الكهرباء في لبنان أداة للفساد السياسي

عجز القطاع يشكل 45 % من حجم المديونية العامة... والحلول مشلولة بفعل الفساد

مواطن لبناني يشغل مولدة خاصة تمد مستهلكين جنوب بيروت بالكهرباء (أ.ب)
مواطن لبناني يشغل مولدة خاصة تمد مستهلكين جنوب بيروت بالكهرباء (أ.ب)
TT

الكهرباء في لبنان أداة للفساد السياسي

مواطن لبناني يشغل مولدة خاصة تمد مستهلكين جنوب بيروت بالكهرباء (أ.ب)
مواطن لبناني يشغل مولدة خاصة تمد مستهلكين جنوب بيروت بالكهرباء (أ.ب)

تتصدر الكهرباء هموم اللبنانيين صيفاً - شتاءً، وتحتل المرتبة الأولى في سلم التدهور الاقتصادي، إذ وصل العجز المتأتي عن هذا القطاع 36 مليار دولار من أصل 80 ملياراً هي نسبة العجز العام، ليشكل 45 في المائة من حجم المديونية العامة في لبنان. و«هي جزء من الرشوة السياسية»، على ما يقول لـ«الشرق الأوسط» وزير الطاقة السابق محمد عبد الحميد بيضون. فوزارة الطاقة هي قبلة أهل السلطة في أي تشكيلة حكومية، ومن يضع يده عليها يتمسك بها غير عابئ بشبهة الفساد الذي يتواصل استجراره عهداً بعد عهد عوضاً عن استجرار النور إلى بيوت اللبنانيين.
وأزمة الكهرباء بدأت مع الحرب اللبنانية التي دمرت الكثير من المنشآت، بحيث أعادت غالبية اللبنانيين إلى قناديل الجاز. وبعد مرور 28 عاماً على انتهاء الحرب، لا بصيص نور يؤشر إلى معالجتها جذرياً بسبب تشابك مصالح السياسيين على حساب مصلحة المواطن.
ويجمع المتخصصون في هذا المجال على أن أي حل يجب أن يبدأ من تحديث قوانين مؤسسة كهرباء لبنان التي تدير القطاع وتجديد هيكليتها. فالقوانين الحالية قديمة والروتين يؤثر على الإنتاج وغياب التنسيق بين الوزارات المختصة يجعل طريقة العمل غير فعالة.
ويقول بيضون: «لا يمكن إصلاح المؤسسة. عندما توليت حقيبتها تمكنت من إصدار قانون الخصخصة، الذي بقي حبراً على ورق. وقد أثبت المدير العام الحالي للمؤسسة كمال حايك أنه لم يستطع الحد من خسائرها أو تحسين وضعها وهو في منصبه منذ مطلع عام 2002. لكننا في لبنان وبعد فشل لـ15 عاماً لا نقوم بأي إجراء فعال».
ويقول المكلف بملف الاقتصاد وعضو مجلس القيادة في الحزب التقدمي الاشتراكي، الدكتور محمد بصبوص لـ«الشرق الأوسط»، إن «قطاع الكهرباء هو الأكثر نزفاً للاقتصاد اللبناني. فنسبة الشغور في مؤسسة كهرباء لبنان هي 50 في المائة. ومجلس الإدارة المؤلف من سبعة أعضاء بقي منه عضوان فقط. والقانون 181 الذي صدر عام 2011 أعطى مهلة ثلاثة أشهر لإعادة تأسيس المجلس. الأمر الذي لم يحصل حتى تاريخه. كما أعطى ستة أشهر لتأسيس الهيئة الناظمة. وهي لم تبصر النور. بالتالي تجري عملية تمديد مخالفة للقوانين إن لرئاسة مؤسسة كهرباء لبنان، أو لجهة تعيين بعض المديرين بالتكليف، هذا بالإضافة إلى عملية توظيف تتم بشكل ملتوٍ، وإتخام المؤسسة بموظفين غير منتجين. كما أنه في غياب الهيئة الناظمة تنحصر العلاقة بين الوزير وأي جهة يفترض التعاون معها من دون رقابة أو تنسيق، لا سيما الهيئات المانحة».

