أيّامُنا العَصيبَة

TT

أيّامُنا العَصيبَة

قريتي الظاّلمة تحفلُ بالكلاب.
تجمَدُ حركَتُها كُلّما أدرْتُ المقبضَ في الصباح. تلفتتُ أعناقُ الحي نحوي، والنّظراتُ تصوّبني حالما أتجاوزُ ظلّ بيتي على عتبة الباب. أمشي في الحيِّ، والعيونُ خلال مشربيّاتِ النّوافذِ تلاحقُ خطوتي، وكُلّما مررتُ بنساءٍ على الأبواب، خفضْنَ هذرتهنّ، والتقطتُ مِنَ الهمسِ حروفَ اسمي وشيئاً عن الكلاب.
إنّي أموتُ كلَّ ليلة، أعودُ فيها إلى بيتي فيصافِحُني شخيرُ زوجي على أريكة مِنْ خيزران، أنفُه محمرّ وكرشتُه منفوخة من الخَمْر، بينَ قدميْه قنّينة طريحة، انسكَبَ آخرُها على حصيرة بالية، وبقُرْبِها عِظامُ عشائه في طبقٍ أعدتْهُ له ابنتنا قبْل النّوم. لا يخشى أبوها علَي الليل، ليس لأنّ الكلابَ تسْتَنْكفُ أن تهاجِمَ امرأة في الخَمْسين مثلي، بلْ لأنّ الحياة تمضي بهِ ثملاً على أريكتِه ليلاً، أو مترنّحاً بينَ حاناتِ القرية في النّهار.
أخبرتُه يوماً، على مسمعِ ابنتِنا، بأمر كلبٍ تعقّبَ عودَتي مِن بيتٍ عاونتُ فيهِ قابلة القرية الحدباء بولادة تعسَّرت، كلماتُه تمغّطتْ سكْرانة بلسانٍ مُرتخٍ «كلابُ القرية لا تتعقّبُ العجائز».
لكنّ الكلبَ الذي اقتفى أثري بأنفِه ظلَّ يتبعُني كلَّ ليلة. تشعُّ عيناهُ حين التفتُ ورائي، يكشِّرُ عن أنيابه مزمجراً ويسيلُ لعابُه، فتَتَّسِعُ خطوَتي محاذرِة انقضاضَه. حتّى إذا بلغتُ مشارفَ الحي انقطعتْ زمجرتُه واختفى مثلَ عفريتٍ يلتحمُ بالظّلام. حينَ استجرتُ منهُ بزوجي ثانية، همَدَ على أريكة الخيزرانِ يعبُّ من زجاجته، مسَحَ فمَه بكمِّه، وأشارَ نحوي بقاعِ القنّينة قابضاً على عنقِها «أخْبريني أيّتها المُتصابية، بمَ أغويتهِ؟»
فتوليّتُ عنْه. كان محقاً بشأنِ الكلاب. يعلمُ الأهالي كلُّهم أنّها من الغرابة أن تمّيزَ رائحة الشّاباتِ مِن إناثنا عنْ غيرِهنّ. اختلطَتْ على كلبِ اللّيلِ رائحتي؟ أخبرتْني ابنتي بالأمس عن بضعة كلابٍ حاصرَتْ بنتَ الخيّاطة وهي تحمِلُ على رأسِها صرّة ثيابٍ إلى بيتٍ مُجاور. مزّقتِ الأنيابُ الصرّة لمّا وقعتْ أرضاً ونهشَتْ ساقَ الفتاة، فتكَتْ بها لوْلا أدركتْها أمُّها بجذْوة مِن نار، فرّقتْ بها الكلابَ وهي تجْأر.
