مرجع أمني لبناني لـ {الشرق الأوسط}: قضينا بالكامل على البنية التحتية للإرهاب

«كتاب أسود» يوثقه في لبنان... وأكثر من ألف موقوف على ذمة قضاياه في 2017

قافلة تقل مقاتلي «سرايا أهل الشام» قرب بلدة عرسال اللبنانية على الحدود السورية صيف 2017 (أ.ف.ب)
قافلة تقل مقاتلي «سرايا أهل الشام» قرب بلدة عرسال اللبنانية على الحدود السورية صيف 2017 (أ.ف.ب)
TT

مرجع أمني لبناني لـ {الشرق الأوسط}: قضينا بالكامل على البنية التحتية للإرهاب

قافلة تقل مقاتلي «سرايا أهل الشام» قرب بلدة عرسال اللبنانية على الحدود السورية صيف 2017 (أ.ف.ب)
قافلة تقل مقاتلي «سرايا أهل الشام» قرب بلدة عرسال اللبنانية على الحدود السورية صيف 2017 (أ.ف.ب)

منتصف الشهر الماضي، زار قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون يرافقه مدير الاستخبارات في الجيش العميد الركن إنطوان منصور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ثم رئيس مجلس النواب نبيه بري، فرئيس الحكومة سعد الحريري. في الزيارات الثلاث، دخل العماد عون، والعميد منصور مع كتاب أسود تبلغ سماكته نحو 15 سنتيمترا، وخرجا من دونه، بعد أن قدماه لقمة الهرم السياسي في البلاد. يمثل هذا الكتاب، خلاصة العمل الأمني لمديرية المخابرات في الجيش وحدها، ويحتوي آلاف الصفحات والتفاصيل الدقيقة عن حجم الشبكات الإرهابية التي أوقفت وفككت خلال العام 2017.
يضج «الكتاب الأسود» للإرهاب في لبنان، بالكثير من التفاصيل والوقائع. كل خلية موثقة بعدد أفرادها ومهماتها وأهدافها واعترافات الموقوفين منها، مع صورهم، وفي كثير من الأحيان صور المضبوطات التي وجدت معهم، من سلاح وعتاد ومخدرات.
ويؤكد مرجع أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» أن لبنان قضى بالكامل على البنية التحتية للإرهاب، مشيرا إلى أن ثمرة الإنجازات التي قامت بها الأجهزة الأمنية كانت قضاء مبرما على البنية التحتية الأساسية للإرهاب في البلاد، التي روعت اللبنانيين في السنوات الماضية، جازما بأن العام 2017 كان مفصلا أساسيا في هذه الحرب.
ويوضح المرجع، أن هذه الأرقام، تكشف فقط عما قامت به مديرية المخابرات في الجيش وحدها، مشيرا إلى وجود شركاء آخرين في عملية مكافحة الإرهاب في بقية الأجهزة الأمنية، وخصوصا في المديرية العامة للأمن العام وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، اللذين قاما بإنجازات أخرى في هذا المجال صبت جميعها نحو الهدف الأوحد وهو القضاء على الإرهاب.
مع هذا يعترف المرجع، بأن ثمة إمكانية لخروج بعض الإرهابيين بعمل من هنا أو هناك، لكنه يجزم مرة جديدة بأن البنية التحتية التي كانت تزود هؤلاء بالسلاح والمتفجرات والدعم اللوجيستي، أصيبت بضربة قاصمة. ويقول: «سيحاولون، ونحن سنبقى متيقظين لمنع أي خرق للأمن اللبناني، ويمكنني أن أجزم بأن لبنان في هذا المجال هو في مصاف الدول الأكثر أمنا في العالم اليوم». ويضرب المرجع في هذا الإطار، مثلا، كيف أن مشتبها به في أحد مخيمات النازحين السوريين في عرسال ومحيطها كان يحتاج إلى قوة كبيرة لجلبه، بات يكفيه أن تنتقل إليه دورية من عدة عناصر فقط.
وشكلت أزمة النزوح السوري ضغطا كبيرا على الأمن اللبناني، كما يقول المرجع، مبديا أسفه كون أكثر من 90 في المائة من الموقوفين هم من التابعية السورية، ما بات يستدعي عملا أكثر على هذا الملف.
ويعتبر المرجع أن الاستقرار السياسي ليس شرطا أساسيا في عملية الأمن، لكنه يشير في المقابل إلى أن التحريض يجب أن لا يكون جزءا من الخطاب السياسي، مشيرا إلى أن الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى قادرون على ضبط الوضع، لكن على السياسيين أيضا أن يساهموا في خفض حدة التشنج بين الناس. فإذا كان الاختلاف السياسي والتمايز وحتى الخلاف حقا مقدسا في الديمقراطيات، فهو يجب أن يترافق مع وعي لمخاطر بعض التصرفات.
الخلاف السياسي الداخلي وحده من كان عائقا أمام استرداد الجنود الأسرى الذين خطفتهم التنظيمات الإرهابية في محيط عرسال في العام 2014. وفي هذا الإطار يؤكد المرجع أن الجيش كان قادرا على شن عملية كبرى لاستعادة أسراه في حينها، كما كان مستعدا بعد ذلك. وفي نهاية المطاف قام بعملية «فجر الجرود» التي انتهت بتطهير الأراضي اللبنانية التي كان يحتلها تنظيم داعش الإرهابي، وبخسائر بشرية ومادية محدودة جدا.
