اتحاد كتاب المغرب... في مهب الصراعات

حالة «الاحتقان» و«الفوضى» طبعت المؤتمر الـ19 في طنجة

حسن نجمي - إدريس الكنبوري - عبد الصمد بلكبير - عبد الرحيم العلام
حسن نجمي - إدريس الكنبوري - عبد الصمد بلكبير - عبد الرحيم العلام
TT

اتحاد كتاب المغرب... في مهب الصراعات

حسن نجمي - إدريس الكنبوري - عبد الصمد بلكبير - عبد الرحيم العلام
حسن نجمي - إدريس الكنبوري - عبد الصمد بلكبير - عبد الرحيم العلام

أكدت حالة «الاحتقان» و«الفوضى» التي طبعت جلسة افتتاح المؤتمر الوطني التاسع عشر لاتحاد كتاب المغرب، أخيراً، بطنجة، أن أوضاع هذا الإطار الذي تأسس قبل أكثر من نصف قرن ليكون «منظمة ثقافية جماهيرية مستقلة»، مشكلاً بذلك أكبر تجمع للكتاب المغاربة، تستدعي أكثر من وقفة للتأمل، وأن بيته - كما رأى عدد من كتاب وكاتبات المغرب في تفاعلهم مع الحدث «أصبح متصدعاً، تحكمه الصراعات». وهو معطى أكدته، وإن بشكل محتشم، مضامين بيان المكتب التنفيذي للاتحاد، الذي تحدث عن عقد مؤتمر وطني استثنائي للاتحاد خلال ستة أشهر، تُحتسب من نهاية شهر سبتمبر المقبل، مع تعيين لجنة من بين المؤتمرين، مكوَّنة من خمسة عشر عضواً، تُناط بها مع المكتب التنفيذي مهمّة الإعداد الكامل للمؤتمر الاستثنائي المقبل، وتنظيمه في «مناخ ملائم، يترجم تطلّعات المنتسبين لهذا الإطار الثقافي الوطني العتيد»، و«وضع مصلحة الاتحاد فوق أي اعتبار ذاتي، أو حساب شخصي، حفاظاً على مكانته الرمزية، ووضعه الاعتباري داخل المجتمع»، و«تجاوُز كل الأسباب والمعيقات والأعطاب التي كانت وراء تعليق أشغال المؤتمر الوطني التاسع عشر، مع تحميل كامل المسؤولية لكل من يسعى إلى الإجهاز على منظمتنا».
ولم يستعرض بيان المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب تفاصيل ما حدث في طنجة، مكتفياً بالاعتذار لرموز الاتحاد ورواده الحاضرين عما حدث من «تشويش حال دون تكريمهم»، داعياً الجميع إلى «مزيد من الالتفاف حول منظمتهم، وحمايتها من كل أسباب التصدع والتفرقة والهدم»، مشيراً إلى أن أشغال المؤتمر قد «عُلّقت» جرّاء «خلافات طارئة، اقتضت ترجيح منطق الحكمة والتبصر، حفاظاً على استمرارية منظّمتنا العتيدة، وحياديتها ووحدتها».
المؤكد أن المؤتمر الوطني التاسع عشر لاتحاد كتاب المغرب، الذي نظم بعد تأجيل، لتعلق أشغاله بعد شد وجذب، مع أنه رفع شعار «نحو أفق تنظيمي وثقافي جديد»، على أمل أن «يعكس جانباً من الأفق المستقبلي لاتحاد كتاب المغرب، ويستجيب له، تنظيمياً وثقافياً، في ضوء التحولات المقبلة التي ستطال بنيته التنظيمية والثقافية»، لم يكتب له أن يكون لحظة لقاء وتوافق حول الأفق المستقبلي للاتحاد، حيث إن «كرة النار التي انقذفت في مؤتمر طنجة لم تخفت»، كما كتب الكاتب والإعلامي الطاهر الطويل، بعد أن «انتقلت إلى تدوينات الكثير من الكتّاب في (الفيسبوك)، التي أخذت ترثي حال الاتحاد، وتندب مآله المنحط ومرآته المهشمة».
