روحاني يحذر ترمب من {اللعب بالنار}... ويهدد بإغلاق {مضايق كثيرة}

خيّر واشنطن بين {أم المعارك} و{أم السلام} واتهمها بالسعي لإسقاط النظام وتقسيم إيران

روحاني ووزير خارجيته خلال ملتقى الوفود الدبلوماسية الإيرانية في طهران أمس (موقع روحاني)
روحاني ووزير خارجيته خلال ملتقى الوفود الدبلوماسية الإيرانية في طهران أمس (موقع روحاني)
TT

روحاني يحذر ترمب من {اللعب بالنار}... ويهدد بإغلاق {مضايق كثيرة}

روحاني ووزير خارجيته خلال ملتقى الوفود الدبلوماسية الإيرانية في طهران أمس (موقع روحاني)
روحاني ووزير خارجيته خلال ملتقى الوفود الدبلوماسية الإيرانية في طهران أمس (موقع روحاني)

غداة تأييد المرشد علي خامنئي لتهديدات مضيق هرمز، اتهم الرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس، الولايات المتحدة بالسعي وراء الإطاحة بالنظام وتقسيم إيران، وقال إن بلاده «تملك مضايق كثيرة، أحدها مضيق هرمز»، وخاطب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقوله إن «الحرب مع إيران ستكون أم الحروب، وإن السلام معها سيكون أم السلام»، محذراً إياه من «ندم التلاعب بالنار».
وقال روحاني في خطاب أمام حشد من الدبلوماسيين الإيرانيين إن «الإطاحة بالنظام وتقسيم إيران من ضمن السياسات الأساسية التي تتابعها الإدارة الأميركية».
واستدعت الخارجية الإيرانية طاقم سفاراتها استعداداً للمرحلة الأولى من العقوبات الأميركية، والعقوبات الأوسع التي يفترض أن تبدأ مع حلول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، موعد تصفير العقوبات النفطية، حسب إعلان إدارة ترمب.
وجدد روحاني تهديداته للولايات المتحدة حول الخطوة الإيرانية ضد العقوبات التي تستهدف صادرات النفط الإيراني، وقال في هذا الصدد: «من يعرف السياسة قليلاً، لا يمكن أن يقول إنه يمنع صادرات النفط الإيرانية، لدينا مضايق كثيرة، أحدها مضيق هرمز»، وذلك بعد 24 ساعة من تبني المرشد الإيراني علي خامنئي تهديدات سابقة وردت على لسان روحاني خلال جولته في جنيف.
وقال خامنئي، أول من أمس، إن تهديدات روحاني عن إغلاق مضيق هرمز خلال زيارته الأخيرة إلى أوروبا «مهمة، وتعبر عن سياسة ونهج النظام»، مطالباً الخارجية الإيرانية بمتابعة «جدية» لمواقف الرئيس الإيراني، التي حظيت بترحيب واسع من قادة «الحرس الثوري» الذين أعلنوا استعدادهم لطي الخلافات مع حكومة روحاني، والتعاون معها لاتخاذ خطوات عملية لتهديدات روحاني. وقال قاسم سليماني إنه يقبل يد الرئيس الإيراني على موقفه، مضيفاً أنه «روحاني الذي كنا نعرفه، وما ينبغي أن يكون».
وسجلت تهديدات روحاني تراجعاً كبيراً عن مواقفه في الانتخابات الرئاسية 2017. وكان روحاني قد وجه انتقادات واسعة لـ«الحرس الثوري» خلال حملته الانتخابية بسبب تجربة الصواريخ الباليستية، بعد أسبوعين من دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، منتصف يناير (كانون الثاني) 2017. حينذاك، اتهم روحاني قادة «الحرس الثوري» بمحاولة قلب الطاولة على مساعي حكومته لتطبيع العلاقات الإيرانية مع الدول الغربية، عبر استعراض مواقع تحت الأرض، وصفها نائب قائد «الحرس الثوري» بـ«غابة الصواريخ».
وقال روحاني إن «عمل» الولايات المتحدة يشكل «تآمراً ضد إيران والشعب الإيراني الكبير»، كما جدد دفاعه عن إبرام الاتفاق النووي، ووجه انتقادات ضمنية لمعارضي الاتفاق في الداخل الإيراني، مشيراً إلى أنه كان «قراراً موحداً من كل أركان النظام»، وتابع أن «مؤامرة أميركا الأخيرة محاولة لاستتباع الشعب الإيراني، لكن يجب أن تعرف أن الشعب الإيراني سيد نفسه، ولكن يكون تابعاً لأحد»، مضيفاً أن «على الأميركيين أن يعرفوا أن السلام مع إيران أم السلام، والحرب معها أم الحروب».
ومع ذلك، قال روحاني إن بلاده ترفض التعرض للتهديد، إلا أنه في الوقت نفسه، خاطب الرئيس الأميركي قائلاً: «السيد ترمب، نحن نضمن أمن الممر الإقليمي على مدى التاريخ، لا تلعب بالنار، ستندم».
وتطرق روحاني إلى علاقات طهران مع السعودية والإمارات والبحرين «في ظل الظروف الراهنة»، قائلاً إن هناك «فرصة لتنمية العلاقات مع الجيران أكثر من السابق»، لكنه رهن ذلك بوقف ما وصفه بـ«العناد»، وإعادة النظر في السياسات، وإبداء رغبة في إقامة العلاقات، مضيفاً: «يجب أن نحل الخلافات، ونقيم الصداقة».
ووجه روحاني رسائله للإدارة الأميركية قبل ساعات من وجود وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بمدينة لوس أنجليس، بين أكبر جالية إيرانية في الولايات المتحدة، لمخاطبة الإيرانيين تحت عنوان «صوت إيران»، يتطرق فيه بشكل الأساسي للأوضاع الداخلية للمواطن الإيراني، والأوضاع الاقتصادية، وسياسات النظام في التعامل مع القوميات والأقليات الدينية.
