محكمة تركية تحيل القس برونسون إلى الإقامة الجبرية... وبومبيو يطالب بحريته

أنقرة تعول على وعود ترمب بشأن تسليم مقاتلات «إف - 35» رغم قرار الكونغرس

القس أندرو برونسون يصل إلى بيته في إزمير أمس (رويترز)
القس أندرو برونسون يصل إلى بيته في إزمير أمس (رويترز)
TT

محكمة تركية تحيل القس برونسون إلى الإقامة الجبرية... وبومبيو يطالب بحريته

القس أندرو برونسون يصل إلى بيته في إزمير أمس (رويترز)
القس أندرو برونسون يصل إلى بيته في إزمير أمس (رويترز)

أمرت محكمة تركية، أمس، بوضع القس الأميركي أندرو برونسون، الذي يحاكم بتهمتي «الإرهاب» و«التجسس» وتثير قضيته توترا بين واشنطن وأنقرة، قيد الإقامة الجبرية في منزله بدلا عن السجن وذلك «لأسباب صحية».
وكانت محكمة العقوبات المشددة في إزمير (غرب تركيا) قضت في جلستها الثالثة في إطار المحاكمة في 18 يوليو (تموز) الجاري باستمرار حبس القس برونسون، وحددت جلسة 12 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لاستكمال المحاكمة، ما أثار غضب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي علق على قرار المحكمة عبر «تويتر» واصفا إياه بـ«العار»، وقال إن على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن يتدخل للإفراج عنه.
واعترض إسماعيل جم هالافورت، محامي القس الأميركي، على القرار بتمديد حبس موكله بداعي تردي حالته الصحية في السجن. وبعد النظر في الاعتراض المقدّم من هيئة الدفاع، قررت المحكمة فرض الإقامة الجبرية، عوضا عن الحبس، بشرط عدم مغادرة برونسون منزله في إزمير أو السفر خارج تركيا.
وفيما رحّبت الولايات المتحدة أمس بقرار وضع القس برونسون في الإقامة الجبرية، إلا أنها طلبت من السلطات التركية الذهاب إلى ابعد من ذلك. وقال وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في تغريدة على «تويتر»: «نرحّب بالإعلان الذي انتظرناه طويلا بنقل القس من السجن إلى الإقامة الجبرية في تركيا، لكن هذا الأمر ليس كافيا»، مع العلم بأن بومبيو يطالب بانتظام بالإفراج عن القس المتهم بـ«الإرهاب» و«التجسس»، وأدخل السجن منذ أكتوبر 2016. وأضاف: «لم نر أدلّة ذات مصداقية ضد برونسون وندعو السلطات التركية إلى تسوية هذه القضية فورا بشكل شفاف وعادل».
واعتُقل برونسون، الذي عمل في كنيسة في إزمير لأكثر من 20 عاما في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2016 بتهمة ارتكاب جرائم باسم حركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة انقلاب فاشلة وقعت في تركيا في 15 يوليو 2016، وحزب العمال الكردستاني إلى جانب التجسس السياسي والعسكري. وهي تهم تصل عقوباتها إلى 35 سنة سجنا حال إدانته.
وقال فيليب كوسنت، القائم بالأعمال الأميركي في أنقرة، إن «تسوية هذه القضية في أسرع وقت سيعود بالفائدة على الجميع». وفي 29 يونيو (حزيران) الماضي، استقبل إردوغان السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، والسيناتورة الديمقراطية جين شاهين. وقالت شاهين إن الرئيس التركي كان «متقبلاً» لدواعي قلق الأميركيين بشأن احتجاز برونسون.
وشاركت شاهين، إلى جانب السيناتورين جيمس لانكفورد وتوم تيليس، في إعداد مشروع قرار في مجلس الشيوخ يتضمن منع تركيا من تسلم مقاتلات «إف35» الأميركية، بسبب شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس400» واعتقال مواطنين أميركيين.
ووافق الكونغرس الأميركي أول من أمس على حظر توريد مقاتلات «إف 35» إلى تركيا، بسبب إقدامها على شراء منظومات «إس - 400» الروسية للدفاع الجوي، حتى يقدم البنتاغون تقريرا يقيّم فيه العقد الروسي - التركي.
