محمد عزو حلوب.. الطفل الذي كبر ليخون قريته

كان يتصل ببعض شباب القرية لإقناعهم بالانضمام إليه مع وعود بإغداق المال عليهم

محمد عزو حلوب.. الطفل الذي كبر ليخون قريته
TT

محمد عزو حلوب.. الطفل الذي كبر ليخون قريته

محمد عزو حلوب.. الطفل الذي كبر ليخون قريته

كان محمد عزو حلوب، الذي نشأ وترعرع في قرية «علوك» الواقعة في شمال شرقي سوريا، شابا محترما بكل المقاييس. وقد عرفه أهل القرية منذ نعومة أظفاره، ثم شاهدوه وهو يكبر ليصبح مدرسا بإحدى مدارس القرية، ثم ليتحول في ما بعد إلى مهنة المحاماة. كان محمد رب أسرة في الثلاثين من عمره، وكان يعول ثلاثة أطفال. يقول عبد الرحمن وهو يهز رأسه في حزن «لقد اعتقدنا أنه مهذب ومتحضر». وكان هناك شيء واحد يميزه عن باقي شباب القرية، يضيف عبد الرحمن «كنا نعرف أن والده كان رجلا متشددا في تدينه، لكن لم يخطر ببالنا أبدا أن يسير محمد على خطاه».

ولم يعد محمد يعيش في «علوك» حتى يروي لنا وجهة نظره في تلك الوقائع. لكن المقاتلين مجهولي الهوية الذين يتجمعون حول مائدة معدنية، تظهر عليها رسوم قلوب حب وشعار «وحدات حماية الشعب» الكردية، في ظهيرة مشمسة من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) يقولون إن محمد هو المسؤول عن الهجوم المدمر الذي شنته جماعة «جبهة النصرة» الإسلامية المتشددة ضد قريته قبل شهرين.

لكن عبد الرحمن، وهو رجل ممتلئ الجسم ذو شارب كثيف، تكفل بسرد تفاصيل الواقعة، بينما كان الشبان، الذين معه، يعلقون على تلك التفاصيل. يقول عبد الرحمن والشبان إن محمد لم يبد أبدا أي اهتمام بالسياسة حتى بداية الثورة السورية. وحالما بدأت الثورة أخذ محمد في الحديث عن ازدرائه للنظام وعن ذلك البديل الذي يرى أنه ينبغي أن يحل محل ذلك النظام. يضيف عبد الرحمن «بعد أن اشتعلت الثورة بدأ محمد في إظهار أفكاره الإسلامية المتشددة، معتقدا أن ذلك هو السبيل الوحيد لمواجهة النظام. وترسخ في ذهنه أن الدولة الإسلامية سوف تكون البديل الأمثل لذلك النظام عندما يسقط».

بحلول شهر سبتمبر (أيلول)، كان شبح الدولة الإسلامية يقترب بشدة من قرية «علوك». فعلى بعد كيلومترات قليلة جهة الغرب من «علوك»، كان نصف مدينة «رأس العين» قد وقع تحت سيطرة «جبهة النصرة» بعد هجوم استغرق أياما قليلة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني). وفي الأشهر الأولى من عام 2013، كان وجود «وحدات حماية الشعب» هو الذي منع تقدم الإسلاميين في المناطق الكردية. وتسيطر «وحدات حماية الشعب» على معظم مناطق الشمال في سوريا.

غير أن وجود «وحدات حماية الشعب» في قرية «علوك» كان أكثر تعقيدا من المدن والقرى الأخرى المجاورة التي كانت تتمركز فيها، ويرجع ذلك إلى خصوصية قرية «علوك» العربية التي تقع وسط أراض كردية. وكثير من القرى العربية في تلك المنطقة هي صنيعة نظام حزب البعث في سوريا. ففي سبعينات القرن الماضي منح الرئيس حافظ الأسد، والد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، منازل وقطع أراض في الإقليم الكردي لعائلات عربية من خارج ذلك الإقليم. ويعتقد الكثيرون من سكان الإقليم أن تلك الخطوة كانت تهدف إلى استباق أي محاولة للانفصال من جانب الأكراد، بيد أن قرية «علوك» تمثل حالة مختلفة. يقول أحد سكان القرية «لقد عشت في هذه القرية منذ عام 1958. لقد وُلدت فيها وولد فيها أيضا والدي. نحن أهل هذه الأرض، ولسنا منقولات يستخدمها الدخلاء».