تظهر أرقام «الكتاب الأسود» أن تنظيم داعش كان «البعبع» الأكبر إعلاميا ونفسيا، لكن تنظيم «جبهة النصرة» بزعامة أبو مالك التلي كان الأكثر خطورة، بعدما تبين أنه أكثر من قام – وحاول – بعمليات إرهابية على الأراضي اللبنانية.
يبلغ حصاد العام 2017 من الموقوفين لدى الاستخبارات اللبنانية 3743 موقوفا أحيل منهم إلى القضاء 1496. ويعتبر موقوفو الإرهاب الأكثر عددا إذ بلغ عدد المتورطين بعمليات إرهابية 943 شخصا، يضاف إليهم 290 شخصا دخلوا البلاد خلسة من الأراضي السورية، و22 شخصا بتهمة تمويل الإرهاب و59 شخصا بتهمة حيازة الأسلحة والذخائر.
أما أكبر الخلايا التي ضبطت فكانت في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2017. وهي تضم 11 شخصا مرتبطة بشادي المولوي. فقد خططت هذه المجموعة لإرسال سيارات مفخّخة إلى ضواحي مدينة بيروت واغتيال مدنيين وضبّاط حاليين ومتقاعدين في الجيش اللبناني. وضبط مع عناصرها كمية كبيرة من المتفجرات وحزام ناسف وأجهزة تفجير عن بعد وأسلحة مع ذخائرها من ضمنها مسدّس مزوّد بجهاز كاتم للصوت.
وفي 22 من الشهر نفسه أوقفت الاستخبارات عمر حسن العاصي المنتمي لتنظيم داعش خلال محاولته تنفيذ عملية انتحارية في مقهى «كوستا» في منطقة الحمرا ببيروت. وفي 3 مايو (أيار) تمكن الجيش من القيام بعملية في منطقة وادي سويد في عرسال أسفرت عن توقيف عمر حميد الملقب بـ«التوملّي»، المنتمي إلى تنظيم داعش. والموقوف كان وراء الاعتداء على دورية تابعة للجيش في بلدة عرسال مطلع العام 2013 أودت بحياة الرائد في الجيش بيار بشعلاني والمعاون إبراهيم زهرمان. وشكلت العملية ضربة معنوية مهمة للتنظيم. وفي حينها، اتصل قيادي من الجيش بوالدتي الضابط والعسكري مبشرا بضبط القاتل، قبل إذاعة الخبر.
وفي السادس من يونيو (حزيران) من العام نفسه استطاع الجيش القيام بإنجاز معنوي – ميداني آخر، تمثل بتوقيف فيصل حسين مملوك الذي شارك في تطويق مراكز الجيش واقتحام مبنى قوى الأمن الداخلي في عرسال والاشتباك مع عناصره في أحداث عرسال عام 2013. وفي اليوم التالي أوقف الجيش محمد بدر الدين الكرنبي المنتمي لتنظيم داعش لمشاركته في معركة عرسال ضد الجيش، ونقل انتحاريين وشراء وتفخيخ ونقل سيارات لتفجيرها وإطلاق صواريخ وعمل في تجارة الأسلحة الحربية وترويج وتعاطي المخدرات.
وفي الأول من يوليو (تموز) أوقف الجيش أحمد خالد دياب الملقب بـ«أحمد أبو السيك» المتهم بالاعتداء على وحدات الجيش في مهنية عرسال عام 2014. وقد اعترف أنه شارك بقتل العقيد نور الدين الجمل. وفي الحادي عشر من الشهر نفسه دهمت وحدات الجيش مقرا لمجموعة يرأسها السوري ياسر الغاوي، وضبطت مع أفرادها عبوات معدّة للتفجير وحزاماً ناسفاً و50 كلغ من المواد المستخدمة في تصنيع المتفجرات، بالإضافة إلى كميّة من الرمانات اليدوية والصواعق. وأدى الاشتباك إلى مقتل الغاوي وعاطف الجارودي وتوقيف ثلاثة آخرين، علما بأن الغاوي هو الرأس المدبر لعملية التفجير التي حصلت في رأس بعلبك قبل أكثر من شهر.
وفي سبتمبر (أيلول) تم توقيف عبادة مصطفى الحجيري المتهم بالانتماء إلى تنظيم جبهة النصرة بتهمة تأمين الأسلحة والذخائر والمواد الغذائية، وإيوائه عدد كبير من المسلحين داخل منزله في عرسال. وأفيد أنه اعترف بإقدامه مع والده مصطفى الحجيري الملقب «أبو طاقية» على اقتياد العسكريين اللبنانيين وتسليمهم إلى التنظيم المذكور.
وفي 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 أوقف الجيش أبرز قياديي تنظيم داعش اللبناني إبراهيم أحمد زعرور والسوري عدي حسين الخطيب. وهما شاركا في المعارك ضدّ الجيش اللبناني في عرسال، ورصد ومراقبة تحركات الجيش، وتخطيطهما لعدة عمليات إرهابية بواسطة سيارات مفخخة وعبوات ناسفة لاستهداف مراكز الجيش، بالإضافة إلى مشاركة الثاني في تفجير مقر هيئة علماء القلمون في عرسال واستهداف دورية الجيش أثناء توجهها إلى مكان الانفجار وتواصله مع أبو الورد المرتبط بانتحاريي القاع.



هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)

هذه قصتنا يا محمد. وقعنا باكراً في الفخ. استدرجنا الحبر وهو جميل، وماكر. اخترنا مهنة شائكة. اخترنا نفقاً طويلاً. لا استراحات ولا هدنات. مطاردة محمومة للأخبار تنسينا تراكم السنوات الهاربة من شجرة العمر. مطاردة مضنية. لا القارئ يرتوي، ولا المؤسسات تفعل. يغالب الصحافي الأخبار طويلاً ثم تغلبه. تحوّله خبراً في صحيفته. خبر وفاة. خبر وداع.

كنا نستعد لوداع العام لا لوداعك. شاركتنا اجتماع أول من أمس. حملت دائماً إلى موعدنا اليومي. خبرتك الطويلة. ونبل مشاعرك. ورقي لغة التخاطب. وكأنك تعمدت أن تُبلغنا الرسالة. إن المحارب القديم لا يتقاعد. يفضّل السقوط على الحلبة. بعد ساعات فقط من الاجتماع جاءنا الخبر المؤلم. خانك القلب. ومن عادته أن يخون.

شاءت المهنة أن ينشغل هذا الرجل الهادئ بملفات عاصفة ورجال قساة. سرقت أفغانستان جزءاً كبيراً من اهتماماته. وكان يذهب إليها يوم كانت تغلي بـ«المجاهدين». وكان يرجع من تلك الأسفار المتعبة محملاً بالأخبار، والتحقيقات، والمقابلات. وحتى حين أوفد العمر رسائله لم يتنازل محمد الشافعي عن شغفه. تستوقفه كلمة. إشارة. عبارة تشبه عبوة ناسفة. وتثيره الأخبار، ويغريه التعب المتوّج بهدية طازجة إلى القراء.

قبل نحو أربعة عقود انتسب إلى عائلة «الشرق الأوسط». أحبها، وأحبته. وكما في كل قصص الحب لم يتردد ولم يتراجع ولم يبخل. أقول عائلة «الشرق الأوسط» وهي حديقة. حديقة أخبار وعناوين، وتحقيقات، ومقالات. وحديقة جنسيات وخبرات، وتجارب. تحت سقف المهنة وسقف الشغف. كان فخوراً بانتمائه إلى صحيفة متوثبة تُجدد وسائلها، وتحفظ روحها.