وهكذا، وفيما رأى مشاركون أن ما حدث في مؤتمر طنجة، الذي كان «صعباً صاخباً مشحوناً»، هو «تدبير الاختلاف بطرق مختلفة»، كتب الشاعر عبد الرحيم الخصار، مثلاً، أن «مشكلة اتحاد كتاب المغرب في الفترة الأخيرة هي مشكلة واضحة، تشبه ما يقع في أي مؤسسة عربية داخل أي مجتمع عربي، علاقته الوحيدة بالحداثة هي أنها تُرفع كشعار كاذب فقط. المشكل هو حب السلطة والمادة، والقيام بأي شيء من أجل عدم التخلي عنهما. وعليه، فالكارثة هي حين يكون الطموح من داخل الثقافة طموحاً عقارياً واقتصادياً، لا ثقافياً».
من جهته، تناول القاص أبو يوسف طه أوضاع اتحاد كتاب المغرب من وجهة نظر، واعتبر أن «الكتاب الذين يصرون على إعادة اتحاد الكتاب إلى سكته الأولى، حيث كانت ميزته الأساس الاستقلالية، والدفاع عن الحداثة، فاتهم أن الآيديولوجيات كانت قاعدة أساس في التصورات والأهداف، كما تغاضى بعضهم عما كان سائداً من تعصب للولاءات، مما نجم عنه الإقصاء، وغمط حق الكثيرين الذين ظلوا على الهامش».
والآن، يضيف أبو يوسف طه، «ما يسود الاتحاد كان وليد دنوه من السلطة، واستئثار بيّن بالمنافع، إسوة بما عليه وضعية الهيئات الحزبية والمنظمات الثقافية التي توالدت بشكل مطرد. الآن، أصبح الاتحاد يتحرك في إطار التلاؤم والمواءمة، على حساب تاريخ من المعارضة ظل يمارسها مستظلاً بالحماية التي تآكلت على نحو متدرج. وهذا يطرح تساؤلات جذرية حول نوعية الموقع الذي يجب أن يشغله الكاتب، وما هي الأدوار العملية المنوطة به، في مجال محلي يتطور بتؤدة، وتتجاذبه خيارات متعددة، ومجال عالمي موسوم بعولمة وضعت القيم التقليدية للتعايش موضع امتحان عسير، هذه جانبية من حيث الفعل الثقافي الاجتماعي، وهذا لا يمس الفعل الإبداعي الفردي الذي يجب تواصله باستمرار».
حالة «التصدع» و«التفرقة»، التي تأكدت خلال مؤتمر طنجة، ستعبر عنها ورقة حملت عنوان «نحو مؤتمر استثنائي لاتحاد كتاب المغرب.. توضيحات لا بد منها حول ما جرى»، حررها كل من عبد الصمد بلكبير عضو اتحاد كتاب المغرب، وحسن نجمي الرئيس الأسبق للاتحاد، وتحدثا فيها، بتفصيل، عن مؤتمر طنجة، معتبرين أن «كل شروط عقده الاستثنائية كانت تقتضي عقده في دورة استثنائية، لا عادية».
ودعا الكاتبان، في سياق التحضير الجماعي والتوافقي للمؤتمر الاستثنائي المقبل، إلى «حماية الأفق الديمقراطي داخل اتحاد كتاب المغرب، وصيانة ميثاق شرفه وخطه الوطني وخياراته الأساسية»، والتوقف عن «كل ما من شأنه أن يشوش ويعرقل هذاَّ المسعى، ويتعبأ الجميع لإنجاحه، ويقع الاقتصار على الحد الأدنى لإدارته»، وذلك «إنقاذاً لتعطيل أو حتى انشقاق الاتحاد، وحلاً وسطاً»، قضى، من جهة، بـ«إعلان فشل تجربة الاستئثار والانفراد، وحتى الانحراف السابق لمسار الاتحاد (ثقافياً وتنظيمياً وأخلاقياً)، وهزيمة الرهان على