وهي المرة الثالثة التي يوجه فيها بومبيو خطاباً للإيرانيين منذ بداية مهمته في منصب وزير الخارجية الأميركي في مايو (أيار) الماضي، وقد بدأها بإعلان استراتيجية لمواجهة إيران، في 12 فقرة شملت البرنامج النووي الإيراني، وتطوير الصواريخ الباليستية، إضافة إلى نشاط «الحرس الثوري الإقليمي»، كما خصص تغريدات لمخاطبة الشارع الإيراني على مدى الشهر الماضي، معلناً دعم واشنطن للحراك الشعبي ضد النظام.
وفي هذا الشأن، قال روحاني إن الإدارة الأميركية «لا تملك تحريض الشعب الإيراني ضد الأمن والمصالح الإيرانية. تعلنون الحرب على الشعب الإيراني وتدعون دعمه؟ تمددتم في كل المنطقة، يجب أن تستوعبوا معنى ما تقولون»، وأشار إلى أن إيران بين خيار الاستسلام أو المقاومة، معتبراً الحوار مع الإدارة الأميركية يعني «الاستسلام ونهاية الإنجازات الإيرانية»، وقال: «إذا استسلمنا أمام الجماعة التي تحكم في الولايات المتحدة، وتراجعنا خطوة إلى الوراء، ستنهب كل ثروات أمتنا. وفي ظل هذه الأوضاع، لن نخاف، وسنقف حتى آخر قطرة دم».
وعن قرب انطلاق العقوبات الأميركية، قال روحاني مخاطباً الوفود الدبلوماسية الإيرانية: «يوماً ذهبياً للدبلوماسيين أن يرتبطوا مع الشركات الكبيرة والصغيرة. أبواب إيران مفتوحة إلى التكنولوجيا والاستثمار. على السفراء تدشين الحركة الجديدة».
ويأتي التصعيد بين الجانبين قبل أيام قليلة من بداية المرحلة الأولى من العقوبات الأميركية. ومن المفترض أن تستهدف الحزمة الأولى من العقوبات الذهب والمعادن الأخرى، إضافة إلى صناعة السيارات، في الرابع من أغسطس (آب) المقبل.
وأشارت تقارير من وسائل الإعلام الإيرانية أمس إلى أن أسعار السبائك الذهبية تخطت 3 ملايين ريال، كما عاد الدولار لتخطي 90 ألف ريال، ويتوقع الخبراء أن تواصل الأسعار كسر الأرقام القياسية، بالتزامن مع عودة العقوبات.
وتتطلع الإدارة الأميركية إلى أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى تحرك الشارع الإيراني لتعديل سلوك النظام الإيراني.
وقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية الإيرانية بعد إعلان ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي في الثامن من مايو الماضي. وتواجه حكومة روحاني ضغوطاً متزايدة من الأطراف الداخلية لتعديل فريقها الاقتصادي، إلى جانب تبادل الاتهامات بين الأطراف السياسية حول تفشي الفساد في إيران.
ولفت روحاني إلى أن مساعي الإدارة الأميركية «أخفقت في إقناع الأوروبيين بتعديل الاتفاق النووي»، مضيفاً أن «ترمب حاول كثيراً، لكن أجبر على الانسحاب وحيداً من الاتفاق النووي». وزعم الرئيس الإيراني أن بلاده «تعاملت بذكاء مقابل ترمب غير الناضج»، مضيفاً أن «أميركا تواجه العالم ضد الاتفاق النووي. أميركا المعزولة يجب ألا تلتقط الأنفاس»، كما اعتبر سلوك الإدارة الأميركية الحالية «يتضمن مخاطر كبيرة للعالم، لكن توجد فرص كبيرة في قلب هذه المخاطر».
ولم يوضح روحاني الفرص التي يمكن أن تستفيد منها طهران، لكنه رفض تراجع طهران عن دورها الإقليمي. وفي إشارة ضمنية إلى واشنطن، قال: «إن الأعداء يعلنون أنهم يريدون الوقوف بوجه النفوذ الإيراني، إقليمياً وعالمياً»، مشيراً إلى أن «العمق الاستراتيجي لإيران يمتد شرقاً من شبه القارة الهندية، وغرباً على البحر المتوسط، وجنوباً من المحيط الهندي والبحر الأحمر، وشمالاً حتى آسيا الوسطى والقوقاز».
وقال روحاني إن قوات بلاده حاضرة في سوريا والعراق بطلب من الحكومات السورية والعراقية «لمكافحة الإرهاب»، وقال إن إيران «تفتخر بأعمالها في سوريا والعراق ولبنان».
من جهة ثانية، حاول روحاني الرد على النقاش الدائر حول العلاقات الروسية والإيرانية، وقال رداً على ما أثارته صحيفة «كيهان»، الأربعاء الماضي، حول النهاية الموضوعية لشعارات النظام الإيراني في الثمانينات (لا شرقية ولا غربية.. جمهورية إسلامية): «إننا لا نستسلم للغرب ولا للشرق، وشعار (لا شرقية ولا غربية) لا يتعارض مع تنمية التعاون مع دول العالم. نحن لا ننظر على روسيا على أنها شرقية أو قوة كبيرة، بل ننظر إليها كجار، ونرى أن حسن الجوار وتنمية العلاقات مع موسكو في صالح البلدين»، معتبراً روسيا المستفيد الأكبر من العلاقات مع إيران.
وتتقابل تصريحات روحاني مع التيار المحافظ، لا سيما مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، الذي يحمل لواء استراتيجية «التطلع نحو الشرق»، وهي تهدف إلى تقارب إيراني مع الصين وروسيا كخيار استراتيجي لمواجهة العقوبات الغربية، لا سيما للحصول على مكاسب من الدول الأوروبية.



