احتفال حوثي بطقوس إيرانية يستفز اليمنيين المحرومين من الرواتب

جواسيس الجماعة يتنصتون على المقاهي وصالات الأفراح والمآتم

TT

احتفال حوثي بطقوس إيرانية يستفز اليمنيين المحرومين من الرواتب

كثفت الميليشيات الحوثية منذ يومين أنشطتها الطائفية في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لها ابتهاجا بالذكرى السنوية للطقس الإيراني المتمثل في «الصرخة الخمينية»، التي تتخذ منها شعارا لها منذ أن نقلها مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي إلى اليمن وبدأ بترديدها وسط أتباعه في 2002.
وتنفق الجماعة أموالا طائلة على مناسبتها «الطائفية» في خطوة استفزت مشاعر موظفي الدولة بمواقع الميليشيات الذين لم يستلموا مرتباتهم منذ 20 شهرا.
وفي الوقت الذي تحرص الجماعة الحوثية على الإنفاق بشكل سخي على فعالياتها الطائفية المتعددة واحتفالاتها المتكررة من خلال تخصيص مبالغ ضخمة تقدر بمليارات الريالات، دون أن يلقي قادتها أي بال لمعاناة مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين الذين أوقفت دفع رواتبهم منذ 20 شهرا.
وعلى وقع مشاعر الكراهية المتصاعدة التي يكنها للميليشيات الحوثية أغلب السكان الخاضعين لها لا سيما في صنعاء والمدن الرئيسية، تصاعدت مؤخرا مخاوف الجماعة من خطر انفلات الأوضاع الأمنية في ظل احتمالات بتفجر انتفاضات مناهضة واندلاع أعمال انتقامية مسلحة، وهو ما دفعها إلى زرع المئات من الجواسيس من أتباعها في الأحياء والقرى والأسواق والأماكن العامة.
وأكد ناشطون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أنهم رصدوا نشاطا مرتفعا لمخبري الجماعة وجواسيسها في الأماكن العامة، حيث المقاهي والمطاعم والاستراحات، فضلا عن حرصهم على حضور جميع المناسبات الاجتماعية، سواء أكانت صالات للأفراح أو مجالس للعزاء.
وذكر الناشطون، أن النشاط التجسسي لعناصر الميليشيات، وصل إلى الاستعانة بعناصرها من النساء ممن يطلق عليهن «الزينبيات» لاختراق الجلسات النسائية المتنوعة، لترصد أنشطة السكان ومعرفة العائلات المناهضة أو الأشخاص الذين يذكرون الوجود الحوثي بسوء.
وبسبب القمع الحوثي والرقابة المشددة على الاتصالات والتنصت على الهواتف، أفاد عدد من الناشطين بأنهم يتجنبون في اتصالاتهم أي حديث يمس الجماعة وقادتها، وأنهم يلجأون لتبادل الآراء والمعلومات وتناقل الأخبار، إلى مواقع التواصل الاجتماعي أو تطبيقات المراسلة الفورية عبر الإنترنت، خشية أن ينالهم بطش الجماعة الطائفية.
وذكر أحد الناشطين الذين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن مالك أحد المقاهي في جنوب العاصمة لفت انتباهه إلى عدم رفع صوته مع أصدقائه عند التعرض لذكر الميليشيات، نظرا لوجود عناصر أمنية تابعة للجماعة ترصد حديث رواد المقهى.
ويرجح مراقبون للأنشطة الحوثية أن لجوء الجماعة مؤخرا إلى رفع وتيرة أعمالها التجسسية ومراقبة السكان وتحركات الناشطين والصحافيين، جاء على إثر التطورات الميدانية في الساحل الغربي، فضلا عن تكرر حوادث يقف خلفها مناهضون مجهولون قاموا خلالها بتمزيق شعارات الجماعة أو مسحها من على الجدران وتعليق شعارات تتوعد الميليشيات، في صنعاء والحديدة وإب.
ويبدو أن الجماعة الحوثية تخشى أن ينجح السكان في كسر حاجز الخوف، من خلال المجاهرة بمعارضتها والنيل من أفكارها وشعاراتها الطائفية، وهو الأمر الذي قد يمهد إلى تفجر انتفاضات مسلحة للانتقام من الجماعة بخاصة في أوساط العسكريين السابقين والناشطين الحزبيين.
وكانت الميليشيات الحوثية، وجهت أوامر لملاك الفنادق والمقاهي بإلغاء القنوات التلفزيونية التابعة للشرعية اليمنية أو للتحالف الداعم لها، وحذرت المخالفين بالإغلاق والحبس والغرامة المالية، بل وصل الحال بها في مدينة عمران إلى اقتحام منازل عدد من المواطنين للتأكد من عدم مشاهدتهم لهذه القنوات التي ترى فيها الجماعة خطرا يعري فكرها الطائفي وتبعيتها لطهران ويفضح انتهاكاتها بحق المدنيين، فضلا عن رصد هزائمها الميدانية وخسائرها المهولة.
