طهران والاغتيالات السياسية... ماكينة قمع لا تتوقف

الدول الأوروبية أمام تحدٍ جديد لوقف فرق الموت الإيرانية

الشرطة الهولندية تبحث عن أدلة في محل اغتيال السياسي المعارض للنظام الإيراني أحمد مولي نيسي برصاص مجهولين وسط لاهاي في نوفمبر الماضي (الهولندية للأنباء)
الشرطة الهولندية تبحث عن أدلة في محل اغتيال السياسي المعارض للنظام الإيراني أحمد مولي نيسي برصاص مجهولين وسط لاهاي في نوفمبر الماضي (الهولندية للأنباء)
TT

طهران والاغتيالات السياسية... ماكينة قمع لا تتوقف

الشرطة الهولندية تبحث عن أدلة في محل اغتيال السياسي المعارض للنظام الإيراني أحمد مولي نيسي برصاص مجهولين وسط لاهاي في نوفمبر الماضي (الهولندية للأنباء)
الشرطة الهولندية تبحث عن أدلة في محل اغتيال السياسي المعارض للنظام الإيراني أحمد مولي نيسي برصاص مجهولين وسط لاهاي في نوفمبر الماضي (الهولندية للأنباء)

اعتقال عناصر إيرانية متورطة بالتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا وطرد دبلوماسيين إيرانيين من هولندا الأسبوع الماضي، أعاد إلى الأذهان ماكينة القمع التي انطلقت مع بداية النظام الإيراني بعد الإطاحة بحكم الشاه محمد رضا عام 1979 حيث أخذت أوجها خطيرة في مواجهة معارضي النظام في الخارج بتصفيات سياسية شملت أطيافا مختلفة.
وكانت السلطات البلجيكية قد أعلنت في 2 يوليو (تموز) 2018 عن اعتقال دبلوماسي إيراني مع اثنين آخرين للاشتباه بالتخطيط لشن هجوم بقنبلة على اجتماع لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية في باريس كان يحضره سياسيون من مختلف أنحاء العالم بينهم عدد من الوزراء الأوروبيين والعرب السابقين. واعتقل ثلاثة آخرون في فرنسا وأخلي سبيل اثنين منهم فيما بعد. بيان مشترك للادعاء والمخابرات في بلجيكا كشف عن اعتقال الشرطة لشخصين وبحوزتهما 500 جرام من بيروكسيد الأسيتون، وهي مادة متفجرة يمكن صنعها منزليا من كيماويات متاحة، كما عثر على جهاز تفجير في سيارتهما. البيان أوضح أن رجلا يدعى أمير إس. (38 عاما) وامرأة تدعى نسيمة إن. (33 عاما) اتهما بالشروع في القتل المتصل بالإرهاب والتحضير لعمل إرهابي. وقال مصدر قضائي فرنسي إن ثلاثة أشخاص من أصل إيراني اعتقلوا في فرنسا لتحديد صلتهم بالمشتبه بهما المعتقلين في بروكسل. وأفاد البيان البلجيكي أن دبلوماسيا في السفارة الإيرانية بالعاصمة النمساوية فيينا جرى اعتقاله في ألمانيا.
لم تمض أيام من الحادث حتى أعلنت هولندا عن طرد دبلوماسيين إيرانيين كانا يعملان في سفارة بلادهما في لاهاي دون أن تعلن الأسباب. الحادث جاء بعد نحو ثمانية أشهر من اغتيال السياسي الأحوازي أحمد مولى نيسي في لاهاي، وتزامن مع الكشف عن تفاصيل اغتيال مواطن إيراني يدعى علي معتمد ويعتقد أنه محمد رضا كلاهي - عضو منظمة مجاهدي خلق - والذي تتهمه طهران بتنفيذ عملية تفجير في مبنى حزب «الجمهورية الإسلامية» عام 1981 أدى إلى مقتل 80 شخصا من كبار مسؤولي النظام.
في الاتجاه نفسه، ذكر الناطق باسم الأمن الهولندي هولبرت بريده ماير أن بلاده طردت اثنين من العاملين في السفارة الإيرانية في لاهاي في السابع من يونيو (حزيران)، من دون التطرق لأسباب الطرد واكتفى بقوله: «للأسف لا نستطيع الكشف عن تفاصيل أكثر عن القضية».
لكن تفاصيل الطرد تسربت في تقرير لصحيفة «كيهان الرسمية» المقربة من مكتب المرشد الإيراني علي خامنئي إذ أكدت أن السلطات الهولندية استدعت السفير الإيراني قبل طرد الدبلوماسيين وأبلغته أنها تملك وثائق دامغة تثبت تورط النظام الإيراني في اغتيال أحمد مولى وعلي معتمد لذلك قررت طرد دبلوماسيين إيرانيين من العاملين في السفارة الإيرانية في لاهاي.
وينوه التقرير إلى أن هولندا طالبت وزارة الخارجية بعدم نشر تفاصيل الإجراء وحذرت من اتخاذ قرار مماثل ضد منتسبيها في طهران وأن الطرف الإيراني قبل بشروط الجانب الهولندي، مما أثار حفيظة صحيفة كيهان التي وصفت الإجراء بـ«المذل» و«المسيء» بحق إيران وتباهت باغتيال المعارضين أحمد مولى وعلي معتمد في هولندا.