ترمب: قضينا على القيادة الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب: قضينا على القيادة الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب «القضاء على القيادة الإيرانية»، وأن النظام في طهران «يبحث عن قادة جدد»، جازماً بأن «التأثير على إيران سيكون سيئا وسننتهي من ذلك قريبا».

وشدد على أنه لن ينشر قوات في ايران و«لن أرسل جنودا إلى أي مكان». وقال خلال اجتماع مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي «إن كنت سأقوم بذلك، فلن أقوله لكم بالطبع. لكنني لن أنشر قوات».

وكشف أنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «ألا يهاجم حقول الطاقة».


وزير إسرائيلي يرى الحرب على إيران «نعمة» لبلده

زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
TT

وزير إسرائيلي يرى الحرب على إيران «نعمة» لبلده

زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)

عدَّ الوزير الإسرائيلي زئيف إلكين، الخميس، أن الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران هي «نعمة كبيرة» للدولة العبرية.

وقال إلكين، العضو في حزب الليكود لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «ينبغي ألا يتمحور النقاش حول متى ستنتهي (الحرب)، بل حول كيف لنا أن نطيل أمدها ونفاقم الأضرار».

وأضاف الوزير المعني بشؤون الهجرة والاستيعاب في تصريحات للإذاعة العسكرية: «كلّ يوم من الحملة هو نعمة كبيرة لدولة إسرائيل».

وإلكين عضو أيضاً في المجلس الأمني المصغّر المكلّف إعطاء الضوء الأخضر لعمليات عسكرية واسعة النطاق.

وشنّت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات على إيران في 28 فبراير (شباط) أشعلت الحرب في الشرق الأوسط.

والخميس، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إنه لا يوجد «إطار زمني» لإنهاء الحرب على إيران. وصرّح لوسائل الإعلام بأن «القرار النهائي بيد الرئيس لنقول: (لقد حققنا ما نحتاج إليه)».


استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع انتقال الضربات الأميركية - الإسرائيلية إلى منشآت الغاز والنفط الإيرانية، ثم ردّ طهران عبر استهداف مرافق طاقة في دول الجوار وتهديد منشآت أخرى في الخليج العربي، تبدو الحرب وقد دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الهدف المعلن في بداياتها، أي تدمير القدرات العسكرية والنووية والصاروخية الإيرانية.

فاستهداف حقل «بارس الجنوبي»، وما تلاه من ضربات إيرانية على رأس لفان، نقل الصراع من حرب على أدوات القوة إلى حرب على ركائز الدولة والاقتصاد والطاقة.

ومع تخطي خام برنت 118 دولاراً للبرميل، وازدياد المخاوف من تعطّل إمدادات الغاز والنفط عبر الخليج العربي، لم تعد الحرب إيرانية - إسرائيلية، أو أميركية - إيرانية فقط، بل غدت أزمة إقليمية - دولية مفتوحة على أسواق الطاقة والتضخم والسياسة الداخلية الأميركية، خصوصاً بعد طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليار دولار من الكونغرس، بما يعكس استعداداً لمواجهة قد لا تكون قصيرة.

حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب)

استهداف الشرايين

التحول الأهم في هذه المرحلة ليس اتساع بنك الأهداف فقط، بل طبيعة الأهداف نفسها. فحين تُستهدف منشآت الغاز والطاقة، فإن المقصود لم يعد حصراً تقليص قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، بل ضرب قدرتها على الاستمرار كدولة قادرة على إدارة نفسها من الداخل.

فقطاع الطاقة في إيران ليس مجرد مصدر دخل، بل عنصر حيوي لتشغيل الكهرباء والوقود والصناعة وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي في بلد يعاني أصلاً ضغوطاً اقتصادية حادة. لهذا تبدو الضربات الأخيرة أقرب إلى محاولة تقليص قابلية النظام على الاحتمال، لا مجرد إضعاف أدواته القتالية.

هذا التحول يفسر أيضاً ازدياد الحديث عن أن الحرب دخلت طور «خلخلة النظام»، لا «ردع إيران» فقط. فاستهداف منشآت الطاقة ترافق مع استمرار تصفية شخصيات أمنية وقيادية رفيعة، بما يوحي بأن الضغط يتجه إلى تفكيك بنية الحكم الأمنية - العسكرية تدريجياً. لكن الفارق بين إضعاف النظام وكسره يبقى كبيراً. فالتقارير الأميركية الأخيرة تشير إلى أن القيادة الإيرانية تعرضت لضربات قاسية، إلا أن النظام لا يزال قائماً، فيما يزداد نفوذ «الحرس الثوري» داخله بدلاً من ظهور مؤشرات واضحة إلى انهيار قريب. وهذا يعني أن الحرب قد تنجح في إضعاف الدولة من دون أن تنتج سريعاً بديلاً سياسياً مستقراً.

طائرات عسكرية أميركية تظهر على سطح أكبر حاملة طائرات في العالم وسط الحرب على إيران (أ.ف.ب)

لا تفاوض بل تفكيك النظام

في هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فرزين نديمي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الولايات المتحدة وإسرائيل «تمضيان في حملتهما الجوية لتفكيك النظام في إيران»، وأنهما «تبدوان على المسار الصحيح» رغم اتساع الجغرافيا الإيرانية، وكثرة الأهداف، وتعقيد بنية النظام.

أهمية هذا التقدير أنه يلتقط ما توحي به الوقائع الميدانية: الحرب لم تعد محصورة في شلّ قدرة إيران على الضرب، بل باتت أقرب إلى عملية استنزاف عميقة للبنية التي يقوم عليها الحكم نفسه.

ويضيف نديمي أنه لا يعتقد أن واشنطن أو تل أبيب تفكران حالياً في التفاوض مع النظام، «خصوصاً وهما تقتلان قادته». وهذه نقطة مفصلية، لأنها تعني أن التصعيد القائم لا يُستخدم، في هذه المرحلة، كمجرد ورقة ضغط للوصول إلى تسوية سريعة، بل يبدو مساراً قائماً بذاته لتغيير ميزان القوة داخل إيران.