إعادة إنتاج المهزلة - المأساة، غير المأسوف على انصرامها»، و«الامتناع المتعقل والوحدوي من قبل المؤتمرين عن إقصاء المتورطين، وإقالتهم، وانتخاب قيادة بديلة عنها، قد تكون هي الأخرى إقصائية وغير توحيدية. وقد تؤدي بطرف أو أطراف أخرى إلى الوقوع في جريرة التشقيق، وربما التشتيت»، و«فتح أبواب المستقبل على أفق استرجاع الثقة والوحدة والأمل، وإعطاء الفرصة للجميع لتصحيح المواقف والتحالفات والمسلكيات والرهانات، والعودة إلى المساهمة في تقوية الاتحاد والمحافظة على إرثه، وعلى مصداقيته، وعلى ارتباطه بقضايا الشعب والوطن والتقدم والديمقراطية؛ القضايا التي تندرج ضمن انشغالات والتزامات الكتاب والشعراء والمفكرين المغاربة الأساسية».
وتعليقاً على كل هذا الجدل الذي يحيط باتحاد كتاب المغرب بشكل خاص، ويرخي بظلاله على المشهد الثقافي بشكل عام، قال لنا الدكتور إدريس الكنبوري، وهو باحث وروائي، إن «الواقع الملموس اليوم في المغرب أن هناك تراجعاً كبيراً لدور المثقف وصورته»، وأنه «بسبب التحولات في حقل التواصل والإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، وعدم قدرة المثقف المغربي على مسايرة هذا التحول، حصل خفوت في دوره وصورته لدى الرأي العام».
ورأى الكنبوري أن «المثقف في المغرب ما زال مشدوداً إلى الحقبة التي كانت فيها الأحزاب السياسية تسيطر على طبقة المثقفين من خلال اتحاد كتاب المغرب، حيث كان التقاطب قوياً بين حزبين رئيسيين فيه، هما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال، فلم يكن ممكناً أن يأتي رئيس الاتحاد من خارج هذين الحزبين، وأعتقد أن الاستثناء الوحيد الذي حصل هو رئاسة الاتحاد من طرف الفيلسوف المغربي محمد عزيز الحبابي».
واليوم، يضيف الكنبوري، فـ«مع تراجع الأحزاب، تراجع الاتحاد، وانتقل من الخضوع للأحزاب إلى الخضوع للسلطة، فتحول إلى مسخ ثقافي في بلد يتزايد فيه الطلب على دور المثقفين بسبب الأزمات وغياب الرؤية السياسية والثقافية للإصلاح والتغيير»، مشدداً على أنه «كان على المثقفين أن يكونوا قاطرة الإصلاح في مرحلة تراجع دور الأحزاب السياسية، وأن يكونوا طليعة الاقتراح والمبادرة، ولكن حالة التشتت التي يعيشها المشهد الثقافي، وتراجع اتحاد الكتاب عن تمثيلية جميع المثقفين، وفقدانه للشرعية لدى المثقف المغربي، لم يتمكن المثقفون من القيام بالدور المطلوب منهم».
وعن الذي يتعين القيام به لـ«إصلاح أمور» اتحاد كتاب المغرب، و«تجاوز عثراته التنظيمية»، قال الكنبوري: «اليوم، ومع ما حصل داخل مؤتمر الاتحاد في طنجة، أعتقد أن الاتحاد إذا أراد فعلاً أن ينتقل إلى مرحلة جديدة، وأن يستعيد عافيته، عليه أن يفتح استكتابات في أوساط المثقفين لمعرفة وجهات نظرهم، وفتح حوار وطني بين المثقفين حول واقع ومستقبل الثقافة المغربية من أجل الخروج بخلاصات، شرط أن تتحول إلى التنفيذ».



قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.


معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
TT

معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)

عبر لوحات تنتمي لفن الغرافيك، تتعدد مدارسها وأساليبها الفنية بين التجريد والتكعيبية والتعبيرية ممثلة في البورتريه بطريقة فنية مميزة، استعاد 29 فناناً رومانياً سيرة النحات الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (1876–1957)، أحد أبرز روّاد النحت الحديث في القرن العشرين، وصاحب التأثير العميق في مسارات الفن التجريدي المعاصر.

المعرض الذي استضافت نسخته المصرية قاعة الاتجاه بقصر الفنون في القاهرة، يحتفي بمرور 150 عاماً على ميلاد النحت الرائد تحت عنوان «برانوشكي 150»، افتتحته السفيرة الرومانية في القاهرة أوليفيا تودريان، بحضور محمد طلعت، مستشار وزير الثقافة المصري للفنون التشكيلية والبصرية، والدكتور شادي أديب سلامة، منسق وقيم المعرض بالقاهرة، ونخبة من الفنانين والمهتمين بالفن.

ويضم المعرض مجموعة من أعمال الغرافيك لـ29 فناناً رومانياً معاصراً، استُلهمت أعمالهم من فكر برانكوشي ورؤيته الجمالية التي أسست لمرحلة مفصلية في تاريخ الفن الحديث، وأسهمت في تطوير مفاهيم الاختزال والتجريد في النحت المعاصر.

تقنيات الحفر والطباعة ميزت المعرض (الشرق الأوسط)

وتُمثل نسخة القاهرة محطة مهمة ضمن سلسلة معارض متزامنة أُقيمت في 21 دولة حول العالم، تحتفي بإرث برانكوشي الفني وتأثيره المستمر حتى اليوم. وتعكس استضافة القاهرة لهذا المعرض مكانة القاهرة مركزاً ثقافياً فاعلاً للحوار الفني الدولي، وجسراً للتبادل الثقافي بين مصر ورومانيا.

وعدّ الفنان شادي أديب سلامة، منسق المعرض، أن المشروع «يجسد نموذجاً للتعاون الثقافي العابر للحدود، ويعزز من آفاق التواصل الفني بين الشعوب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هذا المشروع يتم التحضير له منذ عامين تقريباً، بعد اختيار مجموعة فنانين من رومانيا، قدّموا أعمالاً تستعيد مسيرة وسيرة الفنان الرائد قسطنطين برانكوشي من خلال نسخ أصلية مصنوعة بتقنيات الغرافيك أو الحفر والطباعة اليدوية سواء ضغط أو زنك أو حفر على الخشب أو نقل مباشر».

السفيرة الرومانية بالقاهرة خلال افتتاح المعرض (وزارة الثقافة)

وتضم الأعمال موضوعات مختلفة، فكل فنان احتفى بجانب من حياة أو أعمال برانكوشي الذي عاش فترة طويلة في فرنسا، وصنع مجموعة من التماثيل الميدانية ذات الطابع التجريدي على وجه الخصوص، وتضمنت أعمال الفنانين المشاركين في المعرض بورتريهات له أو لمنزله أو مناظر طبيعية للمكان الذي عاش وأبدع فيه النحات الرائد، بحسب أسلوب وطريقة كل فنان.

ووفق منسق المعرض فقد تم اختيار مصر لتشارك في هذه الاحتفالية «بناءً على اختيار مؤسسة Inter-Art Foundation (مدينة أيوُد – رومانيا) وهي تختار مكاناً في كل مدينة أو قارة للمشاركة في عروض لها طابع دولي، وقبل شهور نظمت المؤسسة معرضاً عالمياً في الأمم المتحدة وشاركتُ فيه من مصر».

بوستر المعرض الذي يحتفي بالنحات الروماني (وزارة الثقافة المصرية)

وأضاف سلامة أن «المعرض يعد عاملاً مهماً في التبادل الثقافي بين مصر ورومانيا، وهناك احتفالية بمرور 120 سنة على العلاقات بين مصر ورومانيا، تم تصميم شعارها وفق مدرسة برانكوشي في الربط بين الرقم ومفردات رمزية مثل الأعمدة الخاصة بالمعابد المصرية القديمة، وأشار إلى انتقال المعرض من دار الأوبرا المصرية لإقامة أكثر من فعالية أخرى يتم التحضير لها، سواء في السفارة الرومانية بالقاهرة، أو أحد المراكز الثقافية في الإسكندرية.


السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
TT

السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)

في رمضان تكتمل الصورة الروحانية بالتفاصيل البسيطة المصاحبة لطقوس الشهر الكريم، من بينها «السبحة» التي ترافق المؤمن في لحظات الذكر على مدى ساعات اليوم. وفي هذا الشهر تحديداً تتحول «السبحة» من أداة للذكر، والعبادة إلى قطعة ثقافية وجمالية لها تاريخ طويل، وحكايات متجددة، خصوصاً في مصر التي تعد واحدة من أقدم مراكز صناعة السبح في العالمين العربي، والإسلامي.

