القانون 10 سلاح النظام لـ«هندسة» مخيم اليرموك ديموغرافياً

معارضون سوريون وفلسطينيون يتهمون دمشق بمصادرة أملاك النشطاء... ومواصلة تشريد نصف مليون نسمة

بعض سكان مخيم اليرموك يتفقدون مواقع بيوتهم بعد انتهاء المعارك جنوب دمشق في مايو الماضي (إ.ب.أ)
بعض سكان مخيم اليرموك يتفقدون مواقع بيوتهم بعد انتهاء المعارك جنوب دمشق في مايو الماضي (إ.ب.أ)
TT

القانون 10 سلاح النظام لـ«هندسة» مخيم اليرموك ديموغرافياً

بعض سكان مخيم اليرموك يتفقدون مواقع بيوتهم بعد انتهاء المعارك جنوب دمشق في مايو الماضي (إ.ب.أ)
بعض سكان مخيم اليرموك يتفقدون مواقع بيوتهم بعد انتهاء المعارك جنوب دمشق في مايو الماضي (إ.ب.أ)

في إطار عمليات التغيير الديموغرافي التي يقوم بها النظام السوري لإعادة توزيع السكان، قررت الحكومة تشميل «مخيم اليرموك» للاجئين الفلسطينيين، بالقانون رقم 10، بعد تدميره خلال حملة عسكرية ومعارك وقصف، ما يعني مصادرة أملاك معارضين ومواصلة تشريد أكثر من 600 ألف نسمة لسنوات طويلة.
وتمكنت قوات الحكومة السورية وحلفاؤها في مارس (آذار) الماضي، بعد معركة استمرت نحو الشهر ضد تنظيمي «داعش» و«هيئة تحرير الشام» (التي تضم فتح الشام أي النصرة سابقاً) من السيطرة على مناطق جنوب العاصمة؛ وهي «مخيم اليرموك» وناحية «الحجر الأسود» والقسم الشرقي من حي القدم والجنوبي من حي التضامن.
جاءت هذه المعركة في إطار مساعي النظام لتأمين دمشق ومحيطها، بعد إغلاق ملف وجود المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية لدمشق ومنطقة القلمون الشرقي بريف العاصمة الشمالي الشرقي، وبلدات يلدا وببيلا وبيت سحم في الريف الجنوبي.
ويعد «مخيم اليرموك» من أبرز مناطق جنوب دمشق، ويتبع إدارياً محافظة دمشق، ويقع على بعد أكثر من 7 كيلومترات من مراكز العاصمة، وتصل مساحته إلى كيلومترين مربعين.
ويلُقّب المخيم بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني»، وأقيم في عام 1957 على بقعة زراعية صغيرة، ومع مرور الزمن تحول إلى أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا ودول الجوار، وراح اللاجئون يحسّنون مساكنهم ويشيدون الأبنية الطابقية لتتسع للعائلات الكبيرة والمتنامية، وباتت منطقة حيوية تستقطب السوريين من الريف للعيش فيها، لقربها من دمشق.
وبعد السيطرة على المخيم، فوجئ الأهالي بحجم الدمار شبه الكامل الذي طال شوارعه وحاراته وأزقته، سواء في شارع «الثلاثين» أو«اليرموك الرئيسي» أو«فلسطين»، لدرجة أن كثيراً منهم لم يستطع التعرف على حاراتهم ومنازلهم، بسبب الدمار الهائل وأكوام الركام في الطرق الرئيسية والفرعية الناجمة عن انهيار معظم الأبنية.
وفي محاولة من النظام وحلفائه للتقليل من حجم الكارثة التي لحقت بـ«مخيم اليرموك» بسبب الدمار الكبير الذي حصل فيه، وبث الأمل في نفوس الأهالي بالعودة إلى منازلهم، صرح عدد من قيادات الفصائل الفلسطينية التي تقاتل إلى جانب النظام، بأنها تعمل لدى النظام لإعادة الأهالي إلى منازلهم بأسرع وقت ممكن بعد إزالة الأنقاض من الشوارع، في إشارة إلى الأهالي الذين يمكنهم ترميم منازلهم على نفقتهم الشخصية.
ورغم تأكيدات سابقة من النظام وعلى لسان حكومته بعدم إدخال «مخيم اليرموك» ضمن القانون رقم 10، وهو ما أكدته أيضاً «اللجنة المحلية لمخيم اليرموك» التابعة لمحافظة دمشق، وأمانة سر «تحالف القوى الفلسطينية» في يونيو (حزيران) الماضي عبر زعيمها خالد عبد المجيد، بأن القيادات السياسية والأمنية السورية، أكدت لهم أن «مخيم اليرموك» لن يكون ضمن المخططات التنظيمية لمدينة دمشق، فإن مجلس وزراء النظام وخلال جلسة عقدها بتاريخ 1 يوليو (تموز) الحالي، كلف وزارة الأشغال العامة، بحسب ما نشرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) ووسائل إعلام محلية، بوضع مخططات تنظيمية لأحياء جوبر وبرزة والقابون ومنطقة «مخيم اليرموك» بدمشق، على أن يتم من خلالها مراعاة خصوصية كل منطقة وفقاً لمقوماتها العمرانية والصناعية والحرفية.
