ثيري واسر: يحز في نفسي أن مصممي الأزياء لهم حظوة أكبر.. نعم أعد نفسي فنانا

عطار دار «جيرلان» يتكلم عن عطره الجديد«الرجل المثالي»

 أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي
أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي
TT

ثيري واسر: يحز في نفسي أن مصممي الأزياء لهم حظوة أكبر.. نعم أعد نفسي فنانا

 أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي
أهم مكونات عطر «لوم إيديال» (L’Homme Idéal) شذى اللوز «أماريتو» الموروث عن عطر «جيكي» (Jicky) الذي جرى ابتكاره في عام 1889، إلى جانب حبوب التونكا واللوز الطبيعي والفانيليا، فضلا عن براعم البرتقال والفيتفر الهندي والأرز والجلد مما يعطي خلطته سحرا، يتلاقى فيها القوي مع المنعش والرومانسي

كان يوما مشمسا في باريس، ومثاليا لكي تقدم فيه شركة جيرلان الفرنسية عطرها الرجالي الجديد «لوم إيديال»، أي «الرجل المثالي». كانت الصالة التي احتضنت اللقاء مع مبتكره ثيري واسر، فخمة بنوافذها العالية وستائرها التي حجبت أشعة الشمس من الدخول لكي يبقى المكان منتعشا بروائح مكونات جرى رصها على طاولة طويلة، من لوز وبتلات ورود وجلود وغيرها من الأخشاب والبهارات التي استعملها العطار. كان كل شيء جاهزا لإقناعنا بأن الرجل المثالي موجود، ربما ليس في الواقع، بحكم أن «الحلو لا يكتمل»، لكنه حتما في قارورة عطر معبأة بوصفة تجمع الجديد بالقديم الذي استلهمه من الأرشيف وجدده في خلطة مؤثرة بعمقها وشاعريتها. يعود عمر دار «جيرلان» إلى أكثر من 186 سنة ابتكرت خلالها أكثر من 850 عطرا، كان نصيب المؤسس، جاك جيرلان، وحده منها 400 عطر أبدعها على مدى 60 سنة. لم تنجح كلها تجاريا، إلا أنها تشكل إرثا يعود إليه «أنوفها» دائما، وهو ما لا يتوافر لدى باقي المتنافسين.
أما ثيري واسر عطارها الوفي، فليس غريبا عليها، حيث التحق بها منذ ست سنوات تقريبا، وكان أول «أنف» يدخلها من خارج عائلة جيرلان التي توارثت المهنة أبا عن جد لعدة عقود. وحتى هو، لا ينكر أنه تفاجأ عندما اتصلوا به أول مرة، وتصور المسألة مجرد مزحة، لكنه سرعان ما تأكد أنه مطلوب جديا وأن جون بول جيرلان سلفه، رأى فيه شيئا لم يره في باقي العطارين الذين تزخر بهم فرنسا. لم يخيب ظن جون بول جيرلان، الذي فتح له أبواب الدار وأمنه على مفاتيحها، كما عبد له الطريق لكي يكون نجما، يتولى ابتكار عطور الدار من الألف إلى الياء من دون تدخل أي أحد، عوض أن يكون مجرد جندي مجهول يعمل في الظل.
«عندما أكون في مختبري، أكون أنا السيد»، يشرح ثيري واسر، «فأنا مثل شيف في المطبخ، يعرف كل صغيرة وكبيرة، وليس بالضرورة أن يكون مدير المطعم ملما بتفاصيل الأطباق التي أحضرها أو الطريقة التي أتبعها، مما يجعل من الصعب عليه أن يتدخل لكي يملي علي آراءه».
من يقابل ثيري يشعر بأنه ولد لكي يقوم بهذه المهمة. فهو لا يتنفس ثقافة جيرلان فحسب، بل يعيش لثقافة العطور وصناعتها ويتعامل معها بصفتها فنا أو علما. للأسف، عالم العطور ليس كعالم الأزياء، الذي يحقق للمصمم النجومية من أول تشكيلة يقدمها لدار عالمية. فالعطار، مهما أبدع تبقى شهرته محدودة، مهما بلغت شهرة الدار التي يعمل فيها وقوة تأثيرها في عالم الجمال والتجميل. أمر يحز في نفسه ويثير أعصابه، بحسب رد فعله عندما طرحت هذه المقارنة عليه.