لكنّ القرية لمْ تكترِث، حتّى عندما هاجمَ قطيعٌ ضالّ أغناماً ترعى في المروج، عجَزَ راعيها عَن دفعِها بعصاه، واكتفى بتصويرِها بعدسة هاتفه وهي تبقرُ بطنَ شاة وتجرُّها من أحشائِها. تصويرُ الرّاعي الذي انتشَرَ مثلَ عدوى بينَ الأهالي، بلغ هاتفي مساءَ اليومِ نفسِه. شغّلتُ المقطعَ؛ كان مِن الشّناعة أنّي لَمْ أكمِلْ مُشاهدَتَه. وفي كآبِة غَسَقِ المَغيب، كان الأهالي يُعيدون تشغيلَ المشهدِ في بيوتِهم، وخوارُ الشّاة المذْبوحة وهي تُسحلُ بينَ نُباحِ الكلابِ يرتفعُ بصخبٍ كريهٍ من بيوت القرية متفاوتاً دونَ انسجام. تداوَلَ الناسُ المقطعَ بهوسٍ محموم، رغْمَ البَشاعة.
ثمّ أتتْ ليلة اتخذَ القمرُ فيها هيئة ظهرِ القابلة العجوز، وتخلّفَ كلبُ الليلِ عَن ملاحَقتي. كنتُ عائدة من تطعيمِ صغارِ حي بعيد. وحين اقتربتُ مِن حارتِنا وحاذيتُ حقلَ المانجا، أفزَعَني وثوبُ ثلاثة أشباحٍ من الأحراشِ اعترَضوا طريقي، أوسطُهم يحمِلُ فانوساً شاحبَ الضّوءِ من زجاجة كدَّرَها السّخام. ضمَّني واحدٌ منهم مِن خلفي وفحَّ بأذُني «لا جدوى مِن استغاثة لا يسمعُها أحد». حاولتُ التخلّصَ مِنه. لكنّه تعاونَ والآخرُ على حمْلي، رفعاني من يدي ورجلي إلى الحقل وأنا أنتفض، سارا يحملاني كالذّبيحة في الأحراشِ خلفَ حاملِ الفانوسِ الأسخم. علّقَه على جذْعِ شجرة طرحاني تحتَها، وَكمَن باغَتَهُم مسٌّ جَماعيّ، شرَعوا بتمزيقِ ملابسي. كِسرُ الأغصانِ اليابسة آذتْ بشْرة ظهري لمّا سحقوهُ على التراب. قاومتُهم حتى خارتْ قواي. استسْلمتُ. لم يحفلوا بتوسّلاتي. استرحامي تحوّل خواراً لمّا ثبّتوني، وصرتُ تحتهم أختضُ مثل جُثة باردة تغزُّها أسياخُ النّار، فروعُ الشّجرة فوقي ظلالُ أشواكٍ تعتَرِضُ حدبة القمَر. شعرْتُ بسخونة دمْعي أسفلَ صدغي يَسُحُ إلى أُذُنيّ. حتّى إذا فرِغوا منّي، قاموا يبصقون على عُرْيي. لمْلمتُ مزقَ ثيابي المُعَفّرة بالطّين، بينما شبكوا أزرارَ قُمصانِهم مُنْتَشين. تناولَ أوسطُهُم فانوسَه المعّلقَ على الجِذْع، وغارَ في ظُلمة الحَقْل مع صاحبيه، تلاشتْ ضَحَكاتُهُم بعيداً حوْلَ نقطَة الضّوْء.
إنّي أعرفُ سرَّها الآن، تلكَ النّظراتِ الطاّفِحَة بالرّيبة، وَوَشْوَشة نساءِ الحي وراءَ ظهري. كانَ زوجي في الحانة يومَ جاءتْني القابلة العجوزُ عصراً تطرقُ الباب. جلسَتْ وهمَسَتْ كي لا تسمع ابنتي. واسودتِ الدّنيا حينَ قالت إن المقطَعَ بدَأَ ينتشِرُ في القَرية. «ملامِحُكِ في ضوْءِ الفانوسِ الأصْفر، يا ابنتي، لا يُخطِئُها أحد». بيدي واريتُ وَجْهي. وَدَدْتُ الموتَ لحظتها. عانقَتْني. بكَيْتُ على كتْفِها. بكفِّها مسَحَتْ دمْعَتي. شجَّعَتْني «اذْهبي إلى عُمْدة القرية. نالي مِنهُم».