ومع أنه لا يستبعد اتصالات محدودة مع بعض العناصر داخل النظام، لكنه يعتبر أن ذلك لن يغيّر الصورة العامة. أي أن أي قنوات خلفية محتملة لا تعني أن باب التسوية السياسية فُتح، بل إن المعركة لا تزال تُدار بمنطق الضغط المتصاعد، لا بمنطق التسوية القريبة. وخطورة ذلك أن الحرب كلما تقدمت على هذا النحو أصبحت أكثر تكلفة وأقل قابلية للضبط.

طهران ترفع التكلفة

في المقابل، تبدو إيران واعية أنها لا تستطيع كسر التفوق الجوي الأميركي - الإسرائيلي عسكرياً، لذلك تراهن على سلاح آخر: تعميم التكلفة الاقتصادية. وهذا ما ينسجم تماماً مع تقدير نديمي بأن النظام، وخصوصاً «الحرس الثوري»، يركز على مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وفي الوقت نفسه على «فرض تكلفة اقتصادية على الولايات المتحدة ودول الخليج» تكون موجعة بما يكفي لإجبار واشنطن، وإسرائيل تبعاً لها، على وقف الحملة.

من هنا يمكن فهم الردّ الإيراني على منشآت الطاقة في قطر، ليس بوصفه انتقامياً فقط، بل جزءاً من استراتيجية أوسع؛ إذا ضُربت طاقة إيران، فإن طاقة العالم لن تبقى بمنأى عن النار.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة هشاشة هذه المعادلة، مع إعلان قطر وقوع أضرار واسعة في رأس لفان، وتعليق جزء من نشاط الغاز، وتزايد القلق من تعطل إمدادات تمثل حصة جوهرية من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. هكذا تحاول طهران نقل المعركة من السماء والميدان إلى السوق العالمية، أملاً في أن تُنتج صدمة الأسعار ضغوطاً على الولايات المتحدة وحلفائها، تفعل ما لا تفعله الصواريخ وحدها.

جنود وطائرات تابعة للبحرية الأميركية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» (رويترز)

تباين أميركي إسرائيلي

ورغم التنسيق الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، فإن هذه المرحلة تكشف أيضاً فروقاً في حسابات النهاية. فإسرائيل تبدو أكثر استعداداً للذهاب بعيداً في استنزاف النظام الإيراني واغتيال قادته وتوسيع بنك الأهداف بما يهيئ لخلخلة داخلية طويلة المدى.

أما الولايات المتحدة، فمع أنها شريك كامل في الحرب، تبقى أكثر حساسية تجاه الفوضى النفطية، وأسعار البنزين، والتضخم، وردود الفعل الدولية، والانقسام السياسي داخل الكونغرس.

ولهذا يكتسب طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بأكثر من 200 مليار دولار دلالة تتجاوز الجانب المالي. فهو لا يعكس تكلفة الحرب الجارية فقط، بل يكشف أن المؤسسة العسكرية الأميركية تتصرف على أساس أن الحرب قد تطول، وأن استنزاف الذخائر والمخزونات الدقيقة صار مسألة استراتيجية. لكن هذا الطلب نفسه قد يتحول إلى اختبار سياسي صعب للرئيس دونالد ترمب، لأن الحرب التي دخلت طور الطاقة والأسواق لم تعد مجرد ملف أمني خارجي، بل بدأت تضغط مباشرة على الاقتصاد الأميركي وعلى السجال الداخلي بشأن جدوى الحرب وحدودها.

نهاية غامضة

المحصلة أن الحرب على إيران لم تعد، في شكلها الراهن، مجرد حملة لتدمير القدرات العسكرية، بل باتت أقرب إلى حرب على قدرة النظام نفسه على الاحتمال والاستمرار. غير أن الانتقال من إضعاف النظام إلى كسره أو إسقاطه ليس تفصيلاً عملياتياً، بل قفزة استراتيجية شديدة المخاطر. فالتقارير المتوافرة لا تشير بعد إلى انهيار وشيك، بل إلى نظام متضرر، لكنه لا يزال قائماً، وأكثر ميلاً إلى التشدد والاعتماد على «الحرس الثوري». وفي الوقت ذاته، فإن تحويل الطاقة إلى ساحة حرب يرفع التكلفة على الجميع: على إيران، وعلى الخليج، وعلى واشنطن، وعلى الاقتصاد العالمي. لذلك تبدو المشكلة الأساسية اليوم أن التصعيد قد يكون أسهل من الخروج منه. فكل ضربة إضافية قد تزيد الضغط على طهران، لكنها تزيد أيضاً احتمالات حرب أطول، وأسواق أكثر اضطراباً، ونهاية أكثر غموضاً من البداية.