تململ في كرسيه وهو يشمر عن ساعديه كأنه سيدخل في جدال طويل، ليقول بابتسامة تكاد تزغرد من عيونه، ونظرة فيها بعض الامتنان لإثارة الموضوع: «لم يسألني أي أحد من قبل هذا السؤال، وأنا في غاية السعادة أنك تطرحينه علي الآن، لأني بالفعل متضايق من الأمر. فالناس لا يقدرون ما نقوم به كعطارين، فالمصمم يعمل ضمن فريق عريض من المساعدين ومع ذلك يتمتع بشهرة واسعة، بينما العطار يعمل وحده لإكمال اللوحة من البداية إلى النهاية، مثل رسام في مرسمه أو عالم في مختبره، يتعامل بألوان قد لا تكون منظورة للعين، لكنها تجمل العالم». ويتابع بالحماس نفسه: «أنا لا أرسم أو أبتكر خلطات فحسب، بل أعمل كل شيء بنفسي، بدءا من البحث عن المكونات إلى انتقاء الأجود منها، فضلا عن إشرافي على عملية الإنتاج والتصوير والعرض، لهذا اعذريني إن شعرت ببعض الانزعاج والضيق عندما لا نحصل، كعطارين، على التقدير نفسه الذي يحصل عليه مصممو الأزياء. نحن فنانون، لكن بأدوات مختلفة، ثم لا تنسى أننا أيضا مطالبون بالابتكار وطرح مجموعات موسمية، ما لا يقل عن أربعة عطور في السنة... أعيد وأكرر: نعم، أنا أعد نفسي فنانا».
يعود بجسمه إلى الوراء وهو يشير إلى الطاولة، حيث كانت قارورة عطره الجديد «لوم إيديال» تتوسط بتلات ورد وبهارات ولوزا مرا، ويعرض أمامي الفيلم الترويجي له، ولسان حاله يقول: «وهذا هو الدليل». تصاب بعدوى حماسه، وتجد نفسك تتساءل: هل يا ترى توصل إلى الوصفة المثالية للرجل المثالي؟. فالاسم طموح جدا، وله إيحاءات قوية لا بد أن تثير الكثير من المشاعر بداخل الرجل والمرأة على حد سواء، كما أن الفيلم الذي صوره المخرج ميشال غوندري جاء بأسلوب مرح وشاعري، ربما للتخفيف من حدة أي جدل قد يثار حول وجود أو عدم وجود الرجل المثالي، لكن ماذا عن العطر نفسه؟ هل وفق فيه للوصفة الناجحة؟ وهل يصبح وساما على صدره أم أنه سيتبخر بعد بضعة مواسم؟
كان آخر عطر رجالي أطلقته «جيرلان» منذ عدة سنوات من إبداع جون بول، أبيه الروحي، وكان باسم «آرسين لوبين»، لهذا كان مهما أن يأتي هذا العطر بمستوى رفيع. يقول واسر: «سألت جون بول مرة ماذا تعلم من جده، مبتكر أجمل العطور، فرد علي: هل تصدق أني لم أتعلم منه الكثير؟». عندما قرأ نظرات الاستغراب في عيوني، أضاف: «ما نقوم به كعطارين لا يشرح أو يعلم، وكل ما قمت به أني كنت أراقبه من كثب». وهذا تماما ما قام به ثيري واسر مع جون بول. كان يراقبه من قرب لكي لا تفوته أي شاردة أو واردة، وبالفعل اكتشف لدهشته أنه بالإمكان ابتكار عطر رجالي، من خلاصات الياسمين والورود التي كانت حكرا على المرأة من قبل من دون أن يتعارض ذلك مع مفهوم الرجولة أو قوتها. يعلق واسر: «وجود زهرة الليمون في العطر الجديد تحية له، لأن هذه النغمات الزهرية لم تكن لتدخل عطرا رجاليا لولاه. ومنذ عام 2008 عندما أطلقت عطر «جيرلان أوم» وأنا أتعمد أن أدخل هذه الخلاصات في العطور التي