وَها أنا ذا، ما برِحْتُ مَنزلي لأربعة أيّام، مذُ خرجتُ مُتَلَفِّعَة إلى مقرِّ العُمدة، رفعتُ خِماري عندَه، وأخبَرْتَهُ بكلِّ شيء. لنْ أنسى نهوضَهُ وراءَ مكتبِهِ الخشبي المسوّس، وسبّابَتُه التي انتصبَتْ أمام شفَتَيْه:
«عودي إلى بيتِك يا امرأة. والتزِمي الصّمت»
فعدتُ خائبة إلى بيتي، حبيسة حجْرَتي وَخَبري يتفَشّى. أطلُّ مِن الكوّة وقت الغروب، أرى أمّهات حيّنا على العتباتِ ينادينَ فَتياتهنّ، فإذا حَلَّ الظَّلامُ ضَجَّتِ المزالجُ خلْفَ الأبْواب الموصدة، واقْفرّتِ السّكَكُ إلاّ مِن أخيلة تذوي سريعاً في امْتدادِ الحارة. غاراتُ الكلابِ لَمْ تُهادِنْ. وخوْفي على القرية يستحيلُ مقتاً.
إنّي أموتُ كلّ ليلة. لا أمسُّ زاداً تدفَعُهُ إلى بُنَيَّتي. تُقَرْفِصُ المسْكينة أمامي تُكلِّمُني فأَعْرِضُ عنْها. تقومُ عنّي، تُلقي علَي نظرة تقْطِرُ حَسرة، قَبْلَ أنْ تُغلِقَ دوني الباب.
وَقَدْ ارتأيتُ الخَلاص. سامِحيني يا ابْنَتي. لَنْ أموتَ ذبولاً بينَ الجُدران. وَغداً قبْلَ الشّروق، أَخْرُجُ إلى الحَقْل. ثمّ لَنْ يراني أحد».
كانَ ذلكَ آخر ما كتَبَتْهُ أُمّي في أوراقٍ عثرْتُ عليْها مُبَعْثَرة في حُجرتِها. شهدَتْ القرية أياماً عصيبة بعدَ رحيلِ أمّي. أضْربَتْ زميلاتُها تتزَعَّمَهُنَّ القابلة العجوزُ عَن العمَلِ خوفاً مِن الكِلاب. مُديريَّة أمْنِ المقاطَعَة أرسَلَتْ إليْنا مُخبِريها لّمّا بلغها الأمْر. تعَقَّبوا أصحابَ مقطَعِ أمّي. وشنّوا حمْلَة مُداهماتٍ أسْفَرَتْ عَن ْاصطيادِ الثلاثة كالجِرْذان، واحداً تِلْوَ آخر.
لكِنَّ القابلة العجوزَ لم تكتَفِ: «الكلاب».
فَما كانَ مِن راعي الغَنَمِ إلاّ أنْ ساقَ شاة إلى قَصّابِ القرية يشَحَذُ سِكّينَه. في ساحتنا أهْرَقَ دَمَها، وحَشا لَحْمَها بالذّعاف، ثمَّ ألْقى بِهِ في السِّكَكِ َمع عِظامِها المَغْموسَة بِالسُّمّ. ظلّتِ الأيامُ التي تَلَتْ عُثورَ راعي الغَنَمِ على أمّي مَشْنوقة في الحقلِ تحت شَجَرة المانجا، تُصَبِّحُنا بكلابٍ مصروعة علَى الطُّرُقات، فاغِرة أَعْيُنها وألْسِنتها تَتَدَلّى بينَ أنيابِها. لكنَّ نباحاً لم يزلْ يضجُّ من أماكن بعيدة في الليالي المُظْلِمَة. وَأيّامُنا العَصيبة بعد لَمْ تَنْتَهِ.
- كاتب كويتي



حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.


«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.