ما أصعب أن يطرق الموت الباب. ويخطف من العائلة ابناً عزيزاً، وأستاذاً قديراً. وما أصعب الغياب. اعتدنا أن نشاكسك. وأن نسألك. ونتعلم منك. ونعاتبك على أصدقائك القساة. ما أصعب مكتبك مسكوناً بغيابك. وما أصعب الاجتماع مفتقداً مساهمتك ورهافة تمنياتك.

هذه قصتنا يا محمد. نعيش بين سطرين ونموت بين سطرين. ننام أخيراً في أرشيف الصحيفة. وفي مودة زملائنا. و«الشرق الأوسط» بتنوعها، وأجيالها تحتضن ذكرى كل من بنى مدماكاً، وفتح نافذة، وأثرى أيام قرائها. خانك القلب ومن عادته أن يفعل، لكن المودات لا تعترف بالخيانات.


استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

خرجت تسريبات إسرائيلية، الأربعاء، عن اتفاق تل أبيب مع واشنطن على استعجال نزع سلاح حركة «حماس»، مع حديث عن مهلة محتملة لنحو شهرين لإنهاء المهمة، وسط ترقب لبدء المرحلة الثانية المتعثرة.

وجاء ذلك في ختام تفاهمات أميركية - إسرائيلية توعدت «حماس» بالسحق حال لم يتم نزع السلاح، وهذا يشي بأن ثمة عراقيل تطرح مسبقاً، خاصة أن إسرائيل بالمقابل، لم تعلن التزاماً بالانسحاب من قطاع غزة، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مشيرين إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التفاهمات بين الوسطاء و«حماس» للوصول لأفضل الصيغ بشأن سلاحها، والتي قد تكون في «ضبطه وليس نزعه».

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)»، وفق تعبيره.

تلك الإحصائية الإسرائيلية تأتي غداة نقل صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر، أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء، الاثنين، بين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب في فلوريدا.

وقال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور».

وأضاف: «إذا لم ينزعوا سلاحهم كما وافقوا على ذلك، لقد وافقوا على ذلك، فسيكون هناك جحيم بانتظارهم، ونحن لا نريد ذلك، نحن لا نسعى لذلك، ولكن عليهم نزع السلاح في غضون فترة زمنية قصيرة إلى حد ما»، محذراً، من أن عدم الامتثال سيكون «مروعاً» بالنسبة للحركة، ومضيفاً أن دولاً أخرى «ستتدخل وتسحقها» إذا فشلت في إلقاء سلاحها.

غير أنه قال رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت إسرائيل ستسحب جنودها من غزة قبل نزع سلاح «حماس» بشكل كامل: «هذا موضوع آخر سنتحدث عنه لاحقاً».

ولم تعلق «حماس» على هذه التهديدات رسمياً، غير أنها عادة ما ترفض تسليم سلاحها ما دام الاحتلال الإسرائيلي مستمراً، وقالت أكثر من مرة إنها منفتحة على أي حلول وسط بشأن ذلك.

أطفال فلسطينيون نازحون في خيمة أقيمت على أرض غمرتها المياه وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المدير التنفيذي لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير عزت سعد، أن استعجال إسرائيل لنزع سلاح «حماس» يعرقل جهود الوسطاء لاستكمال اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أنه مطلب غير واقعي لا يقابله أي التزام من إسرائيل بشأن الانسحاب وإعادة الإعمار.

وبرأي المحلل السياسي الفلسطيني المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، فإن ملف سلاح المقاومة لن يكون عقبة حقيقية أمام استكمال الاتفاق، خلافاً لما تحاول إسرائيل الترويج له، موضحاً أن هناك مرونة كافية لدى حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية، مقرونة برؤية سياسية ناضجة جرى بلورتها في القاهرة خلال اجتماع جامع ضمّ مختلف الفصائل، باستثناء حركة «فتح»، وبمشاركة الجهات المصرية.

هذه الرؤية تبلورت في موقف موحّد تبنّته الدول الوسيطة، وعلى رأسها مصر وتركيا وقطر، وتم نقله إلى الجانب الأميركي خلال اجتماع ميامي هذا الشهر، وينصّ بوضوح «على ضبط السلاح والالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، دون الانزلاق إلى منطق نزع السلاح كشرط مسبق أو أداة ابتزاز سياسي».

