منتدى التعاون الصيني ـ العربي ينطلق اليوم على وقع المصالح المشتركة

طريق الحرير يحمل التجارة مروراً بالطاقة إلى التكنولوجيا

منتدى التعاون الصيني ـ العربي ينطلق اليوم على وقع المصالح المشتركة
TT

منتدى التعاون الصيني ـ العربي ينطلق اليوم على وقع المصالح المشتركة

منتدى التعاون الصيني ـ العربي ينطلق اليوم على وقع المصالح المشتركة

تنطلق اليوم في العاصمة الصينية بكين الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي، ويفتتح المنتدى الرئيس الصيني شي جينبينغ، بحضور الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت وأحمد أبو الغيط أمين عام جامعة الدول العربية بالإضافة إلى عادل الجبير وزير الخارجية السعودي ومستشار الدولة وزير الخارجية الصيني وانغ يي. ويُنتظر أن يلقي الرئيس الصيني شي جينبينغ خطابا في الجلسة الافتتاحية تقديراً لأهمية علاقة بلاده بالدول العربية.
كما التقى على هامش أعمال الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، أمس وانج تشي شان نائب رئيس الصين. وقال السفير محمود عفيفي، المتحدث الرسمي باسم الأمين العام، إن اللقاء شهد حواراً حول سبل تحقيق نقلة نوعية في مجرى العلاقات العربية الصينية خلال المرحلة المقبلة تأسيساً على العلاقات التاريخية المتميزة التي تربط الصين والمنطقة العربية، والتي يدعمها حالياً وجود توافق في الرؤى بين الجانبين حول الكثير من الموضوعات، بما في ذلك من خلال الحوار المؤسسي الذي يجسده منتدى التعاون العربي الصيني.
وعلى صعيد متصل، بحث وزير الخارجية المصري سامح شكري أمس مع وانج تشي شان نائب الرئيس الصيني، العلاقات الثنائية بين مصر والصين وسبل ارتقائها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مؤكدا تقدير مصر لتلك العلاقات التي تتميز بقدر كبير من الخصوصية.
وأوضح بيان للخارجية المصرية أن نائب الرئيس الصيني أكد حرص بلاده على دعم الجهود المصرية لتحقيق التنمية، مشيرا إلى أن العلاقة القوية والمصالح المشتركة وتطابق المواقف بين البلدين.
ويهتم الجانبان العربي والصيني بتهيئة الخطط لخلق تعاون استراتيجي شامل مشترك بين الجانبين، يتضمن السياسة والأمن والترابط الاستراتيجي والتعاون العلمي والتبادل الإنساني والثقافي وغيرها. ويستغل الطرفان الإرث الكبير في العلاقات العربية الصينية منذ زمن قديم حين كانت التجارة هي مصدر العلاقات الأول وذلك عبر طريق الحرير البحري والبري القديم الذي ساهم في التواصل بين الطرفين منذ القدم، مروراً بفترة كانت الطاقة هي محور العلاقات بين البلدين من خلال التبادل والبيع وإعادة التكرير، حتى وصل الطرفان إلى شراكة في مجال التكنولوجيا من خلال المركز الصيني العربي لنقل التكنولوجيا. ونتج عن الاهتمام المشترك بالتكنولوجيا إقامة المنتدى الصيني العربي لنظام «بيدو» للملاحة بالأقمار الاصطناعية كما يرى المصري الدكتور إمام غريب الباحث والمهتم بتاريخ العلاقات العربية الدولية.
وقال أحمد حسن اليافعي رئيس الجالية العربية في كوانزو بالصين أن التعاون الاستراتيجي بين الدول العربية زادت فعاليته مع تأسيس منتدى التعاون الصيني العربي في عام م 2004 وأصبح هذا المنتدى بمثابة إطار التعاون بين الدول العربية والصين في مجالات متعددة. مبينا أنه وبحكم عمله في الصين والتقائه بعدد من الدبلوماسيين فإن الصين لديها رغبة في تعزيز التعاون المتبادل مع الدول العربية».
مبادرة «الحزام والطريق»
يقول شدد شاو شنغ مسؤول إدارة غرب آسيا وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية الصينية في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) عام 2013 طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ مبادرة «الحزام الاقتصادي لطريق الحرير» و«طريق الحرير البحري في القرن الـ21» مع الدول الواقعة على طول مبادرة «الحزام والطريق». والهدف من مبادرة «الحزام والطريق» هو تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي والإنساني لتحقيق التواصل السياسي، وكذلك ترابط الطرق وبالتالي تدفق التجارة بين البلدان، وزيادة التفاهم بين الشعوب.