عرفت السبحة في صورتها القريبة من الشكل الحالي منذ القرون الأولى للإسلام، مع تطور الحاجة إلى وسيلة عملية لضبط الذكر. ومع مرور الوقت، تحولت من مجرد حبات للعد إلى رمز شخصي يعكس ذوق صاحبها، ومكانته الاجتماعية، حتى أصبحت في مصر جزءاً من الموروثين الشعبي، والديني معاً.

وداخل بازار في شارع المعز «خان الخليلي» بالقاهرة الفاطمية، يقف الشاب محمد سيد فوزي صاحب علامة «مكة للسبح والفضيات»، ممسكاً بسبحته الأنيقة، معرباً في بداية حديثه عن اعتزازه بتصميم وتصنيع السبح بوصفها حرفة أصيلة ورثها من أجداده، وعمل بها الأب والأعمام لعشرات السنين؛ حيث يعد والده سيد فوزي «شيخ المهنة» في مصر.

يقول فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «السبح موجودة في مصر طوال العام، لكن تصبح أكثر ازدهاراً في رمضان، فيحرص الكثيرون على اقتنائها، وتهدى في الزيارات، وتتصدر واجهات المحال في المناطق العتيقة، حيث تختلط بأشكالها، وألوانها المختلفة مع أصوات الباعة، وحكاياتهم».

صناع السبح اليدوية يستخدمون خامات نادرة (الشرق الأوسط)

يتلاقي حديث فوزي مع عراقة صناعة السبح في مصر؛ فتاريخياً تعود هذه الصناعة إلى العصر الفاطمي، حين ازدهرت الحرف المرتبطة بالشعائر الدينية. ولاحقاً، في العصرين المملوكي والعثماني، تطورت الصناعة، وأصبحت أكثر تنوعاً من حيث الخامات والأشكال، خصوصاً مع ازدهار التجارة.

وفي القاهرة القديمة، وخصوصاً في الجمالية، ومحيط مسجد الحسين والأزهر الشريف نشأت ورش صغيرة متخصصة في خرط الحبات، وصقلها يدوياً؛ فهذه المناطق لم تكن مجرد أسواق، بل مدارس حقيقية للحرفة، يتوارثها الصناع جيلاً بعد جيل؛ ولذلك يقصدها الزائرون طلباً لسبحة «لها روح» وفق وصف فوزي.

وتنقسم السبح من حيث الخامات إلى مستويات مختلفة، منها السبح الشعبية، والمتوسطة، والفاخرة. وتتخصص عائلة فوزي في السبح اليدوية الفاخرة المصنوعة من الأحجار الكريمة، والخامات الطبيعية، في اتجاه حديث يحتفي باقتناء السبح باعتبار أنها نوع من الاستثمار.

يقول فوزي: «إن السبح الطبيعية الفاخرة تشبه في فلسفتها الساعات الثمينة التي يحرص البعض على اقتنائها بوصفها استثماراً طويل الأمد».

وأضاف: «بعض السبح يصل سعر الغرام الواحد منها إلى ما بين 150 و200 دولار، ويجب ألا ننسى أن أي حجر طبيعي ترتفع قيمته مع مرور الوقت»، ويضرب مثالاً بمن يشتري سبحة مطعمة بالفضة بعشرة آلاف جنيه، متوقعاً ارتفاع سعرها لاحقاً.

تحتاج بعض السبح إلى أسبوعين لصناعتها (الشرق الأوسط)

ويضيف: «ما أقدمه يعتمد بالكامل على خامات طبيعية لم تمسها الآلة، إذ تصنع يدوياً بالكامل؛ ما يمنحها قيمة خاصة، ويسري شعور بالراحة والهدوء النفسي لدى من يستخدمها». ويرى أن «الألفة التي يشعر بها المرء عند لمس السبحة اليدوية تختلف تماماً عن تلك المصنوعة من خامات صناعية مثل البلاستيك التي تبدو خفيفة، ورخيصة، وصناعية في مظهرها، وإحساسها».