ويرى المدهون أن «حماس» معنية بشكل واضح بالوصول إلى المرحلة الثانية وتنفيذ الاتفاق كاملاً، وقدّمَت خلال المرحلة الأولى نموذجاً من الانضباط والالتزام وضبط الميدان، ما شجّع الوسطاء على تبنّي موقف داعم لاستمرار الاتفاق والانتقال إلى مرحلته التالية باستبدال ضبط السلاح بدلاً عن نزعه.

وثمة تهديدان بانتظار «اتفاق غزة»؛ الأول ذكره نتنياهو لموقع «نيوز ماكس» الأميركي، قائلاً: «سنستعيد رفات آخر رهينة في غزة بأي طريقة كانت»، والذي لم يتم الوصول له بعد، والثاني، بدء إعمار جزئي في رفح الفلسطينية قبل نزع سلاح «حماس»، بحسب ما نقلت «القناة الـ12» الإسرائيلية، وهو ما يتعارض مع جهود الإعمار الشامل الذي تسعى له الدول العربية.

ويرى السفير عزت سعد ضرورة الانتظار لمتابعة نتائج لقاء ترمب ونتنياهو على أرض الواقع، وهل ستبدأ المرحلة الثانية قريباً أم لا، محذراً من سعي إسرائيل لإعمار جزئي يهدد المرحلة الثانية.

ويعتقد المدهون أن العقدة الحقيقية ليست عند «حماس»، بل عند الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يلتزم حتى اللحظة بكامل استحقاقات المرحلة الأولى، ويواصل محاولاته لتخريب الاتفاق أو التهرّب من الانتقال إلى المرحلة الثانية.

ويرى أن هناك خطورة إذا بدأ الاحتلال الإسرائيلي، أو الجانب الأميركي، بالإعمار في المناطق المحتلة من قطاع غزة، والتي تشمل شرقي «الخط الأصفر»، وهذا يعني انقلاباً على الاتفاق، مشيراً إلى «أن المرحلة الثانية، والإعمار، يجب أن يتمّا في كامل قطاع غزة، ويجب أن يكون هناك انسحاب إسرائيلي الآن من الخط الأصفر، ومن ثم تبدأ عملية الإعمار بعد تشكيل حكومة فلسطينية أو إدارة فلسطينية مقبولة داخلياً وإقليمياً ودولياً».

ونبه إلى أن أحاديث إسرائيل هي «محاولة للتهرب من مقتضيات المرحلة الثانية، والأساس فيها هو الانسحاب من القطاع».


الحوثيون يقرّون بمقتل ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» الإيراني

الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)
الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يقرّون بمقتل ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» الإيراني

الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)
الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)

توالت اعترافات الحوثيين بالخسائر التي لحقت بهم جراء الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت مخابئ عدة لهم في 2025 بصنعاء وصعدة، من بينهم عبد الملك المرتضى، ممثلهم في غرفة العمليات المشتركة للمحور المدعوم من إيران في لبنان والعراق وسوريا.

فبعد أيام من الإقرار بمصرع زكريا حجر، قائد وحدة الطيران المسيّر ومساعديه، ومسؤول هندسة الصواريخ، أعلنت الجماعة الحوثية أن المرتضى، المنحدر من محافظة صعدة، سيشيَّع من «جامع الصالح» في صنعاء، الخميس، حيث تُرجّح المصادر مقتله في الضربات الأميركية التي استهدفت مخابئ عدة للحوثيين في مارس (آذار) من عام 2025.

ومع استمرار اختفاء وزيرَي دفاع وداخلية الحوثيين، وقائد المنطقة العسكرية السابعة عبد الخالق الحوثي، شقيق زعيم الجماعة، تُظهر هذه الاعترافات حصيلة من الخسائر النوعية هي الأثقل منذ بدء عملية التمرد على السلطة المركزية في صنعاء منتصف عام 2004. كما أنها تكشف، وفق مصادر عسكرية، عن الأسباب الفعلية التي دفعت بالحوثيين إلى عرض الهدنة على الولايات المتحدة خلال استهداف السفن في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن.