وقد جرى الهجوم بالفعل على إحدى نقاط التفتيش التابعة لـ«وحدات حماية الشعب» المتمركزة خارج القرية قبل الهجوم الذي حدث في سبتمبر (أيلول)، ويعتقد مقاتلو «وحدات حماية الشعب» أن يكون رفاق محمد هم الذين قاموا بذلك الهجوم. يعلق عبد الرحمن على ذلك الهجوم قائلا «لقد كانت لديهم معلومات لوجيستية عن نقطة التفتيش، فقد علموا عدد الأشخاص الذين كانوا يقومون بحراسة تلك النقطة. كما أن بعض أصدقاء محمد يكنون مواقف عدائية ضد وحدات حماية الشعب، وقد صرحوا كثيرا بأنه لا ينبغي أن تكون نقطة التفتيش في ذلك الموقع».

في غضون ذلك، لم يشاهد أحد محمد في قرية «علوك» على مدى عدة أسابيع. وعندما استيقظ سكان القرية على أصوات إطلاق النار في الساعات الأولى من صباح الرابع عشر من سبتمبر (أيلول)، أصيب عبد الرحمن بصدمة كبيرة عندما شاهد محمد بين عناصر «جبهة النصرة» التي شنت الهجوم على القرية. يقول عبد الرحمن «لقد رأيته بأم عيني، ولم أصدق ذلك في بداية الأمر، فقد كان أحد أبناء تلك القرية، وله أصدقاء وأبناء عمومة وأقارب كثيرون هنا».

لقد كان هو نفس الشخص الذي عرفه عبد الرحمن على مدى ثلاثين عاما - طويلا، ممشوق القوام، ذا شعر أسود - لكن كان هناك تغيير واحد في صفاته الجسدية، فقد أطلق لحيته على الطريقة الإسلامية، التي يعلق عليها عبد الرحمن بقوله «كان قد أطلق لحيته، لكنه أزال شاربه. لقد غير من شكله كثيرا عندما انضم لجبهة النصرة».

ولم يعرف أحد على وجه الدقة متى ولماذا قرر محمد الانضمام للإسلاميين. يقول بعض المقاتلين الشباب إنه كان يتصل ببعض شباب القرية، محاولا إقناعهم بالانضمام إليه مع وعود بإغداق المال عليهم إذا ما انضموا إليه بالفعل. وتناهى إلى سمع آخرين أنه كان يعمل في محكمة تطبق الشريعة الإسلامية تديرها «جبهة النصرة» في مدينة «رأس العين». بيد أنه لم يشك أحد في أن محمد هو من قام بتنسيق الهجوم الذي شنته «جبهة النصرة» ضد قرية «علوك».

ويصف عبد الرحمن حالة محمد حينما حانت ساعة الهجوم بأنه «بدا فخور ومتباهيا بنفسه لدرجة كبيرة». وخاطب أهل القرية قائلا «لن يستغرق الأمر وقتا طولا، سوف نقوم بتطهير القرية ونطرد منها وحدات حماية الشعب». وأضاف أن «هناك دبابات قادمة للمعاونة».

ولم يمكث أهل القرية في «علوك» حتى يعرفوا ماذا تعني كلمة «تحرير» على طريقة «جبهة النصرة»، فقد فر معظمهم إلى المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في «رأس العين»، ولم يعد الكثير منهم حتى الآن إلى «علوك». وما زالت الآثار التي خلفها هجوم «جبهة النصرة» في الرابع عشر من سبتمبر (أيلول) باقية شاهدة على ذلك الهجوم.

وفي صوت تملؤه الكراهية، يصف «حسن منير الشهاب»، أحد المدرسين العاملين في مدرسة القرية، كيف أطلق الإسلاميون، لدى دخولهم القرية، قذائف دبابتهم التي اخترقت جدران المدرسة قبل خمسة أيام فقط من بداية العام الدراسي الجديد. ويضيف حسن «كان هناك أكثر من ثلاثمائة مقاتل من جبهة النصرة يحاصرون القرية، دخل نحو ثلاثين منهم المدرسة على ظهر إحدى الدبابات». ويعتقد حسن أنهم كانوا يحاولون الاستيلاء على المبنى حتى يستخدموه كثكنة وقاعدة عسكرية في القرية.