أبتكرها. مثلا، عندما كنت أعمل على ابتكار عطر «لابوتيت روب نوار»، الذي استغرق سنتين، كنت أسبح في عالم المرأة وعالم الشرق، خصوصا بعد أن أتبعناه بمجموعة «صحارى الشرق، ومع ذلك كنت دائما أتعمد إضافة هذه المكونات إلى النغمات الشرقية». ربما تكون «جيرلان»، أول دار أدمنت النغمات الشرقية وقدمتها لها في عطور أيقونية مثل «شاليمار» و«سامسارا» وغيرها، إلا أن الملاحظ في هذا العطر أنه خال منها، إذ لم يكن هناك دليل فوق الطاولة يشير إلى استعمال مكونات من الشرق. يدافع واسر قائلا إنه متأكد أن العطر سيروق للرجل الشرقي، لأن «هناك خلاصات الفانيلا، إضافة إلى نوع من الإثارة الحسية والعمق. لقد شعرت بأنه حان الوقت لكي أقدم شيئا جديدا، أنيقا وغنيا، من خلال عطر قريب إلى نفسي وقلبي. وقد عوضت النغمات الشرقية بالانتعاش والعمق النابعين من الأخشاب، علما بأني لم أغير جلدي تماما، فهنا أيضا أحرص على أن أحكي قصة واقعية بمكونات جديدة ومترفة تعبر عني الآن. فكلنا نتغير ونتطور». وتابع: «أنا هنا منذ ست سنوات واكتسبت عدة خبرات، كما تشربت ثقافة (جيرلان) أكثر، ولن أقول إن هذا العطر يعبر عني تماما، لأني ما زلت ضعيفا أمام عطر (إيديل) و(جيرلان أوم)، لكني مؤمن بأن لكل مرحلة لغتها وخصوصيتها، ومن ثم لا يمكن أن يلغي ما أبتكره اليوم ما ابتكرته منذ خمس سنوات مثلا. كل ما في الأمر أنه لا بد من التطور، وأنا متأكد أني سأقدم في المستقبل عطرا مختلفا تماما،، قد لا يكون بالضرورة هو الأفضل، لكنه سيكون انعكاسا لنضجي الشخصي والمهني ولتطورات العصر».
المعروف عن واسر أنه يعشق السفر، ويمكن القول إن شهرته في صناعة العطور تكمن في بحثه الدائم عن مزارع جديدة ودعمه المزارعين الصغار الذين تربطه بهم علاقات إنسانية. في أسفاره، يتعلم الكثير أيضا، وفي كل مرة يكتشف شيئا جديدا لم يلحظه من قبل، فللبحث عن البرغموت وزهرة الليمون مثلا، يسافر إلى تونس أو إلى جنوب إيطاليا أو تركيا أو الهند أو بلغاريا: «لأن لكل مكان رائحة وخصوصية». برأيه: «في كل مكان من هذه الأمكنة، بل وحتى في المكان نفسه، تتغير الرائحة بالنسبة لي، حسب الزمان والمزاج، مما يؤثر على قدرات المبدع وعمله». ويؤكد طوال حديثه أنه في أسفاره لا يتعامل فقط مع مكونات يتطلبها عمله، سواء كانت أعشابا أو زيوتا، بل يتعامل مع الناس الذين يزرعونها وينتجونها، لهذا من الصعب عليه عدم ملاحظة التغييرات التي يعيشونها وتأثيراتها على حياتهم. «تونس أكبر دليل على هذا، فأنا أسافر إليها منذ سنوات، ورغم الثورة الأخيرة، ما زلت أشعر بأني في بلدي الثاني، لأن الناس الذين أتعامل معهم أصبحوا أصدقائي. لا يمكن أن أعيش في معزل عنهم، رغم التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في المناخ العام وفي. في هذه الأسفار، أنا أستقي الكثير من الأفكار وأستفيد من تجارب الخبراء المحليين. في بلغاريا، تعلمت الكثير عن