في غضون ذلك، بدأت الجماعة الحوثية منذ يومين تكثيف أنشطتها الطائفية في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لها في سياق احتفالها السنوي بذكرى استقدام «الصرخة الخمينية» والمشروع الطائفي إلى اليمن، وهي المناسبة التي تسعى الجماعة إلى تكريسها في أذهان أتباعها وكأنها حدث تاريخي غير مسبوق، ونقطة مفصلية على الساحة الوطنية.
وشوهدت في شوارع صنعاء المئات من اللافتات الطائفية الجديدة التي علقتها الجماعة على لوحات الدعاية وواجهات المباني، متضمنة عبارات تبجل «الصرخة الخمينية» وتحض السكان على ترديدها باستمرار، باعتبارها كما تزعم «أحد أقوى الأسلحة الفاعلة في تحصين المجتمع من الاختراق الأميركي الإسرائيلي».
كما شوهدت الملصقات الحوثية المحتفية بالصرخة الطائفية الإيرانية على مداخل وبوابات المؤسسات الحكومية الخاضعة للجماعة، وعلى جدران المساجد والمدارس، بالتزامن مع تسيير سيارات تجوب الشوارع بمكبرات الصوت، لبث مقاطع صوتية لمؤسس الجماعة الأول، حسين الحوثي، وأخرى لشقيقه عبد الملك الزعيم الحالي لها، تتضمن الفوائد المزعومة للصرخة الإيرانية.
إلى ذلك، أمرت الجماعة أتباعها والقيادات الموالية لها في المؤسسات الحكومية، بما فيها الجامعات والمعاهد التعليمية، بإقامة الندوات والفعاليات المختلفة لإحياء المناسبة، في الوقت الذي أمر وزير الميليشيات للصحة والقيادي البارز طه المتوكل، الموظفين الخاضعين له بالحضور إلى إحدى قاعات المناسبات في حي الجراف، للاحتفال بترديد «الصرخة» والاستماع إلى محاضرة طائفية له حول الموضوع نفسه.
ويثير إنفاق الجماعة الحوثية على فعالياتها الطائفية المتعددة على مدار السنة، غضبا مكبوتا في أوساط الموظفين الحكوميين، الذين توقفت عن دفع رواتبهم، فضلا عن إنفاقها غير المسبوق على طباعة صور قتلاها وقادتها الصرعى في شوارع المدن.
وعادة ما تلجأ الميليشيات إلى تمويل الفعاليات من إيرادات المؤسسات الخاضعة لها، كما تجبر التجار على دفع مبالغ ضخمة للمشاركة في تغطية النفقات ودفع المكافآت لعناصرها الذين تحرص على عدم وقوعهم في فخ الحاجة كما هو حال أغلب السكان والموظفين.
في السياق نفسه، استغلت الجماعة الحوثية المناسبة الطائفية التي تستمر في الاحتفال بها أسبوعا كاملا، يختتمه عادة زعميها الحوثي بإلقاء خطابه المعتاد، من أجل التحشيد في أوساط السكان ومحاولة استمالتهم للقتال في صفوفها.
وفي خضم الاحتفال الطائفي للجماعة بذكرى صرختها الإيرانية واصلت انتهاكاتها بحق اليمنيين، في أكثر من محافظة، حيث أعدم عناصرها أرملة أمام أطفالها الثلاثة في البيضاء، مع سائق سيارة كان يقلهم بعد أن ادعوا أنه تجاوز نقطة التفتيش بقليل. وبحسب مصادر محلية وشهود، أقدم مسلحو النقطة الحوثية، الثلاثاء، على قتل المرأة وتدعى زينب حمزة فاضل، أثناء عودتها من صنعاء باتجاه محافظة شبوة حيث يسكن زوجها المتوفى، كما أقدموا على قتل السائق الذي كان يقلها بسيارته، وذلك بعد ساعات فقط من اعتقالهم امرأتين أخريين، واقتيادهما إلى أحد سجونها، والحيلولة دون سفرهما رفقة أطفالهما.
وفي مدينة إب، اقتحمت الميليشيات، سكن الأطباء التابع لمستشفى ناصر المعروف بـ«سكن الصينيين» في مدينة إب، وذكرت المصادر أن الجماعة حولت السكن الطبي إلى مقر خاص بمشرفها في المحافظة ويدعى صالح حاجب.
وأمس، أفاد ناشطون في محافظة الحديدة، بأن قياديا في الجماعة يتولى منصب المشرف التربوي لها في مديرية بيت الفقيه، جنوب الحديدة ويدعى حسن داود دهل، أقدم على قتل أربعة من أقاربه، في قرية المداهلة بمنطقة الحسينية، بعد أن أطلق عليهم الرصاص من رشاشه الآلي، لجهة رفضهم التخلي عن قطعة أرض يملكونها في المنطقة لصالحه.
وفي صنعاء، أفادت لـ«الشرق الأوسط» مصادر في حزب «المؤتمر الشعبي» بأن مسلحين تابعين للميليشيات الحوثية دهموا أمس منزل الناشط في الحزب هاني الرداعي وقاموا باقتياده إلى مكان مجهول، يرجح أنه أحد معتقلاتها السرية.
وجاء اعتقال الرداعي بعد أيام من اختطاف ثلاثة صحافيين في صنعاء وذمار، وبالتزامن مع الحملة الحوثية المستمرة التي اعتقلت الجماعة خلالها في غضون أسبوع، عشرات المسافرين والسكان الذين تزعم أنهم موالون للشرعية أو متجهون للالتحاق بمعسكرات طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.


مقالات ذات صلة

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.