كما سينتظر الكونغرس أن يتلقى من وزارة الدفاع (البنتاغون) في غضون 90 يوما تقريرا عن العواقب المحتملة على العلاقات الأميركية - التركية إثر إقصاء أنقرة من برنامج إنتاج مقاتلات «إف 35».
بهذا الصدد، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن نظيره الأميركي دونالد ترمب، أطلعه على تصريحه الخطي المتعلق بتسليم واشنطن المقاتلات لتركيا. وأشار إلى أن ترمب هو صاحب الكلمة النهائية في هذا الملف، وأنه أطلعه قبل أسبوعين، خلال لقائهما على هامش قمة «الناتو» في بروكسل، على تصريحه الخطي بشأن تسليم المقاتلات وأن تركيا ليس لديها قلق بهذا الخصوص. وأضاف أن تركيا دفعت حتى الآن 900 مليون دولار، وتسلمت مقاتلتين من الطراز المذكور وستظلان في الولايات المتحدة حتى عام 2020 لتدريب الطيارين الأتراك في إطار الدفعة الأولى.
من ناحية أخرى، أعرب إردوغان عن أسفه حيال إقحام تركيا في المنافسات السياسية، داخل مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين فيما يتعلق بعقوبات الولايات المتحدة على إيران. وقال، خلال مؤتمر صحافي بأنقرة قبل توجّهه إلى جنوب أفريقيا أمس للمشاركة في قمة مجموعة «بريكس»، إن تركيا لديها شركاء استراتيجيون في مناطق مختلفة من العالم كما هو الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وهي بدورها شريك استراتيجي ونموذجي. وشدّد على أن قطع العلاقات مع هؤلاء الشركاء الاستراتيجيين، يتعارض مع مفهوم الاستقلال الذي تتبناه تركيا.
وأضاف: «بالطبع سيكون لنا جيران وشركاء استراتيجيون أيضاً، من الذي سيدفئ بلادي عندما نتوقف عن شراء المنتجات البترولية من هؤلاء؟ وهناك تطورات عدّة بنفس الشكل قائمة على مبدأ اربح - اربح».
ولفت إلى أن تركيا أكّدت على هذه النقاط بشكل صريح وواضح للولايات المتحدة، في عهد الرئيس السابق باراك أوباما أيضاً. وتابع: «إننا نأسف حيال إقحام تركيا في المنافسات السياسية المتعلقة بهذه القضية، سواء داخل مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب، ولكن السيد الرئيس (ترمب) أبدى موقفاً جيداً في هذه القضايا حتى الآن، وأنا واثق من أن هذا الموقف سيستمر في المرحلة القادمة».
وأشار إردوغان إلى أن «الوفد الأميركي الذي زار تركيا لإجراء مباحثات مع المسؤولين بخصوص الملف المذكور، الجمعة الماضي، عاد إلى بلاده بعد أن اطّلع على وجهات نظرنا. وتمنى ألا تتخذ الولايات المتحدة خطوات خاطئة في هذا الإطار».
بدوره، كان مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي، قال في مؤتمر صحافي في أنقرة، عقب انتهاء مباحثات الجمعة إنه بحث مع المسؤولين الأتراك عدداً من الملفات بينها مكافحة تمويل الإرهاب، والعقوبات الأميركية على إيران وانعكاساتها على الاقتصاد التركي. وأوضح أن تركيا دولة جارة لإيران، وملف التجارة مع إيران هو أحد الملفات التي يجب أن نبحثها مع تركيا. وقال: «نحن نبدي حساسية تجاه انعكاسات ذلك على الاقتصاد التركي، لذا نبحث، بأدق التفاصيل، مخاوف البلدين».
إلى ذلك، بدأ البرلمان التركي مساء أمس التصويت على مشروع قانون لمكافحة الإرهاب مقدم من حزب العدالة والتنمية الحاكم، وذلك بعد 6 أيام من رفع حالة الطوارئ بعد فرضها لعامين، على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة. ويتضمن مشروع القانون مواد من قانون الطوارئ ستظل سارية لثلاث سنوات، كما يتضمن مواد تتعلق بإنهاء خدمة القضاة ورجال القوات المسلحة وموظفي الوزارات، كما يحتفظ حكام ولايات البلاد البالغ عددها 81 ولاية ببعض سلطات الطوارئ ومن بينها فرض قيود على حرية التجمع ودخول الأفراد إلى بعض المناطق.
وانتقدت المعارضة التركية بشدة مشروع القانون ووصفته بأنه حيلة لإبقاء حالة الطوارئ إلى ما لا نهاية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...