الاغتيالات في الخارج

وكان النظام الإيراني قد أحكم قبضته الحديدة بحملة إقصاء شملت جميع التيارات التي شاركت في الثورة ضد نظام الشاه منهم القوميون واليساريون والليبراليون. وبينما نصب القائمون على جهاز القضاء المشانق في الداخل ونفذوا أحكام الإعدام بحق الآلاف من المعارضين طارد جهاز المخابرات المعارضين في الخارج ونفذ اغتيالات متعددة في أوروبا والولايات المتحدة شملت المئات من منتسبي النظام السابق ومعارضي النظام الجديد.
لا توجد إحصاءات شاملة عن عدد الاغتيالات التي نفذها النظام في الخارج لتنوع أساليب القتل التي انتهجها النظام لكن مناصرون للنظام تباهوا ببعض العمليات وكشفوا تفاصيل أحكام القتل التي أصدرها النظام ونفذها عملاؤهم في الخارج كما أفلحت بعض البلدان في اعتقال بعض العملاء بعد تنفيذ الاغتيالات أو قبلها مثل حالة اعتقال المواطنين الإيرانيين في بلجيكا.
أبرز تلك العمليات كانت تلك التي استهدفت آخر رئيس وزراء في فترة حكم الشاه شابور بختيار حيث قتلوه طعنا بالسكين في منزله بباريس كما اغتال عناصر النظام شهريار شفيق نجل شقيقة الشاه أشرف بهلوي بإطلاق النار عليه خلال خروجه من منزل والدته. وكذلك زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني صادق شرف كندي حيث قتل وثلاثة آخرون بإطلاق النار في مطعم ميكونوس في برلين بألمانيا. وطالت الاغتيالات فيما بعد خليفة شرف كندي عبد الرحمن قاسملو حيث قتل ومرافقه عبد الله قادري بعدما استدرجه عملاء النظام بذريعة التفاوض حول «مطالب الأكراد» لكنه قتل على طاولة المفاوضات في فيينا. ومن المعارضين الذين قتلوا بنفس السيناريو عبد الرحمن برومند رئيس اللجنة التنفيذية للمقاومة الوطنية حيث قتل أمام منزله في باريس طعنا بالسكين والمغني والشاعر فريدون فرخزاد وقد اغتاله عملاء النظام بنفس الطريقة في بون في ألمانيا وبيجن فاضلي نجل الممثل المعارض رضا فاضلی الذي قتل بتفجير محل يملكه في لندن.
مع ذلك اضطر النظام إلى وقف الاغتيالات الخارجية جزئيا إذ رافقت فترة الثمانيات ومطلع التسعينات حملة استنكار دولي كبيرة خاصة بعد حادث اغتيال الزعيم الكردي صادق شرف كندي إذ استمرت محاكمة الضالعين في عملية الاغتيال - وهما إيراني وأربعة لبنانيين - خمس سنوات حيث تابع الرأي العام بشاعة العملية الدموية على مدى سنوات.