وفي بداية أبريل (نيسان) الماضي، أصدر النظام مرسوماً رئاسياً بالقانون رقم 10 لعام 2018 القاضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، وذلك بمرسوم بناءً على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة، حيث منح القانون الوحدات الإدارية صلاحية إحداث مناطق تنظيمية ضمن العقارات المنظمة للمدينة أو البلدة، وإزالة الشيوع وإخضاعها لنظام الأسهم.
وجاء القانون رقم 10 لعام 2018 ليعدل المرسوم 66 لعام 2012 الذي خصص لحلّ أزمة المناطق العشوائية. ويتيح القانون للوحدات الإدارية المشاركة تسريع وضع المناطق التنظيمية، لكن الإعلان عن القانون كان مفاجئاً في توقيته، لتزامنه مع إخلاء الغوطة الشرقية لدمشق، وأثار ردود فعل غاضبة، وسط اتهامات للنظام بإتمام عملية التغيير الديموغرافي، إذ إن الخاسر الأكبر من هذا القانون سيكون المهجرين قسرياً وأهالي المفقودين ومجهولي المصير، وكل من لا يمكنه إثبات ملكيته للأرض خلال فترة شهر من تاريخ إعلان صدور مرسوم إحداث المنطقة، بحسب المادة الثانية من القانون، التي نصت على أن «كل من له علاقة بعقارات المنطقة التنظيمية أصالة أو وصاية أو وكالة أن يتقدم إلى الوحدة الإدارية خلال 30 يوماً من تاريخ الإعلان بطلب يعيّن فيه محل إقامته المختار ضمن الوحدة الإدارية، مرفقاً بالوثائق والمستندات المؤيدة لحقوقه أو صور عنها إن وجدت، وفي حال عدم وجودها عليه أن يذكر في طلبه المواقع والحدود والحصص والنوع الشرعي والقانوني للعقار أو الحقوق التي يدعي بها وجميع الدعاوى المرفوعة له أو عليه، ويجوز لأقارب أصحاب الحقوق حتى الدرجة الرابعة أو بموجب وكالة قانونية ممارسة الواجبات والحقوق المنصوص عليها في الفقرة السابقة نيابة عن أصحابها».
في هذه الحال، سيستفيد من لديه ثبوتيات ملكية، وفي حالة الوفاة تطلب الثبوتيات حصر إرث، وشهادة وفاة رسمية، ما يحرم مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين والسوريين من حقوقهم، كالمعتقلين لدى النظام من الذين لا يعترف بموتهم، وأيضاً المتوفين في مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة ولم تسجل وفاتهم في السجلات الرسمية، والمفقودين ومجهولي المصير، الذين ما زالوا أحياء في الأوراق الرسمية، وكذلك النشطاء من لاجئين فلسطينيين وسوريين ممن شاركوا في الحراك السلمي في بداياته وفي الثورة لاحقاً وجرى تهجيرهم قسرياً والذين هم مطلوبون أمنياً للنظام وبالتالي لا يمكنهم القدوم إلى البلاد وإثبات ملكيتهم.
ووصل عدد اللاجئين الفلسطينيين في «مخيم اليرموك» قبل الحرب إلى ما يقارب 200 ألف لاجئ من أصل نحو 450 ألف لاجئ في عموم سوريا، موزعين على 15 مخيماً في 6 مدن.
وإلى جانب اللاجئين الفلسطينيين، كان يعيش في المخيم نحو 400 ألف سوري من محافظات عدة، بينما يقدر مهتمون بشؤون «مخيم اليرموك» عدد سكانه بأكثر من 750 ألفاً بين لاجئ فلسطيني ومواطن سوري، نزح غالبيتهم في السنة الثانية للحرب.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»، أحد النازحين من المخيم، وهو في العقد الخامس من العمر ويقيم في حي بأطراف العاصمة: «انتهى حلم العودة إلى بيوتنا، قد يستغرق الأمر 10 أو 15 عاماً، وقد لا أرى ذلك اليوم»، في إشارة إلى المدة الزمنية الطويلة التي ستستغرقها عملية إعادة البناء كما هو حاصل في منطقتي بساتين الرازي بحي المزة وكفر سوسة المشمولتين بالمرسوم رقم 66 وبدء العمل بهما منذ عام 2012 ولم ينتهِ حتى الآن.
بعض الأهالي النازحين من المخيم ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، يعتبر أن التدمير الذي جرى في منطقتهم هو بمثابة مكافأة للموالين للنظام في المناطق والأحياء المجاورة للاستمرار في استغلالهم ببدلات إيجار الشقق السكنية.