ويشير فوزي إلى أن من أبرز الخامات التي يعمل بها اليسر والكوك والكهرمان والأبنوس، لكنه يضع اليسر في مكانة خاصة، إذ يعده من أكثر الأحجار قيمة وتنوعاً. ويوضح أن «اليسر هو نوع من المرجان، وله فصائل متعددة مثل الأسود والبني والأبيض والذهبي، ويعد اليسر البني الأندر والأغلى ثمناً؛ لأنه مكث فترات طويلة في المياه، وتأثر بقلوية البحر التي غيرت لونه من الأسود إلى البني». وأردف: «يكمن جانب كبير من قيمة اليسر في كونه خامة طبيعية تتفاعل مع الجسم، إذ تنبعث من الحبات رائحة خفيفة تشبه رائحة البحر واليود عند إزالة طبقة التلميع؛ ما يمنح إحساساً بالسكينة، والارتباط بالطبيعة» وفق فوزي.

سبحة كوك طبيعي مجدولة بمعدن باحترافية عالية من مكة (الشرق الأوسط)

وعن الكوك، يوضح أنه «ثمرة من جوز الهند، ويعد من أكثر الخامات انتشاراً في مجال السبح، وتتراوح أسعاره من 180 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 47 جنيها مصرياً) إلى آلاف الجنيهات، وأحياناً تتم صباغته بلون بني داكن؛ لإعطاء انطباع بالعراقة، وكثرة التسبيح عليه».

ويؤكد فوزي أن ما يميز تاريخ صناعة السبح في مصر أنها تعتمد بشكل شبه كامل على العمل اليدوي باستخدام المخرطة؛ «حيث يقوم الحرفيون بتشكيل السبحة يدوياً دون الاعتماد على آلات صناعية؛ ما يجعل الخراط المصري من الأفضل عالمياً». ويشير إلى أن «الحرفيين المصريين مطلوبون بالاسم في العالم»، وأن بعض الخراطين المشهورين يتقاضون مبالغ تصل إلى 1000 دولار مقابل خرط سبحة واحدة، بغض النظر عن نوع الخامة.

وتتطلب الصناعة الدقيقة العمل على أجزاء من الملليمتر؛ لتقليل الهدر في الأحجار الكريمة مرتفعة الثمن، وأن الوصول إلى هذه الدرجة من الدقة يحتاج لسنوات طويلة من التدريب، والعمل المتواصل. ويصف فوزي مراحل صناعة السبحة بأنها عملية معقدة تشترك فيها أيادٍ متعددة؛ إذ تمر الخامة بمراحل التقطيع، والتشكيل، والخرط، والتخريم، والتطعيم، والصنفرة، والمراجعة، والتلميع، والتلميض، والتكتيل، وكل مرحلة لها أشخاص متخصصون.

خامات متنوعة وألوان متعددة للسبح (الشرق الأوسط)

وتستغرق صناعة بعض المسابح المطعمة بالفضة 15 يوماً، فيما تحتاج أنواع أخرى إلى خطوات إضافية، مثل التكتيل الأفريقي الذي ينفذه طلاب أفارقة من الأزهر. ويرى فوزي أن «الصناعة شهدت تطوراً كبيراً، بعدما كانت الأسواق محدودة في مصر، تشهد اليوم انفتاحاً عالمياً مع وجود مزادات للسبح في دول مثل ألمانيا، وليتوانيا».

ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في إحياء هذا المجال بعد تراجعه خلال فترات سياسية، وأزمات عالمية؛ فمنصات مثل «إنستغرام» ساعدت حرفيين بلا متاجر على الوصول إلى الأسواق، كما ساهمت في تعليم الخراطة، ونشر الوعي بكيفية اختيار الأحجار الكريمة.

وتطورت التصاميم أيضاً؛ فبعد أن كانت مقتصرة على أشكال تقليدية مكررة باتت تشهد اليوم ابتكارات جديدة في التطعيم، والأشكال، ويحتفي الجيل الجديد من صناع السبح بتقديم تصاميم جديدة مستوحاة من التراث بحسب محمد فوزي الذي يختتم حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أستلهم تصاميمي من الحضارة الإسلامية، وشارع المعز».