بعد سنوات بدأ القائمون على أوامر القتل والتصفيات خارج إيران ينتهجون أساليب جديدة فبينما لجأ النظام خلال السنوات الأولى إلى منتسبي المخابرات والحرس وعملاء من رعايا البلدان الأخرى خاصة منتسبي الميليشيات ومناصريها، لجأ إلى العصابات الإجرامية الدولية مثل المحاولة الفاشلة لاغتيال السفير السعودي السابق في واشنطن وزير الخارجية الحالي عادل الجبير.
واعترف العميل الإيراني منصور أرباب سیار بذنبه أمام القضاء الأميركي في مؤامرة قتل السفير السعودي لدى واشنطن آنذاك، موضحا أنه سافر إلى المكسيك عدة مرات للترتيب لاستئجار قاتل من إحدى عصابات المخدرات لقتل السفير وإنه اتفق مع أحدهم لتنفيذ الخطة لكنه لم يكن يعرف أن «القاتل المستأجر» هو في الحقيقة مخبر تابع لقسم مكافحة المخدرات كان يتخفى على أنه جزء من عصابة مخدرات مكسيكية، ووافق على دفع 1.5 مليون دولار له وناقش معه خطة قتل الجبير.
طغى خطاب ما بات يعرف بالإعدامات الثورية على قيم نظام الجمهورية الإيرانية مع بدايات تأسيس النظام حيث أقدم رجال الحكم على تأطير الاغتيالات بتأسيس هياكل حكومية مثل «فيلق قدس» التابع للحرس الثوري ومجموعات ضغط متعددة مثل ما يطلق عليها اسم «لجنة تكريم شهداء النهضة العالمية للإسلام» إذ تدعي اللجنة أن لديها بيانات 50 ألف شخص من المتطوعين المستعدين لتنفيذ عمليات انتحارية في الخارج.
ويلجأ عملاء النظام إلى الاغتيالات السياسية عندما لا تتوفر لهم إمكانية اعتقال وإعدام المعارضين وكشفت بعض هذه العمليات عدم اكتراث القائمين على الاغتيالات بتبعات عملياتهم رغم حملات الاستنكار أما في حال لم يكن الرأي العام مهيئا لتلك الإعدامات يلجأ عملاء النظام إلى الاغتيالات السرية لتصفية المعارضين وقتل على هذا الأساس الكثير من منتقدي النظام خنقا وغرقا وبالتسميم وتدبير حوادث الطرق.
واللافت أن أجهزة النظام فشل في تنفيذ كثير من مؤامرات القتل والعمليات الإرهابية منها العملية الأخيرة في باريس مما يكشف مدى وعي أجهزة أمن الدول التي عانت من عمليات النظام الإيراني على أراضيها. خاصة فرنسا إذ قتل النظام الكثير من معارضيه فيها لبث الرعب في البلد الذي يعد أحد أكبر معاقل المعارضين الإيرانيين من مختلف الأطياف.
وعلى الرغم من ذلك لا تبدو لعمليات الاغتيال نهاية، فبعد قرابة أربعين عاما من تأسيس نظام الجمهورية الإيرانية أصبح البلد يملك أجهزة استخبارات موازية ومؤسسات معنية بملاحقة المعارضين والمنتقدين، لا تعير اهتماما بالمواثيق الدولية وسيادة البلدان على أراضيها وهو ما يثير اليوم مخاوف في الدول الأوروبية.



تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».