ويعلق على ذلك المهندس عرفات حراحشة رئيس مجلس رجال الأعمال العرب في الصين بقوله: «مبادرة الحزام والطريق هي مبادرة شاملة تهدف إلى خلق مزيد من التعاون والنجاح المشترك انطلاقا من التجربة الصينية التي أبهرت العالم ومن خلال هذه المبادرة التي تركز على وضع سياسات واضحة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية والثقافية للاستفادة من الإمكانيات المتاحة لدى الشركاء والعمل على استغلالها إيجابيا».
التعاون الاقتصادي والتجاري
ومنذ تأسيس منتدى التعاون العربي الصيني، تم توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية في التعاون الاقتصادي والتجاري بين الطرفين، وظهر تزايد واضح في حجم التجارة كما يشير مسؤول إدارة غرب آسيا وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية الصينية في حجم التجارة.
ويرى عادل الطالبي نائب رئيس مجلس الجاليات العربية أن مثل هذه الخطوات إيجابية من قبل صانعي القرار في الدول العربية، مؤملاً أن تعود هذه العلاقات على الدول العربية وكذلك الصين بصورة إيجابية كمنفعة متبادلة للطرفين.
ويذكر شاو شنغ أن بلاده أصبحت ثاني أكبر شريك تجاري للدول العربية إذ بلغ حجم التجارة بين الصين والدول العربية 36.7 مليار دولار في عام 2004 وتجاوزت 100 مليار دولار في عام 2008 وما زالت في تصاعد تدريجي حتى وصلت إلى مبلغ 191.352 مليار دولار في عام 2017 بزيادة 11.9 في المائة عن العام الذي سبقه.
الأمن والسلام
ظهر تعاون واضح بين الطرفين منذ تأسيس منتدى التعاون الصيني العربي، في مجال الأمن والسلام ويرى عصام طويلة ممثل الجالية الأردنية وعضو مجلس رجال الأعمال العرب بالصين أنه «مع تسارع الأحداث السياسية والاجتماعية التي أثرت بشكل كبير على أمن وسلام الشرق الأوسط ومن حوله كان لا بد من إظهار الوجه الآخر الحقيقي لحرص مجتمعات الشرق الأوسط على كل نواحي الأمن والسلام وذلك بتعزيز الحركة الاقتصادية والاجتماعية الكبرى من وإلى الصين». مضيفا أن «التجمعات الاقتصادية العربية كانت خير مثال وطريقا مختصرا للعمل التجاري الجاد بتجمع اقتصادي كبير ويكبر كل يوم ليكون توجه المجتمعات نحو المنفعة الربحية الجيدة التي تساهم بقوة بإحلال الأمن والسلام اللازم لذلك التقدم الاقتصادي». ويبدي طويلة شكره لكل من ساهم بهذا التعميق المباشر وغير المباشر لمفهوم الاقتصاد والتجارة وما تفعله بالأمن والسلام لكل الأطراف المشاركة بذلك التعاون.
التنمية الاجتماعية
للتنمية الاجتماعية أهمية كبيرة ولذلك كان لها نصيب كبير من الاهتمام بين الطرفين منذ تأسيس منتدى التعاون الصيني العربي، وتمت زيادة التعاون في مجالات الصحة والتعليم والعلوم والتكنولوجيا والزراعة والغابات وحماية البيئة وغيرها من مجالات التنمية الاجتماعية، ويرى ياسر هنيئة عضو مجلس رجال الأعمال العرب أن جانب التعاون الثنائي في المجال الاجتماعي مهم للطرفين ولا سيما «في خضم الأحداث العالمية المتلاحقة والأوضاع السياسية المتوترة حيث تخيم على العلاقات الدولية توترات متعددة وعلى جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والتجارية وغيرها، مما يتحتم على الطرفين الصيني والعربي تعزيز ومد المزيد من جسور التعاون المشترك فيما بينهما وضرورة السير معاً».
المجال الثقافي
قال باي هيبو مدير الإعلام والعلاقات الأجنبية بوزارة الخارجية الصينية إن بلاده والدول العربية لديها تاريخ وحضارة طويلة أثرت على العالم. ويرى رئيس منتدى رجال الأعمال العرب في الصين المهندس عرفات حراحشة أن «أهم ما يميز الحضارتين العربية والصينية هو تنوعهما الثقافي الثري وتعمل الدول العربية والصين على فتح المجال أمام انسياب هذا الموروث على كافة المستويات الثقافية والفنية والتعليمية وأكثر ما نلحظ هو حجم المنح الثقافية والتعليمية والمكتبات والمعاهد لتعليم اللغة الصينية في الدول العربية واللغة العربية في الجامعات الصينية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...