الورد من المزارعين البسطاء، مما ساعدني في رحلاتي إلى إيران، حيث علمت المزارعين فيها طرقا وتقنيات جديدة. لاحظت أنك عندما تتبرع بهذه الأفكار تكسب صداقات متينة، لأن الناس يقدرون أهمية أن تعلمهم أمرا في صالحهم. لا أريد القول إني أنديانا جونز، أبحث عن كنوز مخفية أو ذهب لم يستطع أحد غيري أن يجده، لكن يمكنني القول إني أعرف أماكن هذه الكنوز، ولن أبالغ عندما أقول إنها توجد في قلوب الناس». أسأله عن الإرث الذي يحلم بتركه لنا، فيرد ببطء: «أبلغ 53 من العمر، أي إني صغير على أن أخلف أي تركة، لكن في الوقت ذاته أحرص على أن أراعي ظروف من أتعامل معهم من باب قناعتي بأنك تحصد ما تزرع، والعلاقات الإنسانية مهمة في عملنا، لأنها هي التي تبقى. هؤلاء المزارعون يعرفون الكثير عن حصادهم ومنهم تعلمت الكثير عن خشب الصندل والياسمين وزهرة الليمون وغيرها، لهذا لا يمكن أن أتنكر لهم إذا تغيرت ظروفهم. الأمر نفسه ينطبق على حياتي الشخصية، فأنا أهوى الفن المعاصر، لكني لا أشتري أي لوحة إلا إذا تعرفت على الفنان شخصيا، لأن أفضل شخص يشرح لك عن زيت أو وردة أو لوحة هو الشخص الذي زرعها وحرثها أو رسمها. سأسوق لك مثالا على هذا أني عندما كنت أعيش في نيويورك، وقعت عيني صدفة على لوحة شدتني حين كنت أتفصح مجلة فنية. اتصلت بالمتحف الذي كانت تعرض فيه وكان في لوس أنجليس، لم أتردد وتوجهت إلى هناك، لأنه كان مهما بالنسبة لي مقابلة مبدع اللوحة قبل أن أشتريها».
كانت مدة اللقاء 30 دقيقة تقريبا، ولاحظت أنه كرر فيه اسم «جيكي» أول عطر رجالي أطلقته الدار منذ نحو قرن، أكثر من عشر مرات، ربما لأنه هو ما ألهمه وعاد إليه عندما فكر في ابتكار عطره الجديد؟ لا ينكر ويقول بأنه لو لم يصنع السيد جيرلان «جيكي» لما اكتشف أهمية اللوز المر كمكون أساسي في العطور الرجالية، لأنه ليس معمولا به في عطور باقي الشركات. لكنه يستطرد: «هذا لا يعني أن (جيكي) هو الذي ألهمني، بل جزئية بسيطة فيه، تتمثل في اللوز المر الذي أعطاني الفكرة وشرارة الانطلاق. فأنا أعود إلى الأرشيف وأدرسه لكني لا أترجمه حرفيا أو أغرف منه بشراهة، لا سيما مع توافر عدد كبير من المكونات حاليا مقارنة بالماضي، إضافة إلى تطور التقنيات التي تساعد على المزيد من الابتكار والتميز». لكن اللوز المر أثاره وأصبح مدمنا له، أو بالأحرى «نغمات الكرز الأسود التي تتكون من اللوز المر والتوت، وهي خلطة موجودة في عطر (جيكي) الذي أطلق في عام 1889 للمرأة، لكنه لقي حفاوة كبيرة من قبل الرجل أيضا. وربما يكون هو أول عطر للجنسين. هذا الإحساس بالذكورة الذي تمتع به دفعني لأخذ اللوز المر والتلاعب فيه، مما أثمر عن عطر «لوم إيديال» الجديد، مع العلم أن هذه الخلطة خاصة بـ«جيرلان»، وليس هناك من يستعملها غيرنا منذ العصر التاسع عشر، من عطر «جيكي» إلى «لابوتيت روب نوار».



«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».