أهمية استكمال دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة تخضع لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، باعتبار ذلك ضرورة وجودية لبناء دولة قوية، ومستقرة.

كما طالبوا، في الوقت ذاته، بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءات، بعيداً عن المحاصصة السياسية، ومنح السلطات المحلية صلاحيات كاملة لإدارة شؤون محافظاتها، مع تكثيف جهود مكافحة الفساد.

نفي مهاجمة المحتجين

في سياق متصل بتطبيع الأوضاع الأمنية في محافظات شرق وجنوب اليمن، نفت قيادة الفرقة الثانية من قوات «العمالقة»، بقيادة العميد حمدي شكري، نفياً قاطعاً صحة بيان متداول تضمّن اتهامات باستهداف مشاركين في مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي المنحل، مؤكدة أن البيان مفبرك ومحرّف.

وأوضح المركز الإعلامي لقوات «درع الوطن» أن الفرقة الثانية عمالقة لم تستهدف أي متظاهرين، ولم تستخدم السلاح ضد المدنيين، وأن مهامها في النقاط الأمنية تقتصر على تنظيم الحركة، وتأمين الطرق، ومنع أي اختلالات أمنية قد تهدد سلامة المواطنين. وأكد أن الادعاءات حول سقوط قتلى أو جرحى نتيجة أعمال منسوبة للقوات عارية تماماً عن الصحة.

«درع الوطن» تواصل حملة جمع الأسلحة في حضرموت (إعلام محلي)

وحملت قيادة الفرقة مروّجي هذه الادعاءات المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن نشر معلومات مضللة، والتحريض على العنف، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يقف خلف فبركة البيانات، أو الترويج لها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الاجتماعي، ومحاولة لخلط الأوراق، واستهداف المؤسسة العسكرية.

وجددت قيادة الفرقة التزامها بحماية المواطنين، واحترام النظام والقانون، وتنفيذ مهامها وفق التعليمات العسكرية، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.