المرتضى واحد من كبار قادة الجناح العسكري للحوثيين المرتبط بإيران (إعلام محلي)

ووفق ما ذكرته المصادر، فإن المرتضى ظل طيلة السنوات الماضية متنقلاً بين سوريا والعراق ولبنان ممثلاً للحوثيين في غرفة العمليات المشتركة لما يُسمى «محور المقاومة» الذي تدعمه إيران. ولعب دوراً محورياً في تنسيق العمل بين هذه المجموعات في البلدان الثلاثة، وسهّل نقل المقاتلين والأسلحة من إيران إلى اليمن، الذي عاد إليه بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.

مهام متعددة

طبقاً لبيانات ناشطي الجماعة الحوثية، فقد ظل المرتضى بعيداً عن الإعلام والتجمعات واللقاءات الشعبية، كحال بقية المسؤولين في الجناح العسكري، لكنه قاد معارك الجماعة في مديرية نهم بمحافظة صنعاء، والمواجهات التي شهدتها محافظة الحديدة، ووصلت خلالها القوات الحكومية إلى وسط عاصمة المحافظة، كما كان أحد قادة التمرد على السلطة المركزية، وتولى منذ عام 2009 قيادة مجموعة مسلحة أطلق عليها «لواء الإسلام».

بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة، انتقل المرتضى إلى جنوب لبنان، حيث عمل ضمن جماعات تابعة لـ«حزب الله» في إطار عمل المحور المدعوم من إيران، إلا إن مقتل قادة «الحزب»، بمن فيهم الأمين العام حسن نصر الله، وأهم قادة التشكيلات العسكرية، أرغمه على الانتقال إلى العراق ضمن مجموعة أخرى من العناصر الحوثية التي كانت تعمل مع التشكيلات هناك.

الحوثيون تكبدوا خسائر غير مسبوقة خلال عام 2025 (إ.ب.أ)

ووفق المصادر، فإن المرتضى أُعيد في مطلع عام 2025 إلى مناطق سيطرة الحوثيين، قبل أن تصطاده غارة أميركية في مارس، وفق تقديرات المصادر، في حين أعلنت الجماعة أنه سيدفن برفقة اثنين من القادة الآخرين قُتلوا في غارات مماثلة.

خسائر أخرى

وسط سلسلة الاعترافات، كشف ناشطون حوثيون عن مصرع مجموعة أخرى من الجناح العسكري، بعضهم كان يعمل في هندسة الصواريخ، من بينهم راجح الحُنمي، الخبير في القوة الصاروخية، والعميد إسماعيل الوجيه، والعميد أحمد إسحاق، والعميد محمد الجنيد، والعميد ماهر الجنيد، والعقيد علي المؤيد، والعقيد محمد الشرفي.

وفي السياق، كشفت المصادر عن أن العقيد أحمد حجر، الذي أقر الحوثيون بمقتله مع أخيه قائد وحدة الطيران المسيّر، كان يعمل في قسم المهام اللوجيستية المرتبطة بقوة الصواريخ وسلاح الطيران المسيّر، من خلال عمله في مكتب القيادي عبد الملك الدُرّة، المعيّن برتبة لواء نائباً لرئيس هيئة الإسناد اللوجيستي بوزارة الدفاع الحوثية.

ووفق ما أوردته منصة «ديفانس» المعنية بالشؤون الأمنية والعسكرية، فإن الدُرّة منخرط في أنشطة الدعم اللوجيستي لمنظومة الصواريخ الحوثية وسلاح الدُّرُون، ويُشرف على توفير الاحتياجات وتهريب وتوريد معدات من الخارج، وتأمين البنى التحتية ومخابئ الورشات ومراكز التجميع والصيانة.

الجماعة الحوثية تعتمد سياسة الاعتراف بخسائرها العسكرية بالتدريج (إ.ب.أ)

كما أنه يعمل نائباً للقيادي مسفر الشاعر، المتورط في أنشطة التهريب والمدرج على لوائح العقوبات، والمكلف الاستحواذ على الممتلكات العامة والخاصة عبر ما يُسمى «الحارس القضائي».

وذكرت المنصة أن الدُرّة عمل مع الحوثيين منذ بداية تأسيسهم في جبال صعدة، وهو ضابط سابق في الجيش اليمني، وعمل مع الجماعة مسؤولاً عن دائرة الإمداد والتموين، وقبلها عمل مسؤولاً للاستخبارات في القوات الجوية والدفاع الجوي، كما عمل مسؤولاً للدفاع الجوي بمحافظة الحديدة، وهو أحد القادة الذين يُحاكمون غيابياً أمام القضاء العسكري اليمني.