وخلال سنوات الحرب التي تشهدها البلاد، ارتفعت بشكل تدريجي بدلات إيجار الشقق السكنية أضعافاً مضاعفة، وتصل في بعض المناطق إلى 20 ضعفاً عما كانت عليه قبل الحرب، ذلك أن بدل إيجار شقة مؤلفة من غرفتين ومنافع في محيط دمشق يصل إلى ما بين 150 و200 ألف ليرة سورية، بينما يصل في وسط العاصمة إلى أكثر من 300 ألف، وأحياناً إلى نصف مليون ليرة. وتتم عملية إيجار الشقق بموجب قانون سنّه النظام منذ زمن بعيد، وهو عبارة عن عقد بين المؤجر والمستأجر، يتضمن شروط التعاقد من مدة زمنية وبدل الإيجار (الدولار يساوي 450 ليرة).
وبات أصحاب الشقق السكنية في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، يشترطون ألا تتجاوز المدة الزمنية للعقد 3 أشهر، من أجل رفع قيمة بدل الإيجار الشهرية كلما تم تنظيم عقد جديد، كما باتوا يشترطون دفع بدلات الإيجار عن الأشهر الثلاثة دفعة واحدة سلفاً بمجرد تنظيم العقد.
وبما أن العقد يعتبر منتهياً بمجرد انقضاء مدته الزمنية، يعمد كثيرون من أصحاب الشقق السكنية إلى الطلب من المستأجر الإخلاء إذا لم يتوفر معه مبلغ بدل الإيجار عن 3 أشهر جديدة.
وإن كان «مخيم اليرموك» بدا هادئاً في السنة الأولى للأحداث عندما كانت المظاهرات المناهضة للنظام تعم المناطق المجاورة له في «الحجر الأسود» وجنوب «حي التضامن» وبلدتي يلدا وببيلا، وحيي القدم والعسالي، فإن الحراك الثوري فيه كان كالنار المتقدة تحت الهشيم، الأمر الذي شعر به النظام، ما دفعه حينها إلى تحذير الأهالي هناك عبر قيادي فلسطيني من على أحد منابر العاصمة بالقول: «اليرموك لن يكون أغلى من حمص وحماة ...»، في إشارة إلى أن النظام يمكن أن يدمر المخيم على رؤوس سكانه.
بعد ذلك بفترة وجيزة نجحت فصائل من «الجيش الحر» في السيطرة على المخيم، عقب دخولها إليه من جهة «الحجر الأسود»، وحي «التضامن» إلى الشرق، وحيي القدم والعسالي من الغرب، مع وجود مجموعات مسلحة فلسطينية نائمة في المخيم اختارت أن تقف إلى جانب الشعب السوري ضد الظلم الذي طاله من جانب النظام.
وإلى جانب مجموعات «الجيش الحر»، شكل اللاجئون الفلسطينيون في المخيم آنذاك كثيراً من التشكيلات العسكرية منها «كتائب أكناف بيت المقدس»، و«العهدة العمرية»، و«زهرة المدائن»، و«أحرار اليرموك»، و«كتيبة ابن تيمية»، ومجموعات «القراعين» و«الزعاطيط» و«السراحين» و«أبو عدي عمورة». وحل البلاء بـ«مخيم اليرموك» بفعل 3 صواريخ أطلقتها طائرات النظام في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2012، وكانت كفيلة بإحداث نكبة لسكانه تجاوزت في مآسيها نكبة عام 1948 ونكسة 1967، حيث قتل وأصيب عشرات المدنيين، ونزح أكثر من 90 في المائة من سكانه.
بعد ذلك شهد المخيم فوضى عسكرية عارمة بسبب وجود مجموعات مسلحة مختلفة وتحت أجندات وتسميات متباينة، وطغى أيضاً حضور الفصائل الإسلامية المتشددة على حساب «الجيش الحر» الذي انتهى وجود مجموعاته والمجموعات الفلسطينية، إما بالتفكك أو الاندماج مع «جبهة النصرة» أو «داعش» الذي كان يتخذ من «الحجر الأسود» معقلاً رئيسياً له وسيطر في بداية أبريل 2015 على جزء كبير من المخيم، إلى أن سيطر النظام وحلفاؤه عليه في مارس الماضي.
وبعد أن فضل عدم الكشف عن اسمه خوفاً من الملاحقة الأمنية، يقول لـ«الشرق الأوسط» أحد سكان المخيم: «من يجرؤ ممن وقفوا إلى جانب الشعب السوري سواء ممن بقوا داخل البلاد أو هجروا إلى خارجها على القدوم لإثبات ملكيته، حتماً سيكون مصيره الاعتقال والموت داخل المعتقل»، ويضيف: «من يجرؤ من أقارب هؤلاء على تقديم أوراق ملكية لهم؟».
ومن ضمن من تم تهجيرهم قسرياً من المخيم ومن البلدات المجاورة (يلدا، وببيلا، وبيت سحم) إلى شمال البلاد ضمن ما يسميه النظام «اتفاقات مصالحة» الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين والمواطنين السوريين ممن كانوا يقطنون «مخيم اليرموك».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.