وعندما اندلع القتال، فر حسن هاربا من القرية، وعندما عاد اكتشف أن منزله قد جرى تدميره هو الآخر. ممسكا بيده بعض الصور لعائلته التي أرانا إياها وقد بدت عليها علامات الاحتراق، يصف حسن تدمير منزله بقوله «لقد دخلوا منزلي وقاموا بإحراق صور جدي وأولادي». ويمضي حسن قائلا «يقولون إنه من الخطأ وإثم محرم شرعا أن يقوم احد بتعليق صور البشر على الجدران، وفي المقابل لا يعتبرون ما يقومون به من قتل وحرق من الآثام المحرمة شرعا».

ويتشارك حسن وعبد الرحمن في وجهة النظر القائلة بأن الإسلاميين الذين هاجموا قريتهم ليسوا سوريين، بل أجانب. يقول حسن «لقد كانوا مقاتلين من ماليزيا وأفغانستان وباكستان. قالوا إنهم جاءوا هنا ليعلمونا أصول ديننا. لكني أعتقد أنهم ليست لهم علاقة ببلدنا، لقد جاءوا فقط لتدميرها».

استغرق الهجوم على «علوك» خمسة عشر يوما. وبحلول الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، استطاعت «وحدات حماية الشعب» طرد الإسلاميين من القرية، وأعاد حسن فتح المدرسة. يقول حسن «حاولنا إصلاح بعض الفصول حتى يتمكن الطلبة من استئناف الدراسة. وقد أتلف الإسلاميون بعض كتب المدرسة أثناء الهجوم أيضا. وقد عاد نحو نصف طلبة المدرسة إلى أحد المباني حيث تخترق الرياح الثقوب التي أحدثتها قذائف الدبابات وتصدر صفيرا شديدا.

في غضون ذلك، راح الأطفال يمرحون في شوارع «علوك» ويلعبون بطلقات الخرطوش المتناثرة في الطرقات والتي جرى استخدامها أثناء الهجوم، لتبقى تلك الطلقات راسخة في أذهانهم وشاهدة على معركة شرسة جرت على أرض قريتهم.

ويبدو سكان قرية علوك الآن مجمعين على دعمهم لوجود «وحدات حماية الشعب» في قريتهم. ويخبرنا أحد سكان القرية، الذي رفض ذكر اسمه، عن الطريقة التي أحرق بها المقاتلون الإسلاميون منزله انتقاما منه بعد علمهم بأنه ساعد اثنين من مقاتلي «وحدات حماية الشعب» المصابين في الوصول إلى المستشفى وقد تخفوا في ملابس نسائية. يقول هذا الرجل «منذ البداية تجمعنا علاقة جيدة بوحدات حماية الشعب، والآن أنا أثق بهم أكثر من ثقتي بشقيقي، فهم يواجهون الموت من أجل حمايتنا، وبينما نخلد نحن للنوم، يقومون هم بحماية قريتنا».

ومنذ هجوم «جبهة النصرة، انضم كثير من رجال القرية مثل عبد الرحمن ورفاقه إلى الميليشيات الكردية للقتال معهم. يقول عبد الرحمن «انضم الكثير من أهل القرية إلى وحدات حماية الشعب لأننا وجدنا أن ذلك هو السبيل الوحيد لنبقى آمنين». ويرى أهل قرية «علوك» أن الوضع الحالي ليس حربا بين الأكراد والعرب أو حتى صراعا من أجل أو ضد النظام. هم يرون أنه ببساطة صراع من أجل منازلهم وعائلاتهم وأمنهم، وهذا الأخير لا يوفره لهم الوقت الحاضر إلا «وحدات حماية الشعب».

وقد اختفى محمد مع عائلته من قرية علوك، وجرى اتهام أصدقائه بمساعدة «جبهة النصرة» في هجومهم على نقطة التفتيش وجرى القبض علهم وإيداعهم سجون «وحدات حماية الشعب». وعندما طلبنا من المقاتلين إن كان باستطاعتنا مقابلتهم، كان ردهم سريعا وحاسما، قالوا لنا «مستحيل». ولم تكن هناك محاكمات أو اعتراف بالذنب، لكن هنا في قرية «علوك» شُوهت سمعة محمد عزو حلوب وأصبح ذلك أمرا حتميا مثل مصيره المحتوم الذي سيلقاه إذا حدث وعاد للقرية. يقول عبد الرحمن «إذا عاد سوف نذبحه».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.