- خطة لم تطبق
يقول بيضون: «عندما كان وزير الخارجية الحالي جبران باسيل، وزيراً للطاقة، اخترع نظرية مفادها أن الهيئات الناظمة تضرب صلاحيات الوزير المفروض أن يكون سيد وزارته، أي تضرب اتفاق الطائف. مع أن مبدأ الهيئات الناظمة وجد لحماية القطاعات العامة من تدخل السياسة وتأمين حقوق المستهلك وحمايته وتحديد سعر البيع، إذ لا يصح أن تفرض السياسة الأسعار».
يقول متخصص عمل في هيئة لتحديث قطاع الكهرباء تحفظ على ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «تقنيا لدينا خطة لم تطبق. وهي تقضي بوجود هيئة ناظمة، كما تقضي بالفصل بين القطاعات الثلاثة للكهرباء في لبنان. وهي معامل الإنتاج والشبكات والتوزيع والجباية. وكان يفترض إعادة تأهيل مؤسسة كهرباء لبنان وتحديث قوانين نظامها. وإشراك القطاع الخاص في إعادة تأهل معامل الإنتاج وكذلك التوزيع والجباية، على أن تبقى الشبكات للدولة، لكن الخطة مشلولة بفعل المحسوبيات والفساد والصراع السياسي».
وأهم معملين لتوليد الطاقة في لبنان هما دير عمار في شمال لبنان والزهراني في جنوبه. ويقول بيضون: «تم إنشاؤهما ليعملا على الغاز وليس على الفيول العادي، وذلك قبل تأمين آلية استيراد الغاز. ومنذ 1996 وهما يعملان على مازوت من أغلى الأنواع. ولنا أن نرصد كميات الهدر».
ويضيف: «المفارقة أن العمل جار لاستيراد غاز سائل. ما يعني بناء مرافئ خاصة. في حين أننا بلد عائم على الغاز الطبيعي، الذي يفترض أن يتم استخراجه قبل الانتهاء من بناء المعامل. وأكبر فضيحة هي استيراد الغاز السائل. ولماذا يتم بناء المرافئ وسوريا عائمة على غاز طبيعي، والعراق وإيران كذلك والأنابيب موجودة. ونحن نتجه إلى دفع مليارات لاستيراد الغاز السائل؟».
ولا تنتهي الفضائح. يقول بصبوص: «الخلل الأساسي في القطاع هو كمية عالية من الهدر. فالهدر التقني موجود في أغلب الشركات ضمن أطر تحدد بـ10 إلى 13 في المائة في لبنان يلامس 15 في المائة. أما الهدر غير التقني ومنه التعليق على الشبكة والتلاعب بالعدادات والتمديد من خارج الشبكات من المحطات مباشرة بالإضافة إلى كمية الطاقة غير المحسوبة. وهذا الهدر يقارب 40 في المائة من الطاقة المنتجة».
ويكشف بصبوص عن أنه في مؤتمر «سيدر» دخل المدير العام لشركة جنرال إلكتريك ليقول للبنانيين، إن شركته حاضرة لبناء المعامل التي تؤمن الطاقة المطلوبة لكل لبنان مع فائض خلال فترة ستة أشهر ويشغلها وبتكلفة أقل مما تدفعه حالياً، ولم يلق جواباً».
وتورد «الدولية للمعلومات» أن العجز المالي لمؤسسة كهرباء لبنان يرجع لأسباب كثيرة، منها صدور قرارات عن مجلس الوزراء بإعفاء مناطق معينة في الأراضي اللبنانية من فاتورة الكهرباء، لأسباب أمنية واجتماعية، وعدم جباية الفواتير من مناطق معينة، لأسباب سياسية. وتمنُّع جهات فاعلة ومؤثرة عن دفع المتوجب عليها، إضافة للتعرفة المنخفضة الممنوحة للامتيازات، وعدم وضع عدادات للمشتركين الجدد، مما يزيد من استهلاكهم من دون دفعهم أية فواتير لقاء ذلك. وذلك بالإضافة إلى قدم شبكة التوزيع، وانخفاض أعداد المشتركين الذين يستهلكون كميات كبيرة ويعتمدون على محطاتهم الخاصة، كما أن الغالبية هي من المستهلكين الصغار الذين لا يتعدى استهلاكهم الشهري 300 كيلووات.

- هدر متصاعد
ويشير بصبوص إلى أنه «خلال الأعوام الممتدة من 2012 إلى 2016، كان الهدر يفوق نسبة 51 في المائة باستثناء عام 2013 عندما تولت شركات خاصة الجباية فقد انخفض إلى 35 في المائة، لكن عندما لم تجد رقابة ومحاسبة عادت إلى الإهمال. مما يعني أن المعالجة ممكنة من خلال كبح الهدر».
ويضيف: «بعد مؤتمر (سيدر) الذي يفرض على لبنان تخفيض العجز بنسبة 5 في المائة لمدة خمس سنوات، أي 1 في المائة كل سنة، اقترح البعض رفع تعرفة الكهرباء لمعالجة العجز من دون أي مجهود فعلي. إلا أن رفع الثمن لن يوقف الهدر لأن من لا يدفع، أو يسرق الطاقة، غير معني بالزيادة، مما يعني تشجيع الملتزمين بالدفع على التشبه بالمتخلفين لأن هذا القرار لا عدالة فيه، مما يفاقم الهدر غير التقني». ويشير إلى أن «مقدمي الخدمات في الجباية والصيانة يتلكئون عن الجباية. واليوم يدفع اللبنانيون فواتير متأخرة منذ عام أو أكثر».
ويعتبر بيضون أن «هناك كذبة تتعلق بالبواخر، لا سيما الباخرة الثالثة التي قيل انها ستقدم 200 ميغاوات مجاناً لمدة ثلاثة أشهر، في حين أن الدولة اللبنانية تدفع ثمن المحروقات، والصيانة والموظفين. ووظيفتها تنحصر بالتغطية لتمديد استئجار البواخر والأرقام الخيالية التي تدفع لها».
ويشير بصبوص إلى أن «الترويج للطاقة العائمة بدأ عام 2010، مع أن هذه الوسيلة لا تلجأ إليها الدول إلا في الحروب والأزمات الكبرى ولفترة وجيزة وليس لثمانية أعوام مرشحة للتمديد، فالحل في المعامل أسوة بكل الدول. وقد تم ومن دون مناقصة، تلزيم معمل دير عمار على طريقة BOT إلى الشركة التي أنشأته مقابل 500 مليون دولار، بالتالي تشغيله لمدة 20 عاماً وتبيع منه الكهرباء للدولة مقابل 2، 95 سنت، على أن يعود بعد ذلك إلى الدولة».
ويضيف: «هنا المقارنة مطلوبة، قرار مجلس الوزراء الذي صدر في 20 / 5 / 2018 خلال الجلسة الأخيرة لحكومة تصريف الأعمال، تمحور حول تمكن وزير الطاقة سيزار أبو خليل من خفض سعر الكيلووات من 6.5 سنت إلى 4.95 سنت، شرط التجديد ثلاث سنوات، وتكليف مؤسسة كهرباء لبنان إجراء اللازم لإبرام العقود وفتح الاعتمادات اللازمة. وفي المقارنة بين أسعار معمل دير عمار وأسعار البواخر نتبين أن الفرق 3 سنت هدر».



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.